وقد ضرب الصحابة أروع أمثلة الإيثار والسخاء:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ». فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» [صحيح مسلم: (
٢٠٥٤
)]
فأنت يا أخي الكريم من أتباع سيد الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - الذين شيدوا أعظم حضارة في التاريخ بأخلاقهم الحميدة وإيثارهم المنقطع النظير، فتحلَّ وأنت في أصعب المواقف والمحن بصفة الإيثار، لتمثّل بذلك الدور الذي قام به الصحابة - رضي الله عنهم - تأسيًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أحداث الهجرة وفي تاريخه كله الحافل بالعطاء والإيثار.
ومن أبرز ما يتجلى فيه أسلوب القدوة النبوية قيمة الإيثار، تلك القيمة الأخلاقية التي ترقق القلوب وتهذب المشاعر وتقوي الاعتزاز بالنفس؛ لأن اليد الممتدة بالعطاء والإنفاق وإنكار الذات وبذل ما قد يكون الإنسان محتاجًا إليه، هي الأعلى، وبالحب أولى. عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: «اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فاليَدُ العُلْيا هِيَ المُنْفِقَةُ، والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ». [متفق عليه]
.
ولقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في الإيثار مع إخوانهم المهاجرين، وهذا يُعد من أعظم الدروس التي نتذكرها كلما مرت بنا ذكرى الهجرة النبوية، حيث أظهر الأنصار انتصارهم على شح النفس وأنانيتها: ﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
فجدير بنا في وقتنا الحاضر أن نتأسى بأخلاق الجناب النبوي في نواحي الحياة كافة: ماديًّا ومعنويًّا، لا سيما في قيمة الإيثار، حيث يظهر أثرها أكثر وأكثر في الشدائد والمحن والأزمات، كما هو الحال لواقعنا المَعِيش.
ويأتي الإيثار على قمة الفضائل والقيم؛ يقول الشيخ محمد الغزالي: "والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والنقص والجبن والبخل والجشع لا يمكن أن يصح إخاء أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله ﷺ جُبلوا على شمائل نقية واجتمعوا على مبادئ رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله" [خلق المسلم، ص ٣٩].
ومما يؤكد مكانة قيمة الإيثار عناية واهتمام القرآن الكريم والسنة المطهرة بها، وهذا أكبر دليل على أفضلية وأهمية هذه القيمة، علاوة على وصف القرآن الكريم صاحبها بالحب وسلامة الصدر والفلاح، وهذه مرتبة عظيمة ليس كل شخص يستطيع الوصول إليها. وهذا يبين لنا أن مكانة قيمة الإيثار بين الفضائل والقيم عظيمة جدًا، فهي من أجَلِّ الأخلاق وأعلاها وأرقاها، وصاحبها عالي الهمة كريم السلوك.