Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عواصف العنف.. تشريح الترويع في مآلات القرون الوسطى

الكاتب

هيئة التحرير

عواصف العنف.. تشريح الترويع في مآلات القرون الوسطى

كيف تحول الدين من وسيلة نجاة إلى أداة للترويع في القرون الوسطى؟ 

عبر تزييف الوعي وتغول السلطة العقدية؛ حيث استباحت محاكم التفتيش وخناجر الحشاشين الدماء، مما جعل التاريخ مرآة لكشف جذور الإرهاب المعاصر وكيفية مواجهته.

محاكم التفتيش ووثنية الإقصاء

تغول السلطة العقدية في الغرب:

لقد خيّم على العالم المسيحي في تلك الآونة شبحُ ما عُرف بـ (محاكم التفتيش)، والتي لم تكن في حقيقتها إلا ارتكاسًا موحشًا عن جوهر المحبة، ونكوصًا عن التعاليم التي جاءت لترتقي بالإنسان، نشأت هذه المحاكم بقرار من الملك لويس الثامن لتتبع من وُصموا بـ(المروق) في جنوب وشمال فرنسا، فأُسندت مقاليد الترويع لرهبان (الدومينيكان) الذين ساموا القسيسين الصغار وبسطاء الخلق جبروتًا لا يُطاق، وأرسلوا إلى المحارق أعدادًا غفيرة بتهمٍ هلامية تُسمى (الخروج عن تعاليم الكنيسة) [د. حسين شريف، الإرهاب الدولي وانعكاساته على الشرق الأوسط خلال أربعين قرنًا: ص ٨٠].

إنَّ الفاجعة تتبدى في استباحة الدماء تحت لافتة الرب؛ فالحملات التي قادها البابا (أنوسنت الثالث) عام ١٢٠٨م لم تكن حوارًا عقديًّا، بل كانت إبادةً إرهابيةً منظمة، تجلت بشاعتها في حصار بلدة (بيزية) التي قُتل من سكانها خمسة عشر ألفًا دفعة واحدة، في أكبر عملية إرهاب شهِدها ذاك العصر [المرجع السابق، ص ٧٩]، ومع انطواء صفحة الدولة الإسلامية في الأندلس، أذاقت هذه المحاكم المسلمين أشد صنوف الهوان، ففرضت "التنصير الجبري" سبيلًا وحيدًا للبقاء، ومن أبى فقد واجه الموت حرقًا أو بقطع الرؤوس، دون تمييز بين شيخٍ فانٍ أو طفلٍ غرير، في تجسيدٍ صارخ لمفهوم (الإرهاب العقدي) الذي لا يقبل إلا المحو التام للآخر [د. أحمد محمد أبو مصطفى، الإرهاب ومواجهته جنائيًّا: ص ١٩]. إن هذا المسلك الإقصائي هو الجذر الأول لكل فكرٍ يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة لاستئصال المخالفين.

العالم الإسلامي بين مطرقة الحروب الصليبية وسندان الهجمات المغولية

تعرض الإسلام في العصر الوسيط لزلزالين عظيمين، اجتمعت فيهما شهوة القتل بالرغبة في تدمير الحواضر والمدن؛ أولهما الحروب الصليبية التي انطلقت بدعوى (الحرب المقدسة) بفتوى البابا (أربان الثاني) عام ١٠٩٥م، مشحونةً برغبةٍ عارمة في الانتقام واختطاف الأماكن المقدسة [د. محمد جرادي، الإرهاب في الشريعة والقانون: ص ٦٦]، فاقتحموا بيت المقدس دخول المستبيح، وعاثوا في المسجد الأقصى قتلًا حتى هلك ما يربو على سبعين ألفًا، منهم أئمة وعلماء جاوروا الموضع الشريف طلبًا للسكينة، فاصطبغ المحراب بدمائهم في مشهدٍ يصادم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾  [البقرة: ١٩٠].

ولم تكن مذبحة عكا عام ١١٩١م إلا فصلًا كالحًا آخر، حين غدر الصليبيون بألفين وسبعمائة أسير بعد أن استولوا على المدينة قهرًا [ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج١٠، ص ٢٨٣، ٣٧٢]، وما لبثت الجراح أن تجددت باجتياح المغول الكاسح عام ١٢٥٦م، الذين اجتاحوا البلاد الإسلامية مرتكبين فظائع لم يعهدها البشر من سلبٍ ونهبٍ وتخريب، طال بلاد خراسان وأذربيجان، حتى بلغت المأساة ذروتها في بغداد عام ١٢٥٨م؛ حيث استباحت جيوش هولاكو المدينة لأربعين يومًا، قتلت خلالها الرجال والنساء والولدان، في إرهابٍ مغوليٍّ فظيع أهلك الحرث والنسل [د. محمد جرادي، مرجع سابق: ص ٧١]، إنَّ هذا العنف العابر للحدود يبرهن أنَّ القوة حين تنفصل عن القيمة الأخلاقية تتحول إلى وحشٍ كاسر يهدد الوجود الإنساني.

تزييف الوعي وصناعة الفدائي

جماعة الحشاشين نموذجًا:

في ظل هذه الاضطرابات الخارجية، نبتت في الداخل الإسلامي حركاتٌ مارقة اتخذت من (الإرهاب المنظم) مذهبًا، ولعل أخطرها جماعة (الحشاشين) المنحدرة من الإسماعيلية في القرن العاشر الميلادي [د. حسين شريف، مرجع سابق: ص ١١٤]، لقد اعتمدت هذه النبتة الشاردة استراتيجية (السرية المطلقة)، وشيدوا قلاعًا حصينة من أفغانستان إلى سواحل سوريا، لتكون محاضن لتفريخ (الفدائيين) الذين أُتقنت صناعتهم النفسية لدرجة الاندفاع نحو الموت المحتوم تنفيذًا لأوامر أسيادهم [د. محمد جرادي، مرجع سابق: ص ٧١].

لقد أتقن زعيمهم (حسن بن الصباح) فنون (تزييف الوعي) عبر آلية شيطانية؛ حيث كان يصطفي الشبان، ثم يخدرهم بـ(الحشيشة) ويدخلهم حدائق غناء مليئة بالملذات، ليوهمهم بعد إفاقتهم أنهم ذاقوا نعيم الجنة، فلا سبيل للعودة إليها إلا بالاغتيال والغدر [د. أحمد عبد القادر الشائلي، حركات الغلو والتطرف: ص ١٩]. وهذا هو عين الضلال الذي يركبه (خوارج العصر) وجماعات التطرف اليوم؛ حيث يمنون الشباب بجناتٍ وهمية عبر بوابات الدماء وتفجير النفس، متناسين وعيد النبي - صلى الله عليه وسلم - الصارم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» [أخرجه البخاري]، فالحشاشون قديمًا هم ملهمو (صناعة الانتحار) حديثًا، والعلة واحدة هي غياب العقل وحضور الوهم.

زعزعة الأركان ومحاولات اغتيال الرموز

نشرت فرقة الحشاشين الهلع في أوصال العالم الإسلامي، ولم يكن إرهابهم عشوائيًّا، بل كان (إرهابًا ذكيًّا) يستهدف الرموز والقادة لخلخلة أركان الدولة ونشر الفوضى؛ فاغتالوا الخليفة العباسي (المسترشد)، ووالي أصفهان، ووالي تبريز، بل ومفتي قزوين [حسن صادق، بذور الفكر الإسلامي، ص ٩٩]، ولم يسلم من غدرهم حتى حماة الثغور؛ فقد حاولوا اغتيال القائد الفذ (صلاح الدين الأيوبي) أربع مرات متتالية، مستغلين انشغاله بجهاد الصليبيين [د. أحمد محمد أبو مصطفى، مرجع سابق، ص ٢٠].

إنَّ هذا المسلك الإجرامي يبرهن على أنَّ المتطرف لا حرمة عنده لزمانٍ أو مكانٍ أو رمز، فهو يطعن الظهر ويبدد الطاقات في لحظات المواجهة الكبرى، تمامًا كما تفعل (النابتة) اليوم حين تستهدف جيوش الأوطان ومؤسساتها الدينية والعلمية، متجاهلين الثابت النبوي الراسخ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [متفق عليه]، إنَّ خنجر الحشاش القديم هو ذاته العبوة الناسفة اليوم، والهدف واحد هو هدم البناء الإنساني المستقر.

الخلاصة

 إنَّ سبر أغوار التاريخ في القرون الوسطى يكشف لنا بوضوح أنَّ الإرهاب هو داءٌ عضال يصيب الفكر حين ينسلخ من مقاصد الرحمة الكلية، وسواء جاء تحت رداء (محاكم التفتيش) الإقصائية أو (خناجر الحشاشين) الغادرة، فإنه يظل وجهًا كالحًا لمنطق القوة الغاشمة الذي يرفضه العقل السليم والشرع القويم، إنَّ واجبنا اليوم يتجاوز مجرد السرد التاريخي إلى (تفكيك البنية الذهنية) للمتطرف، واستنقاذ الشباب من سحر الوعود الكاذبة، واستعادة بهاء الإسلام الذي جاء ليعمر لا ليدمر، وليبني لا ليهدم؛ فالحق سبحانه قد حسم الأمر بقوله: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ كَٱلۡمُجۡرِمِینَ * مَا لَكُمۡ كَیۡفَ تَحۡكُمُونَ﴾  [القلم: ٣٥-٣٦].

موضوعات ذات صلة

إن التطرفَ والإرهابَ لا ينبعانِ من سببٍ واحدٍ، بل من شبكةٍ معقّدة منَ العواملِ المتداخلةِ

إن المعركة مع الإرهاب ليست مجرد صدامٍ عسكري؛ بل هي حربٌ مقدسة لاسترداد سماحة الإسلام من براثنِ عقولٍ مَرقت من الدين كما يمرق السهم من الرمية

 إنَّ المتأمل في عواصف التاريخ يدرك أنَّ الإرهاب ليس نبتةً طارئة