وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تحتفل منظمة العمل الدولية منذ عام ٢٠٠٣ بهذا اليوم العالمي، مشددةً على الوقاية من الحوادث والأمراض في مكان العمل، مستفيدة من قواها في العملية الثلاثية بين الحكومات، ومنظمات العمال، وأصحاب العمل [منظمة العمل الدولية، المبادئ التوجيهية بشأن أنظمة إدارة السلامة والصحة المهنية، جنيف، ٢٠٠١م].
إنَّ هذا التاريخ، الذي ربطته الحركة النقابية منذ عام ١٩٩٦ بذكرى ضحايا الحوادث المهنية، ليس مجرد رصدٍ للأرقام، بل هو إقرارٌ بضرورة الحوار الاجتماعي لترسيخ بيئة عمل آمنة تحفظ للإنسان كرامته التي استودعها الله فيه [تقرير منظمة العمل الدولية، اليوم العالمي للسلامة والصحة في مكان العمل، جنيف، ٢٠٢٤م].
بيدَ أنَّ تأمين بيئة العمل ومكافحة مصادر تلوثها يظلُ مهددًا بمخاطر جمة؛ نتيجة الاستخدام المفرط للمعدات التكنولوجية، مما يجعل البيئة أكثر عرضة لتفاقم معدلات التلوث واعتلال الصحة والاستغلال غير الرشيد للموارد [راجع: د. أحمد عبد الكريم سلامة، البيئة وحقوق الإنسان في القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، جامعة المنصورة، العدد ١٥، أبريل ١٩٩٤م، ص ٦-٧].
إنَّ هذا التطور النوعي قد نقل مفهوم السلامة الجسدية من إطاره المادي الضيق إلى مفهوم اجتماعي ونفسي شامل، يتجسد في التزامٍ أخلاقي وقانوني بتوفير السلامة المهنية الشاملة، صيانةً للنفس البشرية التي هي مجمع التكليف ومحور الاستخلاف [راجع: د. سلامة عبد التواب عبد الحليم، حماية البيئة في قانون العمل، دار النهضة العربية، ٢٠٠٥م]
إنَّ المنهج الإسلامي في إدارة مخاطر الحياة لا يقف عند حدود النصيحة الأخلاقية، بل يتعداها ليكون نظامًا تشريعيًا متكاملًا يستهدف حفظ الضرورات الخمس (النفس، الدين، العقل، النسل، المال)، وحيث أرشدنا المولى -عز وجل- إلى الأخذ بكل الوسائل المؤدية للنهوض في مجالات الحياة، فقد جعل من إدارة المخاطر عبادةً يتقرب بها العبد إلى ربه [مالك سلهب، موقف الإسلام من تطبيق السلامة والصحة المهنية، فبراير ٢٠٢١م]، وبناءً على ذلك هناك بعض الأمور يجب التوقف عندها:
١- الوقاية من المخاطر
لقد وضع القرآن الكريم القاعدة الذهبية لإدارة المخاطر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، والإحسانُ هنا يتجسد في اتخاذ أدق المعايير والاشتراطات لحماية العاملين وصحتهم، وهو أمرٌ مطلوبٌ شرعًا، واتباعُ هذه الاشتراطات واجبٌ على كل ذوي الشأن من عاملين وإداريين وأصحاب عمل [راجع: فتوى أمانة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ٢٠٢١م].
كما امتنَّ الله علينا بخلق ما يحمينا؛ من ظلالٍ نتقي بها الحر، ومنازل نتقي بها المطر، وسرابيل (ملابس ودروع) تقينا البأس: ﴿وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِیلَ تَقِیكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِیلَ تَقِیكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ یُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]، وهذا التأصيل الإلهي يوجب علينا اليوم استخدام السرابيل التقنية الحديثة (كوسائل الوقاية من الإشعاعات الليزرية والمؤينة والكهرباء الاستاتيكية) لحماية الأبدان من الأمراض المهنية والانهيار العصبي والعنف الناتج عن تلوث بيئة العمل [د. مجدي عبد الله شرارة، السالمة والصحة المهنية، ٢٠١٦م، ص ٣٧].
٢- حماية الموارد
لقد خلق الله البشر واستخلفهم في الأرض التي أودع فيها الخيرات، طالبًا منهم عمارتها: ﴿وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]، ومن مقتضيات هذه العمارة الحفاظ على الممتلكات والأموال من الهدر والإتلاف؛ لذا فإنَّ الإهمال الذي يؤدي لتلف الآلات أو تعطل المعدات هو إخلالٌ بأمانة الاستخلاف وتزعزعٌ لاقتصاد الأمة [راجع: د. السيد عيد نايل، قانون العمل وحماية العمال، ص ٧٢٣].
٣- التعاون والتضامن
إنَّ المنهج الإسلامي يرسخ مبدأ المسؤولية المشتركة؛ فالحكومات مسؤولة عن استصدار الأنظمة والقوانين التي تراعي السلامة، وأصحاب العمل مسؤولون عن توفير بيئة آمنة، والعمال مسؤولون عن الالتزام بالوقاية، انطلاقًا من الحديث الشريف: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [البخاري: الصحيح (٢٥٥٤)].
وهذا المبدأ هو الذي تعتمده منظمة العمل الدولية اليوم في العملية الثلاثية لإدارة المخاطر المهنية [منظمة العمل الدولية، المبادئ التوجيهية بشأن أنظمة إدارة السلامة والصحة المهنية، جنيف، ٢٠٠١م].
إيمانًا بأنَّ الحق في العمل الآمن هو حق دستوري، سخرت الدولة المصرية مؤسساتها لخدمة هذا الهدف؛ ويظهر ذلك جليًا في تفعيل قوانين السلامة المهنية وتراخيص الصحة لضمان بيئة عمل تحمي صُنّاع الحياة وذلك عبر قانون العمل المصري رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣، الكتاب الخامس، السلامة والصحة المهنية، ويؤكد دستور جمهورية مصر العربية، المادة ٤٦، الحق في بيئة صحية، ٢٠١٤م "لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وحمايتها واجب وطني، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها، وعدم الإضرار بها، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يكفل تحقيق التنمية المستدامة، وضمان حقوق الأجيال القادمة فيها".
إنَّ ترسيخ ثقافة السلامة والصحة المهنية هو استثمارٌ في الإنسان قبل العمران، وشكرٌ عملي لنعمة القوة والعافية، فلنجعل من كل موقع عمل محرابًا آمنًا للإنتاج، نصونُ فيه الأرواح كما نصونُ فيه الأوطان، إعلاءً لكلمة الله وإعمارًا لكونه.