عند تفصيل مواقف المدارس الكلامية، نجد ثلاثة أقوال كبرى تمثل خريطة
الفكر الإسلامي في هذه المسألة:
القول الأول: للمعتزلة؛ تذهب المعتزلة إلى أن حُسن الأشياء وقُبحها، وما
يترتب عليهما من ثواب وعقاب، إنما يُدرك بطريق العقل استقلالًا؛ فالحسن عندهم ما
استحسنه العقل، والقبيح ما استقبحه.
وبناءً على هذا التأصيل، فإن
العقل إذا أدرك في الفعل جهة حُسنٍ يُمدح فاعلها ويُذم تاركها، قضى بوجوبه ترتبًا،
فالقيم الأخلاقية والتشريعية للأفعال ذاتية كامنة في صلبها، وللعقل مكنة الكشف
عنها, وتحديد استحقاق المكلف للمدح والثواب أو الذم والعقاب بناءً عليها.
يقول أبو الهذيل العلاف في هذا الصدد: "إنه يجب على
المكلف قبل ورود السمع أن يعرف الله تعالى بالدليل, وإن قصر في المعرفة استوجب
العقوبة أبدًا، ويعلم أيضًا حسن الحسن وقبح القبيح؛ فيجب عليه الإقدام على الحسن
كالصدق والعدل, والإعراض عن القبيح كالكذب والفجور" [الشهرستاني، الملل
والنحل، ١ /٥٢]،
ويؤكد القاضي عبد الجبار المعتزلي هذا المنحى بقوله: "قد ذكرنا أن
وجوب المصلحة وقبح المفسدة متقرران في العقل، فليس لأحد أن يقول إنما يحتاج إلى
السمع ليفصل العاقل بين الحسن والقبيح" [القاضي عبدالجبار، شرح
الأصول الخمسة، ص ٥٦٥؛ والمغني في أبواب العدل والتوحيد،١٤ /٧].
وتأصيلًا لمذهبهم، سلكت المعتزلة مسلك الاستدلال العقلي القائم على
لزوم الدور والفساد؛ حيث احتجوا بأن الحسن والقبح لو لم يكونا صفتين ذاتيتين
يدركهما العقل استقلالًا، لجرَّ ذلك إلى تجويز الكذب على الله تعالى وعلى أنبيائه
ورسله، ووجه ملازمة ذلك عندهم أنه لو كان القبح لا يثبت للفعل إلا بورود النهي
الشرعي عنه، لكان الكذب في ذاته عاريًا عن وصف القبح قبل البعثة، وتجويز الكذب على
الله والرسل باطل بالضرورة؛ لأنه يرفع الأمان في التبليغ، ويترتب عليه بالتبعية
سقوط موثوقية الأحكام وفساد الرسالات والشرائع برمتها.
القول الثاني: للأشاعرة الذين يرون أن حسن الأشياء وقبحها، وما ينبني
عليهما من ثواب أو عقاب، إنما مرجعه إلى توقيف الشارع وبيانه لا إلى قضية العقل
ونظره؛ فالحسن عندهم ما حَسَّنَهُ الشرع بالأمر، والقبيح ما قَبَّحَهُ بالنهي،
وينطلق هذا المأخذ من أصل كلامي مكين, يقضي بإثبات الإرادة الإلهية المطلقة, ونفي
قياس أفعال الباري جل وعلا على أفعال العباد؛ فالله سبحانه هو مالك الملك على
الإطلاق، يفعل في ملكه ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ومن ثم أثبتوا
طلاقة القدرة والمشيئة في وقوع أفعاله سبحانه منزهة عن الغايات والموجبات، فلا
توصف أفعاله بحال من الأحوال بقُبح أو ظلم أو شر، إذ هو المالك المتصرف الذي لا
يُحد تصرفه رسم ولا عبارة [الدسوقي، القضاء والقدر، ١ /١٤٩]، وهو عادل في كل ما يفعل, ولو لم يخلق
الخلق لم يخرج عن الحكمة، ولو خلق أضعاف ما خلق لكانت كل هذه الوجوه منه صوابًا
وعدلًا وحكمة [البغدادي، أصول الدين، ص ١٥٠].
ويقول الإمام الشهرستاني: "إن العقل لا يدل على حسن
الشيء وقبحه في حكم التكليف من الله شرعًا، وقد يحسن الشيء شرعًا ويقبح مثله
المساوي له في جميع الصفات النفسية، فمعنى الحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله,
ومعنى القبيح ما ورد الشرع بذم فاعله" [الشهرستاني، نهاية الإقدام
في علم الكلام، ص ٣٧٠].
ويقول الإمام الباقلاني: "إن الحسن ما وافق الأمر من
الفعل, والقبيح ما وافق النهي من الفعل, وليس الحسن حسنًا من قبل الصورة, وليس
القبيح قبيحًا من قبل الصورة" [الباقلاني، الإنصاف، ص ٤٩].
ويؤكد الإمام الإيجي
هذا المعنى بقوله "إن القبيح ما نهي عنه شرعًا, والحسن بخلافه, ولا حكم للعقل
في حسن الأشياء وقبحها" [الإيجي، المواقف، ٢٦٨/٣].
وتأسيسًا على هذا، يخلع الأشاعرة عن العقل أي سلطة معياريّة في باب
التحسين والتقبيح الذي يترتب عليه مناط التكليف الأخروي، بل ذهب بعض أئمتهم إلى
مدى أبعد تأكيدًا لسيادة الإرادة الإلهية، فجوزوا عقلًا أن ينقلب الحكم التكليفي
بتبدل الخطاب؛ فيجعل الله الواجبات محرمات والمحرمات واجبات، إذ لا حاكم على
أفعاله تعالى، والمحكم في النوازل هو محض أمره ونهيه.
القول الثالث: للماتريدية وتقف المدرسة الماتريدية في هذا
المقام بمثابة البرزخ الوسط بين الإفراط والتفريط؛ إذ يقررون أن حُسن الأشياء
وقُبحها يمكن إدراكهما من جهة العقل، غير أنهم يمنعون ترتيب الثواب والعقاب
الأخرويين بمجرد هذا الإدراك العقلاني المستقل، ويتبدى هذا الأصل جليًّا في مذهبهم
حول وجوب معرفة الله؛ حيث يرون أن وجوبها ثابت بالعقل, بمعنى أنه لو لم يرد الشرع
بالبعثة لأدرك العقل ضرورة المعرفة استقلالًا لوضوح أدلتها، لا بناءً على قاعدة
التحسين والتقبيح العقليين الإيجابية كما ذهبت المعتزلة.
وشاع عند كثير من الباحثين أن المقالة الماتريدية في التحسين
والتقبيح العقليين إنما هي نسخة مكررة من مذهب المعتزلة، وهو وهمٌ يدحضه التمايز
الداخلي بين أساطين الماتريدية أنفسهم؛ إذ انقسموا في هذه المسألة إلى اتجاهين كبيرين:
فذهب ماتريدية سمرقند إلى أن العقل متى أدرك جهة الحسن أو القبح في
الفعل، فإنه يدرك بها حكم الله تعالى وفاقًا.
وعلى النقيض من ذلك، ذهب أئمة بخارى إلى سلب العقل القدرة على قضائه
بوجوب أو حرمة في أحكام الفروع والشرائع، وعلقوا ثبوت هذه الأحكام على ورود السمع،
فوافقوا الأشاعرة في هذا المنحى المنهجي الذي يقرر بحق امتناع التكليف الفعلي قبل
ورود الخطاب الشرعي [الكمال بن الهمام، المسامرة شرح المسايرة، ص ١٦١]، فالماتريدية من أهل السنة وافقوا أهل
الاعتزال في إدراك الحسن والقبح، ولكن الفرق بين الماتريدية وبين المعتزلة أن
الماتريدية لا يستلزم عندهم كون الحسن والقبح عقليًّا حكمًا من الله تعالى في
العبد، بل يصير موجبًا لاستحقاق الحكم من الحكيم الذي لا يرجح المرجوح، فالحاكم هو
الله فقط والكاشف هو الشرع، فما لم يحكم الله تعالى بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليس
هناك حكم أصلًا، فلا يعاقب أهل زمان الفترة لترك الأحكام، بخلاف المعتزلة فإن كلًا
من الحسن والقبح يوجب الحكم عندهم من الله تعالى [الألوسي، صب العذاب على
من سب الأصحاب، ص ٥١٠].
وبناءً على هذا التأصيل، يظهر التباين الجوهري في دور العقل ومناط
الإيجاب بين المدرستين؛ فالعقل عند المعتزلة إذا أدرك حُسن الفعل أو قُبحه، صار
موجِبًا ومقتضِيًا بذاته وحاكميته لمقتضاهما على الله تعالى وعلى العباد على حدٍّ
سواء، أما عند الماتريدية، فإن الحاكم والموجِب على الحقيقة هو الله تعالى وحده،
وما العقل لديهم إلا آلة معرفية كاشفة، جُعلت لتبصّر الحكم وفهمه بواسطة إطلاع
الله للعبد على ما كَمَنَ في صلب الفعل من ألوان الحُسن والقُبح.
ويتبدى على إثر ذلك فارقٌ جوهري آخر يُعد من أدق
الفروق الدلالية بينهما؛ وهو أن القائلين من الماتريدية بثبوت الحُسن والقُبح عقلًا
في بعض الأفعال وقدرة العقل على ارتيادها، قد نأوا بأنفسهم تمامًا عن ترتيب تلك
اللوازم الكلامية التي أوجبتها المعتزلة على الذات الإلهية بموجب قضايا العقل، حيث
رفض الماتريدية نفي طلاقة المشيئة والقول بوجوب أمورٍ على الله سبحانه، كقواعد
الصلاح والأصلح، أو حتمية الثواب والعقاب بمجرد النظر العقلي المستقل [الألوسي، المرجع السابق، ص
٥١٠].