وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
كان يوم عاشوراء - وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم - يومًا معظمًا عند قريش في الجاهلية، وقد ثبت في الصحيحين أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ" [البخاري،(٤٥٠٤)، مسلم، (١١٢٥)]، ولم يكن تعظيم قريش لهذا اليوم مقتصرًا على الصيام فقط، بل ورد أنهم كانوا يعظمونه بأعمال أخرى، ومن ذلك ما ذكره بعض أهل السير من كسوة الكعبة فيه، وكان عاشوراء عندهم هو اليوم العاشر من شهر المحرم، وقد بقي هذا التعظيم معروفًا عند العرب قبل الإسلام، غير أن هذا التعظيم لم يكن قائمًا على تشريع إلهي أو وحيٍ منزل، وإنما كان من موروثاتهم التي تناقلوها في تعظيم بعض الأيام والأزمنة الفاضلة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم هذا اليوم قبل الهجرة، ثم لما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يصومونه، فبيَّن سبب صيامهم، وأمر بصيامه، ثم شرع مخالفتهم بضم يوم آخر إليه [ابن حجر، فتح الباري ٤/ ٢٤٧].
لما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة في شهر ربيع الأول، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء ويعظمونه، فسألهم عن سبب صيامهم، فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وأغرق فرعون وجنوده، فصامه موسى شكرًا لله تعالى، ونحن نصومه تعظيمًا له، فكان هذا اللقاء بداية بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمكانة هذا اليوم في الإسلام، وربط صيام عاشوراء بمعنى الشكر لله تعالى على نعمه ونصره لأوليائه، فعَنِ ابْنِ عباس رضي الله عنه، "أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا، يَوْمَ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ. أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ. وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ. فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا. فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّرَ بصيامه" [البخاري، الصحيح، (٢٠٠٤، مسلم، الصحيح، (١١٣٠/ ١٢٨) من حديث سيدنا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما]، وهنا ظهر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا اليوم يجتمع فيه معنى تعظيم نعمة الله تعالى ونصرة أوليائه؛ فاشترك المسلمون وأهل الكتاب في أصل تعظيم عاشوراء، وهو تذكر نجاة موسى عليه السلام من فرعون إلا أن الشريعة الإسلامية جاءت بتنظيم هذا التعظيم على هديها الخاص، فربطت العبادات بالتقويم القمري الذي جعله الله للأمة الإسلامية، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. [الطبري، جامع البيان ( ٥/ ١٢٣].
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلمته الخالدة: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصامه وأمر بصيامه، ولم يكن هذا الموقف مجرد تعبير عاطفي، بل كان بيانًا لحقيقة إيمانية راسخة؛ وهي أن الأنبياء إخوة لِعَلَّات، دينهم واحد، وأن رسالاتهم جاءت من مصدر واحد، وأن المؤمنين بجميع الأنبياء أحق باتباعهم والاقتداء بهديهم؛ فسيدنا موسى عليه السلام نبي كريم من أولي العزم من الرسل، يؤمن المسلمون به نبيًّا مرسلًا، ويصدقون برسالته، ولذلك كانوا أولى به من غيرهم من جهة الإيمان الصحيح والاتباع الصادق.
وقد بيّن العلماء أن إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لليهود على سبب صيامهم لعاشوراء يدل على أصل القصة؛ فقد أخبروه أنه يوم عظيم، نجّى الله فيه موسى وقومه من فرعون، وأن موسى صامه شكرًا لله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصامه وأمر بصيامه، فلما أقرهم على ذلك ولم يكذبهم علم أن سيدنا موسى عليه السلام صامه شكرًا لله [مسلم، الصحيح، (١١٣٠/ ١٢٨)].
جاءت الروايات بأن الأمر بصيام عاشوراء كان قبل فرض صيام شهر رمضان، وكان الأمر به في ذلك الوقت مؤكدًا؛ حتى أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مناديًا أن ينادي في الناس بصيامه، وأن من كان قد أكل يمسك بقية يومه؛ فعن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: «أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ» [البخاري، الصحيح (٢٠٠٧)] ، فلما فرض الله تعالى صيام رمضان خُفف الحكم، وبقي فضل صيام عاشوراء واستحبابه، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» [مسلم، الصحيح ، (١١٣/١١٢٥) ]،
وهذا لا يعني سقوط فضيلة صيامه، وإنما الذي رُفع هو الوجوب فقط، وبقي الاستحباب لما ثبت من فضل هذا اليوم، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [ مسلم ، الصحيح، (١١٦٢) من حديث أَبِي قَتَادَةَ، رضي الله عنه].
كما دل حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على صيامه ومخالفة اليهود فيه على بقاء مكانته، فعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: "حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ»، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [مسلم، الصحيح ، (١١٣٤)]، فصيام عاشوراء من السنن المؤكدة التي بقي فضلها بعد انتقال الحكم من الوجوب إلى الاستحباب، وهو من رحمة الله تعالى بهذه الأمة؛ إذ جعل لها أبوابًا من الطاعات ذات الأجور العظيمة.
س: هل صام النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاشوراء بمكة أم بالمدينة؟
ج: صام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم عاشوراء قبل الهجرة، فقد كانت قريش تعظمه وتصومه في الجاهلية، ثم لما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يصومونه، فبيَّن سبب صيامهم، وأمر بصيامه، وأكد على مخالفتهم بضم يوم آخر إليه.
س: ما الحكمة من مشروعية صيام عاشوراء مع وجود صيام رمضان؟
ج: إن بقاء صيام عاشوراء بعد فرض رمضان يدل على سعة فضل الله تعالى وتنوع أبواب الطاعات؛ فالمؤمن له مواسم متعددة للتقرب إلى الله وتدارك التقصير، وقد جعل الله صيام هذا اليوم سببًا لتكفير ذنوب سنة ماضية.
تثبت قصة عاشوراء أن الإسلام جاء مصدقًا لما سبقه من الرسالات السماوية الصحيحة، مؤكدًا وحدة أصلها، ومتممًا لما جاءت به من هدى وتوحيد، فحين رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم - اليهود يصومون يومًا يعظمون فيه نعمة الله تعالى على موسى عليه السلام وقومه، أقر أصل شكر الله على نعمه، وبيّن أن أمة الإسلام أولى بالأنبياء والإيمان بهم؛ لأنها تؤمن بجميع رسل الله تعالى وتصدق برسالاتهم.
ويبقى صيام عاشوراء سنة عظيمة ونافلة جليلة لمن استطاعها، جعل الله فيها فضلًا كبيرًا؛ إذ تكون سببًا لتكفير ذنوب السنة التي قبلها، وتجدد في قلب المسلم معاني الشكر لله تعالى، واليقين بوعده، والاعتبار بسننه في نجاة المؤمنين وهلاك الظالمين.
يتمثل في صيام عاشوراء شكر الله ـ تعالى ـ على نعمه، وخلق الوفاء عند سيد الخلق، وحبيب الحق سيدنا محمد ﷺ.
عاشوراء يومٌ ليس كباقي الأيام، إنه يوم من أيام الله، اختاره الله ليكون شاهدًا على طريق الأنبياء.
هل صح أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يصم عاشوراء إلا بعد الهجرة فقط؟
يومُ عاشوراءَ ومعه تاسوعاءُ عُنوانٌ بارز في ذاكرة التاريخ الإسلامي، يَمتزِج فيه فضلُ الصيام، وحكمةُ المخالفة لأهل الكتاب.
يوم عاشوراء من تلك الأيام المباركة التي اختصها الله بمجد لا يندثر.