Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أثر القدوة الحسنة في نجاح الدعوة، وترسيخ الالتزام بها

الكاتب

حسن فتح الباب

أثر القدوة الحسنة في نجاح الدعوة، وترسيخ الالتزام بها

القيادة الناجحة ليست خطبًا رنانة ولا كلمات منمقة، بل هي مواقف عملية وأفعال تصدق الأقوال؛ فالقائد الحق هو الذي يبدأ بنفسه، ويجسد ما يدعو إليه في سلوكه وعمله، فيكون قدوةً حسنةً تُلهم الجماهير وتدفعهم إلى الإيمان برسالته، وهذا ما رسخته القيم الإسلامية التي جعلت العمل الصالح برهان الإيمان، وجعلت مطابقة الفعل للقول معيارًا للصدق والإخلاص.

أثر القدوة العملية في نجاح القيادة

إن قائد الأمة -إذ يتصدى لممارسة دوره في توعية أفرادها وتدريبهم على السلوك السوي- لن يستطيع أن يبلغ غايته ما لم يكن قدوةً لهم في هذا السلوك؛ فمطابقة الفعل للقول هي الأسلوب الكفيل بنجاح القيادة في مهمتها؛ لأن الجماهير قد تتأثر بما يلقيه القائد من تعاليم، وتستحوذ على مشاعرها بلاغته وحماسته، لكنها سرعان ما تتخذ تلك التعاليم وتلك الموهبة الخطابية مادةً للسخرية إذا تبين لها أن ما أُلقي إليها لا يعدو أقوالًا لم تُتبع بأفعال.

إن الجماهير بطبيعتها لا تؤمن إلا بالواقع المتمثل في المواقف العملية، أما الألفاظ المنمقة والعبارات الطنانة، فإن تأثيرها وقتي لا يتجاوز الآذان إلى القلوب والأذهان، والخطيب الذي لا يؤيد دعوته بأعمال إيجابية، لا يختلف أثره لدى الجماهير عن أثر المهرج أو الممثل الهزلي الذي يرفه عنها بغرائب الحركات، وترديد الألفاظ المسلية، والتلاعب بالكلمات.

الإيمان بالدعوة يصدقه العمل

ذلك أن مناط الإيمان بما يقوله القائد هو التحقق من أنه هو نفسه مؤمن به، ولا دليل على هذا الإيمان إلا العمل؛ فالعمل هو الترجمان الحقيقي للإيمان، وبدونه يصبح دعوى مجردة وألفاظًا خالية من المعنى. فحين يدعو القائد شعبه إلى التضحية والإيثار -وهما من أشق الأمور على النفس البشرية الباحثة بطبيعتها عن مصلحتها الخاصة- يضع نفسه ودعوته موضع الاختبار أمام الناس. فإذا طابق سلوكه قوله صدقوه، وآمنوا برسالته، والتفوا من حوله، واقتنعوا بمبادئه وعملوا على تحقيقها. أما إذا تناقض قوله مع فعله، فإنه قد يبلغ أسماعهم، ولا سبيل له إلى ضمائرهم ووجدانهم، بل إن هذا التناقض قد يؤدي إلى استنكارهم له، والتمرد عليه، وتصديق مزاعم أعدائه، والانضواء إلى صفوفهم، ولسان حالهم يقول:

يا أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

وقديمًا وصم العرب القوّال غير الفعال بقولهم: "شنشنة نعرفها من أخزم". [الأخزم: الحية الذكر. وعلم من أعلامهم. وهذا مثل يضرب لمن أشبه أباه في خلقه السيئ - المعجم الوسيط ١/٢٣٢]، ورددوا قول القائل:

وغير تقي يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي والطبيب مريض

وقالوا مع أبي العتاهية:

وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى *** وريح الخطايا من ثيابك تسطع

صفات القائد الحق

فالقائد الحق هو الذي يبدأ بنفسه، فيعلمها الصبر والشجاعة قبل أن يعلم غيره، ويدربها على السلوك الأمثل قبل أن يدرب الآخرين، وهو الذي يضرب المثل للناس في التضحية والفداء ويسبقهم إلى الجهاد، حتى يؤمنوا بعظمة رسالته وقوة إيمانه وسمو نفسه، وأنه ينشد مصلحتهم العامة، وليس له مأرب ذاتي من دعوتهم إلى اعتناق مثله وقيمه، فهو أول المدافعين عنها والمضحين في سبيلها.

إن القائد هو الذي يقوم بواجباته سواء فيما يتصل بسلوكه العام أو الشخصي من أجل تعبئة الشعب كله في معركة تثبيت المفاهيم الجديدة والدفع إلى الأمام، والتحذير من الانحرافات. ومن الطبعي أن تكون عين الأمة دائمًا على رائدها وموجهها باعتباره ملهمًا ومعلمًا، وهي تمنحه ثقتها طالما كان أهلًا لهذه الثقة، ولا تتأتى هذه الأهلية إلا بتقديم المثل الأعلى في السلوك، وحينئذ يصبح القائد أجدر بالاتباع ممن يقودهم وأحق بالاهتداء والاقتداء به، إيمانًا منها بأن التعاليم التي يبشر بها والقيم التي يبثها، نابعة من ضميره صادرة من رغبته المسبقة في خدمتهم وإسعادهم.

ومن ثم فإنه حين يدعو إلى احتمال مشقة من المشاق أو الصمود لمحنة من المحن، يبدأ بنفسه في ممارسة الجلد وقوة التحمل، فيهون الأمر على أصحابه ويقبلون على الاقتداء به، إعلانًا منهم أنهم أهل بدورهم لثقته، كما أنه أهل لثقتهم؛ فهو أحق بالإقناع. والإنسان بطبعه يكبر القائد العظيم حين يراه في مقدمة الصفوف عملًا وجهادًا، فيؤمن بصحة مبادئه ويتفاعل معه، في صدق وعزم واحترام.

ويركز القائد دائمًا على الأعضاء المستنيرين في الأمة لكي يكونوا قدوةً حسنةً لغيرهم، وتنجح دعوته هذه إذا قدم هو من نفسه الدليل فاقترن فعله بقوله، فاحتذاه هؤلاء الأعضاء وسرى ذلك التيار الإيجابي إلى سائر الصفوف.

القدوة في ميزان الإسلام

ومن الطبعي أن يزخر تاريخ العقيدة الإسلامية بالشواهد التي تؤكد هذه المعاني وتبرهن على صحتها؛ فالسلوك القويم في الإسلام ترجمان الإيمان ودليله العملي، ولا تكتمل قيمة القول ما لم يصدقه العمل. ومن هنا جعل الإسلام الأعمال الصالحة جزءًا أصيلًا من حقيقة الإيمان، وأضفى على أعمال الإنسان المشروعة بُعدًا تعبديًّا إذا صلحت النية وحسن القصد؛ ولذلك اقترن ذكر الإيمان في القرآن الكريم بالعمل الصالح في مواضع كثيرة، تأكيدًا على أن استقامة السلوك وبذل الجهد في الخير وإتقان العمل من مقتضيات الإيمان الصادق، أما الإيمان الذي لا يثمر عملًا صالحًا يهتدي بنوره فليس إلا دعوى تفتقر إلى البرهان.

وقد أكد القرآن الكريم قيمة القدوة الحسنة في آيات كثيرة، وجعل موافقة الفعل للقول واجبًا على المؤمن، ونهى عن الاكتفاء بالكلام دون العمل به؛ لأن ذلك من صفات المنافقين، ومن أبلغ ما صوَّر به القرآن حال الذين يقولون ما لا يفعلون ما ذكره عن اليهود في جزيرة العرب؛ إذ كانوا يفتخرون بأن لديهم كتابًا منزلًا من عند الله هو التوراة، بينما لم يكونوا يعملون بأحكامه ولا يهتدون بتعاليمه في واقع حياتهم: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِینَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ یَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ یَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِءَایَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِینَ ۝٥ قُلۡ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ هَادُوۤا۟ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِینَ ۝٦ وَلَا یَتَمَنَّوۡنَهُۥۤ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلظَّٰلِمِینَ﴾ [الجمعة: ٥-٧].

فما قيمة التوراة لمن يحملها ثم لا يعمل بما فيها من هدى وأحكام؟ ولهذا ضرب الله تعالى لهم مثلًا بليغًا، فشبَّههم بالحمار الذي يحمل على ظهره أسفارًا وكتبًا نافعة، لكنه لا يدرك ما فيها ولا ينتفع بعلمها؛ فلا يكون مجرد حمل الكتاب أو الانتساب إليه موجبًا للفضل ما لم يقترن بالعمل بمقتضاه، ثم تحدَّاهم الله تعالى في دعواهم أنهم أولياء لله وأحباؤه من دون الناس، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، غير أنهم لم يفعلوا؛ لأنهم يعلمون ما اقترفت أيديهم من المخالفات والذنوب، فكان إحجامهم عن ذلك دليلًا على بطلان دعواهم وعدم صدقها.

ولما كان اقتران القول بالعمل من صفات المؤمن الصادق، فقد نهى الإسلام عن مخالفة الأفعال للأقوال، وجعل ذلك من أعظم وجوه التناقض بين الظاهر والباطن، فقال تعالى: : ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].

التحذير من مخالفة القول للفعل

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤكد دائمًا ضرورة موافقة العمل للقول، وأن يكون حال الناصح شاهدًا لصدق نصحه، وقد تجلّى ذلك في سيرته العملية مع أصحابه؛ فكان يعلّمهم بالفعل قبل القول، ويقول لهم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [ البخاري، الصحيح (٦٣١) ]. كما حذّر صلى الله عليه وسلم من أن تكون أفعال الإنسان مخالفة لأقواله، وبيّن أن من أعظم أسباب الهلاك أن يدعو المرء إلى الخير ولا يعمل به، أو ينهى عن الشر ثم يقع فيه.

فقد روى مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ [أي تخرج أمعاؤه عن مكانها] فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، ما لك؟! أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ [كل ما أمر الشارع باتباعه ورغب فيه] وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟! [كل ما نهى الشارع عنه وحذر منه] فَيَقُول: بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ [أي لا أفعله] وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ [أي أفعله]». [صحيح مسلم: رقم ٢٩٨٩ ].

ويشتد هذا التحذير في حق من حمل العلم ثم لم يعمل به؛ لأن العالم قدوة لغيره، فإذا انفصل علمه عن سلوكه فقد أثر العلم وثمرته، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ». [المعجم الصغير للطبراني رقم ٥٠٧، من حديث أبي هريرة].

ومثل هذا العالم كمثل من يعرف الدواء ويصفه للناس، ثم يترك علاج نفسه؛ فغيره قد ينتفع بعلمه، أما هو فقد حُرم ثمرة ما علم، لأنه لم يجعل علمه قائدًا لسلوكه. وإذا رأى الناس تناقض فعله مع قوله كان ذلك سببًا في سقوط أثر دعوته، واجتماع ضرر العلم غير العامل به على صاحبه وعلى من يتبعه.

وقد جاءت النصوص في بيان خطورة ذلك،  فقد روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ. قَالَ: قُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا مِمَّنْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ». [أحمد، المسند (١٢٢١١)].

القدوة في سير الأنبياء والرسول صلى الله عليه وسلم

ولقد تجلّت القدوة في أسمى معانيها في سير الرسل والأنبياء؛ فقد اصطفاهم الله تعالى من بين خلقه، وربّاهم على مكارم الأخلاق، فبلغوا أرقى درجات الإنسانية، وصدقوا في إيمانهم بربهم، وأخلصوا له العبادة، وبذلوا جهدهم في تبليغ رسالاته والصبر على ما لقوه في سبيل ذلك، فكانوا أئمةً للهدى وقدواتٍ صالحةً للمؤمنين، قال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِیهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡءَاخِرَۚ وَمَن یَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِیُّ ٱلۡحَمِیدُ﴾ [الممتحنة: ٦]، ﴿أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: ٩٠]. فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم  يأمر بأمر إلا كان أول العاملين به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أبعد الناس عنه، فكانت سيرته التطبيق العملي لما يدعو إليه، ولذلك أثّرت دعوته في القلوب؛ لأن الناس رأوا في شخصه مثالًا حيًّا للمبادئ والقيم التي دعا إليها.

الخلاصة

إن صدق القيادة يظهر في التزام القائد بما يدعو إليه، فمطابقة القول للعمل هي أساس الثقة والتأثير، بينما يؤدي التناقض بينهما إلى فقدان المصداقية، وهو أمر حذّر منه الإسلام لما فيه من مخالفة للمنهج القويم، وتبقى القدوة العملية أعظم وسائل ترسيخ المبادئ والقيم في النفوس؛ إذ تجسد المعاني في واقع حي، وتدفع الجماهير إلى الاقتداء والعمل، وتسهم في بناء مجتمع قوي قائم على الوعي والمسؤولية.

موضوعات ذات صلة

كان صلى الله عليه وسلم قدوة عملية في تحمل المسؤولية، ونموذجًا يحتذى به

كانت الهجرة النبوية في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان

صنعت الهجرة المباركة مجتمعًا مترابطًا يفيض بالحب واليقين

مع الهجرة كان من الضرورة صياغة خطة استراتيجية جديدة تتوافق مع ظروف يثرب ومواردها