Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

لماذا اختار الله مكة لتبدأ منها رسالة الإسلام

الكاتب

هيئة التحرير

لماذا اختار الله مكة لتبدأ منها رسالة الإسلام

لم يكن اختيار مكة المكرمة مهدًا للرسالة الخاتمة أمرًا عابرًا، بل جاء وفق تدبير إلهي حكيم هيأ لها أسباب الريادة والتميز الشامل، وتتجلى هذه العناية الربانية في خصائص فريدة ومقومات متكاملة، جمعت بين عبقرية المكان، وطهارة اللسان، ونبل صفات الإنسان.

موقع مكة الجغرافي المميز يقع في قلب العالم القديم

لم يكن اختيار مكة المكرمة لتكون مهد الرسالة الخاتمة أمرًا خاليًا من الحِكمة، بل كان تدبيرًا ربانيًّا حكيمًا تجلى في موقعها الجغرافي الفريد؛ حيث تربعت في نقطة الارتكاز من هذا الكوكب كأنها قلب العالم القديم، وقد وصفت كتب السير والأثر هذه البقعة بأنها (أم القرى)، فقد جعلها الله بين امبراطوريات الأرض الكبرى معزلًا آمنًا لا تطؤه جيوش القياصرة ولا الأكاسرة؛ مما حفظ للدعوة الوليدة نقاءها وحريتها في مهدها الأول.

 وفي كتب السنة المطهرة نجد النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤكد هذه المكانة بقوله: «واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ» [جامع الترمذي، حديث رقم ٣٩٢٥]، فهي ليست مجرد ملتقى لقوافل التجارة في رحلتي الشتاء والصيف، بل هي مركز الإشعاع الذي انطلقت منه أنوار التوحيد لتعم القارات بأسرها، فكان موقعها الجغرافي هو البوابة الاستراتيجية الأكمل لحمل الرسالة إلى العالمين.

بركة المكان بوجود بيت الله الحرام

تبوأت مكة المكرمة مكانة روحية عالية لا تدانيها بقعة على وجه الأرض بفضل ما حباها الله به من بركة إلهية وتاريخية تجلت في وجود بيته الحرام الذي جعله سبحانه مثابة للناس وأمنًا وهدى للعالمين، فمنذ أن رفع النبي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعد الكعبة المشرفة والنفوس تهفو إلى هذا الوادي المقدس [السيرة النبوية لابن هشام، ج ١، ص ٣٥]، والقلوب تنقاد إليه بالتعظيم والإجلال قبل بزوغ فجر الإسلام بقرون، هذا الإرث الديني العظيم جعل من مكة مركزًا روحيًّا وقبلة محترمة لجميع قبائل الجزيرة العربية؛ مما هيأ النفوس لاحقًا لتقبل الرسالة الخاتمة التي جاءت لتطهر هذا البيت من الأوثان وتُعيد إليه توحيده الخالص [السيرة النبوية لابن هشام، ج ١، ص ١١٢].

 وفي كتب السنة المطهرة يتجلى عظم هذه البركة وفضل الصلاة في هذا المكان الطاهر؛ حيث يؤكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه المزية العظمى بقوله: «صلاةٌ في مسجدِي هذا أفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ من مائةِ ألفٍ صلاةٍ فيما سواه» [سنن ابن ماجه، حديث رقم ١٤٠٦]، فكانت هذه البركة الدينية المتجذرة هي التربة الروحية الخصبة التي احتضنت أنوار الرسالة الأولى، ومنها فاضت الهداية لتغمر أركان المعمورة.

الامتداد التاريخي لدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام

يمثل ظهور فجر الإسلام من مكة المكرمة امتدادًا تاريخيًا وثمرة مباركة لدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام حين استودع ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، فدعا ربه راجيًا أن يبعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويقودهم إلى التوحيد الخالص، وقد ظلت مكة عبر القرون محتفظة بآثار هذه الدعوة الإبراهيمية كالحجر والمقام والمشاعر العظام، مما جعل النفوس والقلوب مهيأة تاريخيًّا وروحيًّا لاستقبال النبوة الخاتمة التي جاءت مصدقة لملة إبراهيم الحنيفية ومتممة لها [السيرة النبوية، لابن هشام، طبعة دار المعرفة، ج ١، ص ٣٦]، ويتجلى هذا الارتباط الوثيق والعمق التاريخي لبعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتب السنة المطهرة؛ حيث سأله أصحابه عن بدء أمره فقال مؤكدًا هذا الامتداد: «أنا دَعْوةُ أبي إبراهيمَ، وبُشْرى أخي عيسى» [مسند أحمد، مسند الشاميين، حديث رقم ١٧١٦٣]، فكان اختيار مكة هو الاستجابة الإلهية لتلك الدعوة الخاشعة التي انطلقت من جنباتها قبل آلاف السنين، ليتصل سبب الأرض بالسماء وتكتمل حلقة الهدى ببعثة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الحرية السياسية في مكة

شكلت البيئة السياسية لمكة المكرمة مناخًا حرًّا فريدًا أسهم في حماية الدعوة الإسلامية في مهدها الأول، فقد كانت هذه البلدة الآمنة بمعزل عن سيطرة الإمبراطوريات العظمى المهيمنة آنذاك كإمبراطوريتي الروم والفرس [السيرة النبوية لابن هشام، طبعة دار المعرفة، ج ١، ص ٤٢]، ولم تكن مكة تخضع لحاكم مستبد أو ملك ، بل كانت تدار بنظام قبلي شوري مرن عبر (دار الندوة)، مما أتاح مساحة من حرية الحركة والجدال الفكري خففت من وطأة الملاحقة المطلقة للمسلمين الأوائل [السيرة النبوية، لابن هشام، ذكر دار الندوة، ج ١، ص ١٣٢]، هذا الاستقلال والسيادة الذاتية جعلا الدعوة تنمو في بيئة نقية بعيدة عن التدخلات الخارجية التي كان يمكنها إخماد الرسالة بقرار إمبراطوري واحد، وقد تجلت الرعاية الربانية في حفظ هذه الحرية وصيانة مكة من أي غزو أجنبي يطمس هويتها المستقلة، وهو ما ذكَّر به النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته مؤكدًا خصوصية هذه البلدة المحمية بقوله: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عليها رَسوله والْمُؤْمِنِينَ» [صحيح البخاري، حديث رقم ٢٤٣٤، ص ٦٠١]، فكانت تلك الحرية السياسية هي السياج الذي حفظ للدعوة أنفاسها الأولى حتى قويت واشتد عودها وانطلقت إلى العالمين.

فصاحة أهل مكة ونقاء لغتهم

مَثَّل النقاء اللغوي والثقافي لأهل مكة المكرمة ركيزة أساسية في حمل أعباء الرسالة الخاتمة وفهم أبعادها، فقد كانت قريش تمثل ذروة الفصاحة والبيان بين قبائل الجزيرة العربية، ولما نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين يتحدى البلغاء والخطباء تهيأت في مكة البيئة اللغوية؛ لاستيعاب إعجازه البياني ونقل ألفاظه ومعانيه بدقة متناهية دون كلفة [السيرة النبوية لابن هشام، ج ١، ص ٧٤]، هذا الصفاء اللساني جعل الصحابة الأوائل أقدر الناس على فهم مراد الله ورسوله، فصارت لغتهم السليمة أداة قوية لنشر الدعوة وشرح أحكامها للوفود والقادمين إلى مكة، وقد اهتمت كتب السنة الشريفة ببيان فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أورد أصحاب السير والأثر في بيان جودة لسانه وفصاحته قوله الشريف: «بُعِثْتُ بجَوامِعِ الكَلِمِ» [صحيح البخاري حديث: ٧٠١٣]، فكان هذا النقاء اللغوي الفريد لأهل مكة هو الوعاء الحضاري الأنسب لحفظ النص القرآني الخالد، واللسان المتقن الذي حمل أنوار الهداية وصاغ بها عقول البشرية في كل مكان.

الصفات الأخلاقية والنفسية لأهل مكة

تمم الإسلام ما كان مستقرًّا في نفوس أهل مكة وجزيرة العرب من مكارم الأخلاق وشريف الخصال، كالشهامة، والنجدة، والشجاعة، وحماية المستجير والأهل، والوفاء بالعهود، والكرم الحاتمي الذي كان ممدوحًا عند العرب، وشهدت بفضله كتب الأثر والتاريخ [السيرة النبوية لابن هشام، ج ١، ص ١٤١]، هذه البيئة النفسية الصلبة كانت بمثابة (المادة الخام) والتربة الإنسانية الخصبة التي اصطفاها الله لحمل أعباء الرسالة؛ إذ كان أهل مكة، رغم جاهليتهم يأنفون من الغدر والتدليس والكذب، وهي صفات مكنتهم لاحقًا من الصبر على مشاق الدعوة والجهاد في سبيلها بثبات لا يتزعزع، وقد جاءت السنة المطهرة لتؤكد أن بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن لإلغاء تلك الفطرة الإنسانية، بل لصقلها وتهذيبها بالوحي، حيث قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما بُعِثْتُ لأُتممَ صالحَ الأخلاقِ» [مسند أحمد، حديث رقم ٨٩٥٢]، فكانت تلك الصفات النفسية المتميزة لأهل مكة هي الركيزة البشرية التي استندت إليها الدعوة، ليتحول أولئك الرجال من قادة قبائل إلى قادة للأمم يحملون مشاعل النور والعدل للعالمين.

الخلاصة

من موقع مكة المكرمة الفريد وفصاحة لغتها إلى نبل أخلاق أهلها وبركة بيتها الحرام تكاملت كل هذه المقومات لتكَوِّن المهد الأكمل لظهور الإسلام، وكانت هذه الخصائص العظيمة تدبيرًا إلهيًّا مهد الطريق لنشر الهداية والنور للعالم كله.

موضوعات ذات صلة

مكة المكرمة مهد النبوة ومنطلق رسالة الإسلام.

كان فتحًا للقلوب المغلقة، وذلك لمكانة مكة من قبائل العرب لوجود البيت الحرام فيها.

كانت الهجرة انتقالًا بالدعوة من مرحلة الكلام والتبليغ إلى مرحلة العمل وبناء مجتمع ودولة.

انتقلت الدعوة الإسلامية بالهجرة النبوية من مرحلة الاضطهاد في مكة إلى التمكين وبناء الدولة في المدينة المنورة.

تمثل بعثة سيدنا رسول الله ﷺ نقطة التحول الأعظم في تاريخ البشرية.

موضوعات مختارة