Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

معالم طريق الحج التاريخية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة

الكاتب

هيئةالتحرير

معالم طريق الحج التاريخية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة

كيف رَسَمَتْ معالمُ الأرض بين مكة والمدينة خارطةَ طريق الإسلام الأولى؟ وما هي الأسرار التاريخية التي تخبئها أودية "عُسْفان" و"قُدَيد" و"الرَّوْحاء"؟ وكيف استطاعت ٤٥٠ كيلومترًا أن تجمع بين معجزات النبوة وتطور العمارة الإسلامية المعاصرة لخدمة ضيوف الرحمن؟

الجغرافيا المقدسة الطريق الرابط بين مكة والمدينة

يعتبر الطريق الواصل بين مكة المكرمة والمدينة المنورة أحد أهم الشرايين الجغرافية في التاريخ البشري قديمًا وحديثًا، يمتد هذا المسار لمسافة تقارب ٤٥٠ كيلومترًا، متجاوزًا تضاريس وَعْرة تضع المسافر في اختبار حقيقي للصبر والتحمل، يبدأ الطريق من الارتفاعات الجبلية في مكة، حيث الجبال السوداء الصلبة، ثم ينحدر نحو تهامة حيث السهول الساحلية الرملية، قبل أن يعاود الارتفاع تدريجيًّا نحو حَرَّات المدينة المنورة البُرْكانية، لم يكن هذا الطريق مجرد مسلك للتنقل، بل كان فضاءً للوحي، حيث نزل فيه التشريع، ورُسمت فيه ملامح الدولة الإسلامية الأولى [معجم البلدان، ياقوت الحموي، ٤/٩٩]، إن الحفاظ على معالم هذا الطريق هو جزء من صون الذاكرة الجمعية للأمة، حيث ترتبط كل ثنية وكل وادٍ بحدث نبوي أو موقف صحابي غير وجه العالم.

  • درب الأنبياء تاريخ رحلات الرسل - عليهم السلام -:

تواترت الروايات التاريخية والحديثية على أن هذا الطريق هو "درب الأنبياء"؛ فما من نبي حج البيت إلا وسلك هذا الفج العميق، وقد حرص الجناب النبوي المكرم - صلى الله عليه وآله وسلم - على تذكير صحابته بهذه الحقيقة لربطهم بسلسلة النبوة الطويلة، فعندما مر بـ وادي الأزرق [بلفظ الأزرق من الألوان: وادي الأزرق بالحجاز، والأزرق: ماء في طريق حاج الشام دون تيماء، انظر معجم البلدان: (١/١٦٨)] سأل أصحابه: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» قالوا: وادي الأزرق، قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ» [أخرجه مسلم: ١٦٦].

 ولم يكتفِ بذكر سيدنا موسى عليه السلام، بل عند وصوله إلى ثنية هرشى [ثنية هرشى: من أرض الحجاز على منتصف طريق مكة والمدينة، معجم البلدان (٥/٤٤٩)] قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، وَهُوَ يُلَبِّي» [أخرجه مسلم: ١٦٦]، هذا الربط الوجداني يجعل الحاج المعاصر يستشعر أنه يسير في موكب عظيم بدأ منذ آلاف السنين، مما يحول الرحلة من تعب جسدي إلى ارتقاء روحي فريد.

وادي مر الظهران تاريخ السقيا والفتح الكبرى

على بعد نحو ٢٥ كيلومترًا من مكة المكرمة، تقع منطقة "الجموم" [وقيل هو أرض لبني سُليم، وبها كانت إحدى غزوات النبي، صلى الله عليه وسلم، أرسل إليها زيد بن حارثة غازيًا، معجم البلدان: (٢/١٦٤)] في وادي مَرِّ الظَّهْران [والظهران: واد قرب مكة وعنده قرية يقال لها مر تضاف إلى هذا الوادي فيقال مر الظهران، معجم البلدان: (٤/٦٣)]؛ هذا المعلم التاريخي كان يمثل "المتنفَس الأخضر" للقوافل الخارجة من مكة، اشتهر الوادي بعيونه الجارية التي كانت تروي مزارع النخيل والقرى المحيطة به، وفي هذا الموقع نزل الجيش النبوي العظيم عام الفتح (٨ هـ) في عشرة آلاف مقاتل، وفي جنبات هذا الوادي أوقدت النيران التي أرهبت قريشًا، وفيه أسلم أبو سفيان بن حرب، كان الحجاج قديمًا يعتبرون الجَمُوم محطة الانطلاق الفعلية، حيث يتم فيها تفقد الروايا والأحمال قبل الدخول في بيداء الحجاز القاحلة [البداية والنهاية، ابن كثير، ٦/٥٠٨].

عسفان وكراع الغميم: بوابة التحديات وذاكرة التشريع

بالتوجّه شمالًا بنحو ٨٠ كيلومترًا من مكة، تبرز منطقة "عُسْفان" [عسفان على مرحلتين من مكة على طريق المدينة والجُحْفة على ثلاث مراحل، غزا النبي، صلى الله عليه وسلم، بني لحيان بعسفان وقد مضى لهجرته خمس سنين وشهران وأحد عشر يومًا، معجم البلدان: (٤/١٢٢)]، وهي من أهم المنازل التاريخية التي ربطت مكة بالمدينة.

عسفان لم تكن مجرد محطة للسقيا بآبارها العذبة، بل كانت مسرحًا لتحولات تشريعية كبرى، ففيها نزل تشريع "صلاة الخوف" حين كان الجناب النبوي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم يواجه جيش المشركين بقيادة خالد بن الوليد (قبل إسلامه)، حيث صلى المسلمون خلف حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نظام دقيق أذهل المشركين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِیهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَاۤئِفَةࣱ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡیَأۡخُذُوۤا۟ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلۡیَكُونُوا۟ مِن وَرَاۤئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَاۤئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ یُصَلُّوا۟ فَلۡیُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلۡیَأۡخُذُوا۟ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَیَمِیلُونَ عَلَیۡكُم مَّیۡلَةࣰ وَٰحِدَةࣰۚ﴾ [النساء: ١٠٢] ، وبالقرب من عسفان يقع "كُراع الغَمِيم" [وهو واد بين مكة والمدينة، بينه وبين مكة مرحلتان، وهو أمام عسفان بثمانية أميال، يضاف إليه هذا الكراع، وهو جبل أسود بطرف الحَرَّة يمتد إليه، انظر: شفاء الغرام، الفاسي، ٢/١٥٩]، وهو حَرَّة سوداء تمتد كيَدٍ غليظة في بطن الوادي؛ في هذا المكان تحديدًا منع المشركون النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دخول مكة عام الحديبية، مما جعل من عسفان رمزًا للصبر السياسي والعسكري في السيرة النبوية.

وادي قديد خيمة أم معبد وتجليات البركة النبوية

بعد تجاوز عُسْفان، تنبسط الأرض في "وادي قُدَيد"، وهو وادٍ فسيح تسكنه قبيلة خزاعة قديمًا، يمثل قديد وفيه خيمة أم معبد ويقال: بئر أم معبد، بين مكة والمدينة، نزله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في هجرته ومعه أبو بكر، رضي الله عنه، وقصته مشهورة، قالوا: لما هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يزل مساحلًا حتى انتهى إلى قُديد فانتهى إلى خيمة منتبذة [معجم البلدان: (٢/٤١٤)]، وهو في طريق الهجرة، ففيه وقعت الحادثة الشهيرة للسيدة أم معبد الخزاعية، حين مر الحبيب سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيدنا أبو بكر الصديق وسيدنا عامر بن فُهَيرة رضي الله عنهما بخيمتها وهم في غاية الجهد والعطش، سألوها لبنًا أو لحمًا فلم يجدوا، فنظر الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى شاة خلفها الجهد عن الغنم، فاستأذنها في حلبها، فمسح بيده الشريفة على ضرعها فدرت لبنًا وفيرًا حتى ارتوى الجميع، "فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ عَجِبَ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا اللَّبَنُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، وَالشَّاءُ عَازِبٌ حِيَالٌ، وَلَا حَلُوبَ فِي الْبَيْتِ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاللهِ إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ:صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، قَالَتْ: "رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهَرَ الْوَضَاءَةِ، أَبْلَجَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الْخَلْقِ، لَمْ تَعِبْهُ نُحْلَةٌ، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ، وَسِيمٌ قَسِيمٌ- وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: وَسِيمًا قَسِيمًا- فِي عَيْنِهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ غَطَفٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَهَلٌ، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ، أَزَجُّ أَقْرَنُ، إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ، أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ الْمِنْطِقِ، فصل، لا نَزْر ولا هَزْر، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ ينحدرن، رَبْعة لَا يَأْسَ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنًا بَيْنَ غُصْنَيْنِ فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ أَنْصَتُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفْنِدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"، فَقَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: هُوَ وَاللهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ بِمَكَّةَ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا." [دلائل النبوة، البيهقي، /١/ ٢٧٩].

الجحفة والأبواء الحنين وفاء الأمومة

عند الوصول إلى "الجُحْفة" (١٨٣ كم من مكة)، نكون أمام أحد المواقيت المكانية الخمسة التي حددها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب، وهي قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمرّوا على المدينة، فإن مرّوا بالمدينة فميقاتهم ذو الحليفة، وكان اسمها مَهْيَعة، وإنما سميت الجحفة؛ لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام، وهي الآن خراب، وبينها وبين ساحل الجار نحو ثلاث مراحل، وبينها وبين أقرن موضع من البحر ستة أميال، وبينها وبين المدينة ست مراحل، وبينها وبين غدير خمّ ميلان، وقال السكري: الجحفة على ثلاث مراحل من مكة في طريق المدينة، والجحفة أول الغور إلى مكة، وكذلك هي من الوجه الآخر إلى ذات عرق، وأول الثغر من طريق المدينة أيضا الجحفة [معجم البلدان: (٢/١١١)].

والجحفة كانت تُسمى قديمًا "مهيعة"، وقد تسبب سيل جارف في تخريبها قديمًا فسميت الجحفة لأن السيل "أجحف" بها، وفي هذا المكان نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في طريق هجرته، وقد بدا عليه التأثر لفراق مكة، فأنزل الله قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِی فَرَضَ عَلَیۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَاۤدُّكَ إِلَىٰ مَعَادࣲۚ﴾ [القصص: ٨٥] .

 وبالقرب من الجُحْفة تقع الأبواء سمّي بذلك لما فيه من الوباء، ولو كان كذلك لقيل الأوباء، إلا أن يكون مقلوبا. وقال ثابت بن أبي ثابت اللغوي: سميّت الأبواء لتبوّء السيول بها وهذا أحسن [معجم البلدان: (١/٧٩)]، وهي محطة الوفاء الإنساني الأكبر، حيث ضمت ترابها جسد السيدة آمنة بنت وهب عليها السلام أُمّ حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان صلى الله عليه وآله وسلم كلما مر بها يقف ويدعو ويبكي وفاءً لأمه، مما يعلم الحجيج أن سمو الرسالة لا يلغي عاطفة البنوة والوفاء، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَنْظُرُ فِي الْمَقَابِرِ وَخَرَجْنَا مَعَهُ فَأَمَرَنَا فَجَلَسْنَا، ثُمَّ تَخَطَّى الْقُبُورَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا فَنَاجَاهُ طَوِيلًا، ثُمَّ ارْتَفَعَ نَحِيبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَاكِيًا فَبَكَيْنَا لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟ لَقَدْ أَبْكَانَا وَأَفْزَعَنَا فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْنَا فَقَالَ: «أَفْزَعَكُمْ بُكَائِي؟» قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: «إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِي قَبْرَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ» [البداية والنهاية، ابن كثير، ٣/٤٢٥].

بئر الروحاء: المعلم الأقدس ومصلى السبعين نبيًا

تعتبر بئر الرَّوْحاء من أعجب البقاع في المسار بين مكة والمدينة، تبعد الروحاء عن المدينة نحو ٧٠ كيلومترًا، وهي وادٍ سحيق يمتاز ببرودته وطيب هوائه، ورد في الأثر "حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ نَزَلَ بِعِرْقِ الظُّبْيَةِ فَصَلَّى ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا اسْمُ هَذَا الْجَبَلِ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا خِمْتٌ هَذَا مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَبَارِكْ لِأَهْلِهِ»، وَقَالَ لِلرَّوْحَاءِ: «هَذِهِ سَجَاسِجُ وَادِي مِنْ أَوْدِيَةِ الْجَنَّةِ، لَقَدْ صَلَّى فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَبْلِي سَبْعُونَ نَبِيًّا، وَلَقَدْ مَرَّ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطْوَانِيَّتَانِ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَاجِّينَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ بِهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ يَجْمَعُ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ». [رواه الطبراني من طريق كثير بن عبد الله المُزَني، وهو ضعيف عند الجمهور، وقد حسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات، مجمع الزوائد: (٩٩٤١)].

 شرب الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بئرها، وصلى في مواضع شتى منها، فصارت مقصدًا للحجاج الذين ينشدون القرب الرُّوحي، إن الوقوف في الروحاء هو وقوف في "سجل الأنبياء"، حيث يختلط ترابها بآثار أقدام المرسلين من لدن إبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا [وفاء الوفا، السمهودي، (٤/٨٣)].

وادي العقيق ومسجد ذي الحليفة: بوابة المدينة المباركة

مع اقتراب الرحلة من نهايتها، يبرز وادي العقيق الذي يسمى "الوادي المبارك"؛ فعن عِكْرِمَةُ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» [صحيح البخاري: ١٥٣٤]، وفي صدر هذا الوادي يقع مسجد "ذي الحليفة" (آبار علي)، وهو الميقات الذي يُحرِم منه أهل المدينة، يتميز هذا الموقع بكونه نقطة الانفصال عن الدنيا، وفيه اغتسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإحرامه في حجة الوداع، ولبس بُرْدَيه البيضاويْن، وانطلق ملبيًا صوته يهز الجبال: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ». إن عظمة هذا المَعْلم تكمن في كونه يمثل البوابة الرُّوحية التي تخلع فيها النفس أدرانها قبل الدخول إلى طَيْبة الطيِّبة.

التطور التقني: من القوافل إلى قطار الحرمين

في العصر الحديث، شهد هذا الطريق تحولًا جذريًا؛ فقد تحولت رحلة الخمسة عشر يومًا على ظهور الإبل إلى رحلة تستغرق ١٥٠ دقيقة عبر "قطار الحرمين" السريع، أو أقل من ٥ ساعات عبر "طريق الهجرة السريع"، هذا التطور التقني لم يلغِ المعالم التاريخية، بل قامت الدولة السعودية بتوثيقها وحمايتها، وتوفير مراكز خدمات شاملة تليق بكرامة ضيوف الرحمن، إن هذا المزيج بين "تكنولوجيا الحاضر" و"قداسة الماضي" يعكس قدرة الأمة الإسلامية على عمارة الأرض مع الحفاظ على الهوية.

الخلاصة

إن معالم طريق الحج من مكة إلى المدينة هي الذاكرة الحية لرسالة الإسلام، من الجَمُوم إلى الرَّوحاء، تظل هذه البقاع شواهد على تضحيات الصحابة ومعجزات النبوة، إن السير في هذا الدرب هو تجديد للعهد مع الله، واستذكار لرحلة النور التي غيرت وجه البشرية، لتظل معالمه منارة تهتدي بها القلوب المؤمنة عبر الأجيال.

موضوعات ذات صلة

شهر من الأشهر الحرم التي عظّم الله فيها الحرمات.

قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.

الكعبة المشرفة بنيت قبل سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ثم رفع قواعدها مع إسماعيل - عليه السلام.

في قلب صحراء قاحلة وبين جبال جرداء، نشأت مكة المكرمة مهد النبوة ومنطلق رسالة الإسلام.

الميقات يطلق على الوقت المضروب للشيء، كما يقال للمكان الذي يجعل منه وقت الشيء كميقات الحج.

موضوعات مختارة