Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مسألة التحسين والتقبيح بين العقل والشرع

الكاتب

هيئة التحرير

مسألة التحسين والتقبيح بين العقل والشرع

تُمثّل مسألة التحسين والتقبيح العقليين المرتكز الأساس للفكر الكلامي، والفيصل الجوهري في تحديد مصدرية الحكم وعلاقة العقل بالوحي؛ هل القيمة التكليفية للفعل صفة ذاتية كامنة فيه يدركها العقل استقلالًا؟ أم هي حكم توقيفي محض لا يتجلى إلا بنص الشارع؟ إن تحرير هذا النزاع وتتبع أثره في وجوب الحكم التكليفي يقتضي ضبط المصطلحات وعرض خريطة المواقف بموضوعية.

التحرير اللغوي والاصطلاحي للحسن والقبح

أولًا: الحسن والقبح لغة

الحُسْن: في لسان العرب هو ضد القُبْح ونقيضه، وهو بالضم يُراد به الجمال الظاهري والباطني وكل مبهج مرغوب فيه [ابن منظور، لسان العرب، ١ / ٦٨٣]، وينقل الزبيدي عن الأصمعي تفريقًا دقيقًا؛ حيث الحسن في العينين والجمال للأنف [الزبيدي، تاج العروس، ٩ / ١٧٥]، أما الراغب الأصفهاني فيوسع الدلالة ليشمل ثلاثة مسارات؛ حيث يذكر أن الحُسن: "عبارة عن كل مستحسن من جهة العقل، ومستحسن من جهة الهوى، ومستحسن من جهة الحس" [الزبيدي، تاج العروس، ٩ / ١٧٥].

القُبْح: تأتي مادة (القبح) في لسان العرب والتشريع لتعبّر عن مباينة الحُسن وضدّه، وهي صفة تقع على الصور والأفعال تعميمًا؛ فيُقال: قَبُحَ الشيءُ قُبْحًا وقَبْاحَةً فهو قَبِيح، ومآل اللفظ في حقيقته اللغوية يرجع إلى الإقصاء والتنحية؛ فقولنا: "قَبَحَهُ الله" أي نَحَّاهُ وأَبْعَدَهُ عن مواطن الخير كافّة [الزبيدي، تاج العروس، ٢ / ٢٠١]، ومصداق هذا البيان في التنزيل الحكيم قوله تعالى: ﴿وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِی هَٰذِهِ ٱلدُّنۡیَا لَعۡنَةࣰۖ وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِینَ﴾ [القصص: ٤٢]، حيث جاء التفسير مجمعًا على أنهم المبعدون المطرودون من كل فضل وخير.

ثانيًا: الحسن والقبح اصطلاحًا

 يتفق جمهرة المتكلمين على أن إطلاق الحسن والقبح ينصرف إلى ثلاثة اعتبارات رئيسة:

 الاعتبار الأول هو: الحسن ككون الشيء صفة كمال، ككون العلم صفة كمال وارتفاع شأن لمن اتصف به، وكون الجهل صفة نقصان وتدني حال لمن اتصف به [حاشية الخلخالي على شرح الجلال الدواني على العقائد العضدية، ٢ /٢٠٩]، وهذا النوع متفق على أنه عقلي.

الاعتبار الثاني هو: أن الحسن هو ملاءمة الطبع والقبح هو منافرته، كقولنا: إنقاذ الغريق حسن واتهام البريء قبيح، وهو بهذا المعنى لا يعتبر ذاتيًّا بل هو عقلي [الغزالي، المستصفى، ١ /١١٢؛ الآمدي، الإحكام، ١ /٧٩].

الاعتبار الثالث: هو معترك النزاع ومحل الخلاف التكليفي، ويُقصد به "استحقاق الثواب والمدح، أو العقاب والذم في العاجل والآجل"، كالطاعات والمعاصي التي يدور معها مناط الثواب والعقاب، فما لا يتعلق به شيء منهما يخرج تمامًا عن حدي الحسن والقبح التشريعيين [الإيجي، المواقف في علم الكلام، ٣ /٢٦٩؛ الجرجاني، شرح المواقف، ٨ /١٨٣]، وفي هذا السياق، يلخص الإمام السبكي حقيقة التوافق والخلاف بقوله: "واعلم أن الحسن والقبح قد يراد بهما كون الشيء ملائمًا للطبع ومنافرًا، أو كون الشيء صفة كمال أو صفة نقص كقولنا: العلم حسن والجهل قبيح، وبهذا التفسير لا نزاع في كونهما عقليين، إنما النزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلًا والعقاب آجلًا" [السبكي، الإبهاج، ١ / ١٣٥].

ومن داخل الرؤية الأشعرية التي تنيط هذا الاعتبار الثالث بمحض خطاب الشارع، يضع الإمام الباقلاني حدًّا ضابطًا لهذه الحقيقة بقوله: "الحسن هو ما أمرنا الله بمدح فاعله، وتَعظيمه وحسن الثناء عليه، والعدول عن ذمه وانتقاصه، والقبيح هو ما أمرنا الله تعالى بذم فاعله وانتقاصه وسوء الثناء عليه به"[ الباقلاني: التقريب و الإرشاد الصغير، ط،٢، مؤسسة الرسالة، ١ /٢٨٠]، وهو عينه التحديد المنهجي الذي ارتضاه وصار عليه إمام الحرمين الجويني في مصنفاته التوحيدية؛ تأكيدًا لربط الأحكام بالخطاب التشريعي ورودًا وتطبيقًا.

الناحية التاريخية للقول بالتحسين والتقبيح العقليين

إن القول بالتحسين والتقبيح العقليين ليس من ابتكار فرق المسلمين, بل سبقتهم قبل الإسلام بعض الديانات الهندية؛ وهو قول التناسخية وهم القائلون بتناسخ الأرواح في الأجساد والانتقال من شخص إلى آخر [السامرائي، الغلو والفرق الغالية، ص١٢٩]، والبراهمة المنسوبين إلى براهما كبير آلهة الهندوس وهم من أقدم الديانات [ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص٦٥]، والثنوية من الفرق القديمة القائلة بأصلين للعالم هما النور والظلمة وأنهما خالقان [الرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص ١٢١]، وقد ذكر ذلك الإمام الرازي والإمام الآمدي في كتبهم، وهم بذلك الذين وضعوا البذور الأولى للقول بإيجاب المعارف عقلًا [الآمدي، الإحكام، ١ /٨٠].

آراء المدارس الكلامية في التحسين والتقبيح

عند تفصيل مواقف المدارس الكلامية، نجد ثلاثة أقوال كبرى تمثل خريطة الفكر الإسلامي في هذه المسألة:

القول الأول: للمعتزلة؛ تذهب المعتزلة إلى أن حُسن الأشياء وقُبحها، وما يترتب عليهما من ثواب وعقاب، إنما يُدرك بطريق العقل استقلالًا؛ فالحسن عندهم ما استحسنه العقل، والقبيح ما استقبحه.

 وبناءً على هذا التأصيل، فإن العقل إذا أدرك في الفعل جهة حُسنٍ يُمدح فاعلها ويُذم تاركها، قضى بوجوبه ترتبًا، فالقيم الأخلاقية والتشريعية للأفعال ذاتية كامنة في صلبها، وللعقل مكنة الكشف عنها, وتحديد استحقاق المكلف للمدح والثواب أو الذم والعقاب بناءً عليها.

يقول أبو الهذيل العلاف في هذا الصدد: "إنه يجب على المكلف قبل ورود السمع أن يعرف الله تعالى بالدليل, وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدًا، ويعلم أيضًا حسن الحسن وقبح القبيح؛ فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل, والإعراض عن القبيح كالكذب والفجور" [الشهرستاني، الملل والنحل، ١ /٥٢]، ويؤكد القاضي عبد الجبار المعتزلي هذا المنحى بقوله: "قد ذكرنا أن وجوب المصلحة وقبح المفسدة متقرران في العقل، فليس لأحد أن يقول إنما يحتاج إلى السمع ليفصل العاقل بين الحسن والقبيح" [القاضي عبدالجبار، شرح الأصول الخمسة، ص ٥٦٥؛ والمغني في أبواب العدل والتوحيد،١٤ /٧].

وتأصيلًا لمذهبهم، سلكت المعتزلة مسلك الاستدلال العقلي القائم على لزوم الدور والفساد؛ حيث احتجوا بأن الحسن والقبح لو لم يكونا صفتين ذاتيتين يدركهما العقل استقلالًا، لجرَّ ذلك إلى تجويز الكذب على الله تعالى وعلى أنبيائه ورسله، ووجه ملازمة ذلك عندهم أنه لو كان القبح لا يثبت للفعل إلا بورود النهي الشرعي عنه، لكان الكذب في ذاته عاريًا عن وصف القبح قبل البعثة، وتجويز الكذب على الله والرسل باطل بالضرورة؛ لأنه يرفع الأمان في التبليغ، ويترتب عليه بالتبعية سقوط موثوقية الأحكام وفساد الرسالات والشرائع برمتها.

القول الثاني: للأشاعرة الذين يرون أن حسن الأشياء وقبحها، وما ينبني عليهما من ثواب أو عقاب، إنما مرجعه إلى توقيف الشارع وبيانه لا إلى قضية العقل ونظره؛ فالحسن عندهم ما حَسَّنَهُ الشرع بالأمر، والقبيح ما قَبَّحَهُ بالنهي، وينطلق هذا المأخذ من أصل كلامي مكين, يقضي بإثبات الإرادة الإلهية المطلقة, ونفي قياس أفعال الباري جل وعلا على أفعال العباد؛ فالله سبحانه هو مالك الملك على الإطلاق، يفعل في ملكه ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ومن ثم أثبتوا طلاقة القدرة والمشيئة في وقوع أفعاله سبحانه منزهة عن الغايات والموجبات، فلا توصف أفعاله بحال من الأحوال بقُبح أو ظلم أو شر، إذ هو المالك المتصرف الذي لا يُحد تصرفه رسم ولا عبارة [الدسوقي، القضاء والقدر، ١ /١٤٩]، وهو عادل في كل ما يفعل, ولو لم يخلق الخلق لم يخرج عن الحكمة، ولو خلق أضعاف ما خلق لكانت كل هذه الوجوه منه صوابًا وعدلًا وحكمة [البغدادي، أصول الدين، ص ١٥٠].

ويقول الإمام الشهرستاني: "إن العقل لا يدل على حسن الشيء وقبحه في حكم التكليف من الله شرعًا، وقد يحسن الشيء شرعًا ويقبح مثله المساوي له في جميع الصفات النفسية، فمعنى الحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله, ومعنى القبيح ما ورد الشرع بذم فاعله" [الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، ص ٣٧٠].

ويقول الإمام الباقلاني: "إن الحسن ما وافق الأمر من الفعل, والقبيح ما وافق النهي من الفعل, وليس الحسن حسنًا من قبل الصورة, وليس القبيح قبيحًا من قبل الصورة" [الباقلاني، الإنصاف، ص ٤٩].

 ويؤكد الإمام الإيجي هذا المعنى بقوله "إن القبيح ما نهي عنه شرعًا, والحسن بخلافه, ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها" [الإيجي، المواقف، ٢٦٨/٣].

وتأسيسًا على هذا، يخلع الأشاعرة عن العقل أي سلطة معياريّة في باب التحسين والتقبيح الذي يترتب عليه مناط التكليف الأخروي، بل ذهب بعض أئمتهم إلى مدى أبعد تأكيدًا لسيادة الإرادة الإلهية، فجوزوا عقلًا أن ينقلب الحكم التكليفي بتبدل الخطاب؛ فيجعل الله الواجبات محرمات والمحرمات واجبات، إذ لا حاكم على أفعاله تعالى، والمحكم في النوازل هو محض أمره ونهيه.

القول الثالث: للماتريدية وتقف المدرسة الماتريدية في هذا المقام بمثابة البرزخ الوسط بين الإفراط والتفريط؛ إذ يقررون أن حُسن الأشياء وقُبحها يمكن إدراكهما من جهة العقل، غير أنهم يمنعون ترتيب الثواب والعقاب الأخرويين بمجرد هذا الإدراك العقلاني المستقل، ويتبدى هذا الأصل جليًّا في مذهبهم حول وجوب معرفة الله؛ حيث يرون أن وجوبها ثابت بالعقل, بمعنى أنه لو لم يرد الشرع بالبعثة لأدرك العقل ضرورة المعرفة استقلالًا لوضوح أدلتها، لا بناءً على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين الإيجابية كما ذهبت المعتزلة.

وشاع عند كثير من الباحثين أن المقالة الماتريدية في التحسين والتقبيح العقليين إنما هي نسخة مكررة من مذهب المعتزلة، وهو وهمٌ يدحضه التمايز الداخلي بين أساطين الماتريدية أنفسهم؛ إذ انقسموا في هذه المسألة إلى اتجاهين كبيرين:

فذهب ماتريدية سمرقند إلى أن العقل متى أدرك جهة الحسن أو القبح في الفعل، فإنه يدرك بها حكم الله تعالى وفاقًا.

وعلى النقيض من ذلك، ذهب أئمة بخارى إلى سلب العقل القدرة على قضائه بوجوب أو حرمة في أحكام الفروع والشرائع، وعلقوا ثبوت هذه الأحكام على ورود السمع، فوافقوا الأشاعرة في هذا المنحى المنهجي الذي يقرر بحق امتناع التكليف الفعلي قبل ورود الخطاب الشرعي [الكمال بن الهمام، المسامرة شرح المسايرة، ص ١٦١]، فالماتريدية من أهل السنة وافقوا أهل الاعتزال في إدراك الحسن والقبح، ولكن الفرق بين الماتريدية وبين المعتزلة أن الماتريدية لا يستلزم عندهم كون الحسن والقبح عقليًّا حكمًا من الله تعالى في العبد، بل يصير موجبًا لاستحقاق الحكم من الحكيم الذي لا يرجح المرجوح، فالحاكم هو الله فقط والكاشف هو الشرع، فما لم يحكم الله تعالى بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليس هناك حكم أصلًا، فلا يعاقب أهل زمان الفترة لترك الأحكام، بخلاف المعتزلة فإن كلًا من الحسن والقبح يوجب الحكم عندهم من الله تعالى [الألوسي، صب العذاب على من سب الأصحاب، ص ٥١٠].

وبناءً على هذا التأصيل، يظهر التباين الجوهري في دور العقل ومناط الإيجاب بين المدرستين؛ فالعقل عند المعتزلة إذا أدرك حُسن الفعل أو قُبحه، صار موجِبًا ومقتضِيًا بذاته وحاكميته لمقتضاهما على الله تعالى وعلى العباد على حدٍّ سواء، أما عند الماتريدية، فإن الحاكم والموجِب على الحقيقة هو الله تعالى وحده، وما العقل لديهم إلا آلة معرفية كاشفة، جُعلت لتبصّر الحكم وفهمه بواسطة إطلاع الله للعبد على ما كَمَنَ في صلب الفعل من ألوان الحُسن والقُبح.

ويتبدى على إثر ذلك فارقٌ جوهري آخر يُعد من أدق الفروق الدلالية بينهما؛ وهو أن القائلين من الماتريدية بثبوت الحُسن والقُبح عقلًا في بعض الأفعال وقدرة العقل على ارتيادها، قد نأوا بأنفسهم تمامًا عن ترتيب تلك اللوازم الكلامية التي أوجبتها المعتزلة على الذات الإلهية بموجب قضايا العقل، حيث رفض الماتريدية نفي طلاقة المشيئة والقول بوجوب أمورٍ على الله سبحانه، كقواعد الصلاح والأصلح، أو حتمية الثواب والعقاب بمجرد النظر العقلي المستقل [الألوسي، المرجع السابق، ص ٥١٠].

الخلاصة

معركة التحسين والتقبيح هي التي صاغت حدود العلاقة بين العقل والشرع؛ فبينما جعلت المعتزلة الأفعال ذاتية الحسن والقبح, والعقل مستقّلًا بإدراك أحكامها، رهن الأشاعرة التكليف بمحض توقيف الشارع وإرادته، وتوسطت الماتريدية بجعل العقل آلة كاشفة للحسن والقبح دون ترتيب ثواب أو عقاب قبل ورود السمع.

موضوعات ذات صلة

أوّلُ مذهبٍ في علمِ الكلامِ الإسلاميّ، بدأ في النصفِ الأوّلِ من القرنِ الثاني الهجريّ.

صراعٌ بين عقلٍ يستضيء بنور الوحي، وعقلٍ حاصر نفسه في مضائق التجريد الذهني بعيدًا عن مرافئ الأثر.

تدور الأطروحة بين إيجاب المعتزلة لرعاية مصالح العباد، ونفي أهل السُّنّة للوجوب.

من المسائل التي اختلفت أنظار العلماء إليها.

تُعد مسألة الوعد والوعيد من أبرز القضايا العقدية التي أثارت جدلًا واسعًا بين الفرق الكلامية.

موضوعات مختارة