Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

رسائل الحج للعالمين.. الأمان، العمران، والإنسان

الكاتب

أ.د/ أسامة الأزهري

رسائل الحج للعالمين.. الأمان، العمران، والإنسان

هل الحج مجرد شعائر تعبدية؟ 

بل هو ثورة أخلاقية ترسخ "الأمان" كحق للكون، و"العمران" كواجب عقلي، و"الإنسان" كغاية كبرى تسبق في حرمتها بناء المساجد وتطوف حول كرامتها القلوب قبل الأبدان.

الحج كمنطلق للسلام العالمي وإكرام الكائنات

إنَّ الحجَّ فريضةٌ معظَّمةٌ، وقد جعله الله - تعالى - محمَّلًا برسائلَ للعالمين، أمَّا الرسالةُ الأولى فهي أنَّ الله - تعالى - غمر المشاعرَ المعظَّمةَ بكلمةِ الأمان، ويتجلَّى ذلك بوضوحٍ في آيات القرآن الكريم التي تنسكبُ وتتدفَّقُ في وجدان الإنسان المسلم ووعيه؛ ليُرسِّخ في أعماق وعيه أنَّ رسالتَه إلى الدنيا إنَّما هي رسالةُ أمانٍ، قال الحق - جل جلاله: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَیۡتَ مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنࣰا﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال جل جلاله: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقال سبحانه في موضع آخر من خواتيم سورة إبراهيم: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا وَٱجۡنُبۡنِی وَبَنِیَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقال سبحانه عن البيت الحرام: ﴿فِیهِ ءَایَٰتُۢ بَیِّنَٰتࣱ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِـۧمُ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنࣰاۗ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنࣰا یُجۡبَىٰۤ إِلَیۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَیۡءࣲ﴾ [القصص: ٥٧]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنࣰا وَیُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقال سبحانه: ﴿وَٱلتِّینِ وَٱلزَّیۡتُونِ ۝١ وَطُورِ سِینِینَ ۝٢ وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِینِ ۝٣﴾ [التين: ١-٣]، وقال سبحانه: ﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡیَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقال سبحانه: ﴿فَلۡیَعۡبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَیۡتِ ۝٣ ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعࣲ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾ [قريش: ٣-٤]، ويُلاحَظُ تكرارُ كلمةِ الأمان في سياقِ الحديث عن المشاعرِ المعظَّمة، بل إنَّ الله - تعالى - لَيَمْزُجُ معنى الأمان مزجًا وثيقًا بأداءِ المناسك ،فيقول: ﴿فَإِذَاۤ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَیۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡیِۚ﴾ [البقرة: ١٩٦].

إنَّ الأمان رسالةٌ سامية، ومطلبٌ جليل، ومقصدٌ شريفٌ من أجلِّ مقاصد الحج، التي يُهذَّب به وجدانُ المسلمين؛ حتى يعيَ الإنسانُ المسلم أنَّ دوره في الدنيا أن يكون مصدرَ أمانٍ للناس، لا سيَّما أنَّ الهديَ الشريف علَّمنا أنَّ الحرمَ أمانٌ كلُّه بكلِّ ما فيه؛ فلا يُقطع شجرُه، حتى يتحول الحجاجُ إلى أمانٍ حتى على جنس النبات ، ولا يُنفَّر صيدُه، حتى نصَّ الفقيه ابن حجر الهيتمي على حرمةِ ترويعِ وتنفيرِ حمامِ الحرم الشريف؛ ليعيَ الإنسانُ أنَّه أمانٌ للدنيا كلِّها.

ثم إنَّ الله - تعالى - ينقلنا من هذا الأمان المفعم في المناسك إلى أمانِ دار الأمان، فسمَّى دار الخلد و جناتِ النعيم بدارَ أمانٍ، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ فِی جَنَّٰتࣲ وَعُیُونٍ ۝٤٥ ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِینَ﴾ [الحجر: ٤٥-٤٦]، وقال سبحانه: ﴿فَأُو۟لَٰۤئِكَ لَهُمۡ جَزَاۤءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمۡ فِی ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]، فانظروا إلى هذا التشابه الجليل بين البلدِ الأمين ومناسكه المفعمة بالأمان، وبين ديار الخلد وجنةِ الأمان، ويرتبط هذا المعنى كذلك بقول الحق - جلَّ جلاله: ﴿ٱدۡخُلُوا۟ مِصۡرَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ﴾ [يوسف: ٩٩]، وما تكرَّرت في القرآن الإشارةُ إلى بقعةٍ من البقاع مقرونةً بالأمان كما تكرَّرت في هذه المواطن الثلاثة: البلدِ الأمين، وجنةِ الخلد والأمان، وأرضِ الكنانة الطاهرة.

والذي يعي هذه الصورةَ الجليلةَ التي ترتسم أمام عينيه عند مطالعة القرآن الكريم وهو يتحدث عن الحج؛ يُدرك أنَّ كلَّ إنسانٍ مسلمٍ على ظهر الأرض ينبغي أن يكون أمانًا لمن حوله، ومن هنا تتأكد ضرورة أن يكون كلُّ إنسان مسلمٍ أمانًا للناس جميعًا، يعاملهم بحيث إذا ما خالطوه رأوا فيه الأمانةَ والسكينةَ والأمان.

ويُعضِّد ذلك الحديثُ الشريفُ الذي يُرسِّخ ويُعمِّق قيمةَ الأمان، ويتوعَّد من يُروِّع الآمنين؛ إذ يروي الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي شريح وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أنَّ النبي ﷺ قال: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي لَا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [صحيح البخاري: ٦٠١٦]، أي: الذي لا يأمن جاره شروره وأذاه.

ويُشير هذا الوعيدُ النبويُّ العظيم إلى أنَّ الجِيرةَ المذكورة هنا ليست جيرةَ السُّكنى فقط، وإنما هي جيرةٌ أوسعُ من ذلك تشمل الروابطَ الاجتماعية والعلاقاتِ الإنسانية، حتى تنطفئ نيرانُ الثأر تمامًا، وتمتدَّ لتكون جيرةً بين الدول والأمم والشعوب، بحيث تأمن الدولُ بعضها بعضًا، وتأمن الشعوبُ بعضها بعضًا. وواللهِ لا يؤمنُ من لا يأمنُ جارُه بوائقه. ثم اسمعوا معي إلى رسالةِ الأمان البليغةِ التالية: حيث يروي الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» [صحيح مسلم: ١٨٤٨].

إذًا، رسالةُ الأمان كانت هي الرسالةَ الأولى التي يُرسِّخها الحجُّ المشرَّفُ المعظَّم، والتي تتأكد في وعي كلِّ مسلمٍ على ظهر الأرض، ليُعلن للبشرية كلها أنَّ هذا الدين دينُ أمانٍ وعلمٍ وسلامٍ وسِلمٍ، وأنَّ يده ممدودةٌ إلى البشرية بالخير وبناء الحضارة.

من الذكر إلى الإبداع الحضاري والعلمي

وبالأمانةِ الثانية من رسائل الحج، فإنَّ الحقَّ - جلَّ جلاله - قد أكثر في آيات الحج من الحديث عن ذِكرِ الله، حتى ربط الحجَّ ربطًا محكمًا بذكره سبحانه. حتى إنَّ الله - جل جلاله - كرَّر كلمة ذكر الله في أربع آيات متتاليات يتحدث فيها عن الحج، فكرَّر كلمة الذكر في تلك الآيات سبع مرات، واسمعوا قوله جل جلاله: ﴿لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُوا۟ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ ۝١٩٨ ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ۝١٩٩ فَإِذَا قَضَیۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَاۤءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرࣰاۗ﴾ [البقرة: ١٩٨-٢٠٠]، ثم يقول سبحانه بعدها: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ويقول سبحانه في سورة الحج: ﴿وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ یَأۡتُوكَ رِجَالࣰا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرࣲ یَأۡتِینَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِیقࣲ ۝٢٧ لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَٰتٍ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨].

فما الرسالة التي يُرسلها القرآن الكريم إلى وعي كل إنسان مسلم بكلمة الذكر؟ إنَّ الذكر ليُحرِّك الفكر ويدفعه إلى إبداع الحضارة التي توصل صاحبها إلى الله، ولذلك فاسمعوا معي قول الله - تعالى - في هذا الربط القرآني العجيب حيث يقول سبحانه: ﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾، ثم قال سبحانه: ﴿وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، فكأنَّ الذِّكرَ أوصلهم إلى أن ترتقي عقولهم من درجة العقل السطحي الذي يستهلك الكون ولا يتفكر في علومه وقوانينه وعلله وأسبابه، إلى العقل العميق الشغوف بالإبداع، المولَع بالاختراع، الذي يستكشف أسرار الكون وأسبابه وسننه، ويُمعن في البحث العلمي فيصنع الحضارة.

ثم يأتي ذكر الله تعالى فيرتقي بالعقل من السطحي إلى العميق إلى المستنير الذي يُرتِّب علوم الحضارة ليهتدي بها إلى الله، وفيما تلوناه من الآيات المشرَّفات أثناء الصلاة: ﴿أَفَلَا یَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَیۡفَ خُلِقَتۡ﴾ [الغاشية: ١٧]، حتى يُرشد الله تعالى العقول إلى أن تُبدع في استكشاف أسرار علوم ممالك الحيوان بأسرها، ﴿أَفَلَا یَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَیۡفَ خُلِقَتۡ ۝١٧ وَإِلَى ٱلسَّمَاۤءِ كَیۡفَ رُفِعَتۡ﴾ [الغاشية: ١٧-١٨]  حتى يُرشد العقول إلى الإمعان في بحث العلوم الفيزيائية والكوزمولوجي وفيزياء الكون، ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَیۡفَ نُصِبَتۡ ۝١٩ وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَیۡفَ سُطِحَتۡ﴾ [الغاشية: ١٩-٢٠] حتى ينطلق العقل إلى الإبداع في علوم الجيولوجيا وطبقات الأرض، إنها وحيٌ خالدٌ وجلالٌ يُتلى، يُحفِّز العقول التي تستنير بذكر الله على الانطلاق في آفاقٍ واسعةٍ من العلم، ورعاية المعرفة، والإبداع، والبحث. فرسالةُ الحج بعد الأمان هي رسالةُ العمران.

الغاية الكبرى والمقصد الأسمى

ثم تأتي الرسالةُ الثالثةُ من رسائل الحج، وهي غايةُ ذلك كلِّه وهدفُه الأعلى؛ فما الذي يُرجى بعد أن يُقرِّر هذا الدين في الدنيا معاني الأمان، وبعد أن يُحرِّك البحثَ العلميَّ والحضارةَ والعمران؟

يأتي دورُ الإنسان، فالإنسانُ غايةُ ذلك كلِّه، وكلُّ ما في الكون مُسخَّرٌ له وخادمٌ له. لقد جاء الحجُّ ليُعمِّق في نفوس المؤمنين إجلالَ الإنسان وتوقيرَه، حتى إنَّ الله تعالى ليجعلَ إطعامَ الفقير مرتَّبًا في آيات الحج يسبق الطواف بالبيت فيقول سبحانه: ﴿وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ یَأۡتُوكَ رِجَالࣰا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرࣲ یَأۡتِینَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِیقࣲ ۝٢٧ لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُوا۟ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُوا۟ ٱلۡبَاۤئِسَ ٱلۡفَقِیرَ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨]، ثم يقول سبحانه بعدها: ﴿ثُمَّ لۡیَقۡضُوا۟ تَفَثَهُمۡ وَلۡیُوفُوا۟ نُذُورَهُمۡ وَلۡیَطَّوَّفُوا۟ بِٱلۡبَیۡتِ ٱلۡعَتِیقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فجاء الطواف بـ البيت العتيق بعد أن رسَّخ القرآن الكريم في وعي الإنسان المسلم أن يُحوِّل عبادته وأن يُحوِّل مناسكه إلى إكرامٍ للإنسان، ورفعٍ للبأساء والمعاناة عنه، ودفعٍ لغوائل الفقر التي تؤلمه.

ولقد سبح بي الخاطر وأنا أفتش في آيات القرآن الممجَّد لأستهدي بأنوارها، فرأيت القرآن الكريم تحدَّث عن إطعام الطعام وإشباع الجائع حديثًا عجبًا: ﴿وَیُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِینࣰا وَیَتِیمࣰا وَأَسِیرًا ۝٨ إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ﴾ [الإنسان: ٨-٩]، ولقد قرع سمعي من كلام النبوة ما اهتز له جناني طربًا من عذوبة هذا الكلام النبوي الجليل الإنساني الرفيع، إذ يروي الإمام ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن سلام لمَّا دخل رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة فازدحم الناس عليه فخرجت إليه، فلما أن رأيته علمت أنَّ هذا لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فكان أول ما سمعت منه أن قال: «أَيُّهَا النَّاسُ»، إعلانٌ نبويٌّ عالميٌّ إنسانيٌّ لا يقول: يا أيها المؤمن، أو يا أهل الكتاب فقط، بل يُخاطب الناس جميعًا: «أَيُّهَا النَّاسُ»، فجعلَ أربعةَ مقاصدَ في أولِ ما خاطبَ به الدنيا بأكملها في المدينة.

أولًا: «أَفْشُوا السَّلَامَ»، أطفئوا نيرانَ الفتن والحروب، وصِلوا أرحامَكم، ولا تدعوا بابًا للشرِّ والنزاع ينفتح بين الناس، وليتحول ذلك إلى جهدٍ مؤسسيٍّ ينهض فيه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بصوتِ الحكمة والعقل لإطفاء نيران الحروب في كل مكان.

ثانيًا: «وأَطْعِمُوا الطَّعَامَ»، فلا يرضى الإسلام أن يبقى على وجه الأرض إنسانٌ جائعٌ، ويُريد الوحي الشريف من الإنسان أن يتحوَّل إطعامُ الطعام عنده من مجهودٍ فرديٍّ إلى مجهودٍ مؤسَّسيٍّ لا يترك على وجه الأرض جائعًا؛ لأنَّ الإنسان قبل البنيان، ولأنَّ الساجد قبل المساجد، ولأنَّ حرمة الإنسان في هذا الشرع الحنيف رفيعةُ المكانة.

ثالثًا: «وَصِلُوا الأرحامَ»، لا تدعوا امرأً عجوزًا يُعاني وحدتَه وشيخوختَه وقد شغلته عنه الدنيا؛ صِلُوه وواصِلُوه، وأدخلوا السرور على قلبه، وأدخلوا البهجة على أيامه.

رابعًا: «وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» [سنن ابن ماجه: ٣٢٥١]، فجعل عليه - الصلاة والسلام - هذا الدينَ مقسَّمًا على أقسامٍ مشرَّفة، وجعل ثلاثة أرباعه إنسانية، وجعل الربع الباقي تعبديًّا، وحتى في أثناء التعبُّد والمناسك والصلاة نهى عن إيذاء الإنسان، فقال: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» [صحيح البخاري: ٧٣٥٩].

الحج هدىً للعالمين ومواريث النبوة في إفشاء السرور

فاكتملت لنا بهذا الرسائلُ الثلاثُ من الحجِّ المعظَّم:

 رسالةُ الأمان، ورسالةُ العمران، ورسالةُ الإنسان. نسألُ اللهَ - جلَّ جلاله - أن يرزقنا فهمًا ونورًا تستنير به الدنيا، وتأمن به البشرية، وتنطلق به رايةُ العلم والبصيرة من أرضِ الكنانة إلى الدنيا كلها.

ولعلَّ ما سبق ذكره يكون في جملته تفسيرًا وبيانًا واقتباسًا من أنوار قول الحقِّ جلَّ جلاله: ﴿أَوَّلَ بَیۡتࣲ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِی بِبَكَّةَ مُبَارَكࣰا وَهُدࣰى لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، فكيف يكون البيتُ الحرامُ هدىً للعالمين إلا بأن يغرس في نفوس المسلمين جميعًا أن يحمل كلُّ واحدٍ منهم رسالةَ الأمان والعمران والإنسان للدنيا؟

ويُمثِّل عيدُ الأضحى المبارك يومَ بهجةٍ وسرورٍ وفرحٍ وحبورٍ، يومٌ يتجلَّى الله - تعالى - فيه على قلوب عباده بأن يُعمِّر قلوبهم بذوق لذة الفرحة والسرور، وينبغي على المسلم أن يسعى إلى إدخال السرور على قلوب الناس، وأن يعقد العزم على أن يكون أمانًا للدنيا كلِّها، وألَّا يخالطَه أحدٌ من الناس إلا رأى فيه مواريثَ النبوة لائحةً منيرةً، تملأ الدنيا نورًا في قلوب العباد.

الخلاصة

يختزل الحج جوهر الإسلام في ثلاثية: أمانٌ يكف الأذى عن الحجر والشجر، وعمرانٌ يستنير بالذكر ليُبدع في علوم الكون، وإنسانٌ هو محور العناية الإلهية، إنها دعوة ليكون المسلم مصدر طمأنينة للبشرية، يزرع الخير أينما حل، محولًا عبادته إلى حضارة تُبنى وقيم تُعاش، وصورة مشرقة لمواريث النبوة.

موضوعات ذات صلة

هل يختلط عليك الفرق بين الحج والعمرة رغم أن كليهما عبادة عظيمة؟

الحج ركن الإسلام الخامس، واجبٌ على المستطيع قصدُ البيت الحرام.

موضوعات مختارة