Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دروس خالدة من الهجرة النبوية لنهوض مجتمعاتنا المعاصرة

الكاتب

د. أحمد فتحي حجازي

دروس خالدة من الهجرة النبوية لنهوض مجتمعاتنا المعاصرة

هل يمكن لتمرة أو شربة ماء أن تبني حضارة؟ هنا يتجلى الإيثار، السر الأعظم من أسرار الهجرة النبوية، ولقد زرع النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الخلق في قلوب أصحابه؛ ليصنع مجتمعًا مترابطًا يفيض بالحب واليقين، وليؤسس أخوةً صادقةً يقدم فيها الإنسان أخاه على نفسه بخالص الرضا، ضاربًا أروع الأمثلة في التضحية، حتى في الرمق الأخير من الحياة!

مكانة الإيثار في الإسلام

لقد ضرب الأنصار المثل الأعلى في الحب والإيثار لإخوانهم المهاجرين حين قدموا عليهم مهاجرين بدينهم، لا يملكون شيئًا، فقدم لهم الأنصار كل شيء. لقد كان إيثارهم عظيمًا لا يُصدَّق، فعندما خرج المهاجرون من مكة كانوا لا يملكون شيئًا ولا يستطيعون العمل بالزراعة، أما أهل المدينة فكانوا تجارًا وزُرّاعًا، فاستقبلوا إخوانهم المهاجرين بصدر رحب وآثروهم على أنفسهم.

فهذا سيدنا سعد بن الربيع الأنصاري نزل عليه سيدنا عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين، قال له: "يا أخي: هذه أموالي أجمعها لك - جمعها كلها من السوق - أقسمها بيني وبينك، هذا نصفي وهذا نصفك، وهذه هي الأراضي التي أمتلكها أقسمها بيني وبينك، وهذا هو بيتي، وإني متزوج بامرأتين، آتي لك بهما حتى ترى أيهما تحب لأطلقها لك وتتزوجها بعد أن تفي عدتها".

بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما هاجر وصحابته إلى المدينة ذهب إلى الأنصار وقال لهم عن المهاجرين:  «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ». فَقَالُوا: أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم«أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ؟»، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هُمْ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَمَلَ فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمُ الثَّمَرَ»، قَالُوا: نَعَمْ.

هذا الخلق العظيم يُعدّ من مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال وهو بالغ الأهمية، لذا علينا أن نربي أنفسنا وغيرنا على خلق الإيثار والدعوة إليه من منطلق شرعي صحيح في ضوء الكتاب والسنة، فهو يبعث على المودة والرحمة، ويدل على الصفاء والنقاء، ولذلك أثنى الله - عز وجل - على المتصفين به، وبين أنهم المفلحون في الدنيا والآخرة؛ فقال تعالى: ﴿وَلَوۡلَاۤ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡجَلَاۤءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ﴾ [الحشر: ٣].

الإيثار بين الصحابة: الأنصار والمهاجرون

وقد ضرب الصحابة أروع أمثلة الإيثار والسخاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ». فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -  فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» [صحيح مسلم: ( ٢٠٥٤ )]

فأنت يا أخي الكريم من أتباع سيد الأنبياء - صلى الله عليه وسلم -  الذين شيدوا أعظم حضارة في التاريخ بأخلاقهم الحميدة وإيثارهم المنقطع النظير، فتحلَّ وأنت في أصعب المواقف والمحن بصفة الإيثار، لتمثّل بذلك الدور الذي قام به الصحابة - رضي الله عنهم - تأسيًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -  في أحداث الهجرة وفي تاريخه كله الحافل بالعطاء والإيثار.

ومن أبرز ما يتجلى فيه أسلوب القدوة النبوية قيمة الإيثار، تلك القيمة الأخلاقية التي ترقق القلوب وتهذب المشاعر وتقوي الاعتزاز بالنفس؛ لأن اليد الممتدة بالعطاء والإنفاق وإنكار الذات وبذل ما قد يكون الإنسان محتاجًا إليه، هي الأعلى، وبالحب أولى. عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: «اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فاليَدُ العُلْيا هِيَ المُنْفِقَةُ، والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ». [متفق عليه] .

ولقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في الإيثار مع إخوانهم المهاجرين، وهذا يُعد من أعظم الدروس التي نتذكرها كلما مرت بنا ذكرى الهجرة النبوية، حيث أظهر الأنصار انتصارهم على شح النفس وأنانيتها: ﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].

فجدير بنا في وقتنا الحاضر أن نتأسى بأخلاق الجناب النبوي في نواحي الحياة كافة: ماديًّا ومعنويًّا، لا سيما في قيمة الإيثار، حيث يظهر أثرها أكثر وأكثر في الشدائد والمحن والأزمات، كما هو الحال لواقعنا المَعِيش.

ويأتي الإيثار على قمة الفضائل والقيم؛ يقول الشيخ محمد الغزالي: "والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والنقص والجبن والبخل والجشع لا يمكن أن يصح إخاء أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله ﷺ جُبلوا على شمائل نقية واجتمعوا على مبادئ رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله" [خلق المسلم، ص ٣٩].

ومما يؤكد مكانة قيمة الإيثار عناية واهتمام القرآن الكريم والسنة المطهرة بها، وهذا أكبر دليل على أفضلية وأهمية هذه القيمة، علاوة على وصف القرآن الكريم صاحبها بالحب وسلامة الصدر والفلاح، وهذه مرتبة عظيمة ليس كل شخص يستطيع الوصول إليها. وهذا يبين لنا أن مكانة قيمة الإيثار بين الفضائل والقيم عظيمة جدًا، فهي من أجَلِّ الأخلاق وأعلاها وأرقاها، وصاحبها عالي الهمة كريم السلوك.

مواقف نبوية عملية في الإيثار

إذا كان الفرد هو لبنة المجتمع، والمجتمع ما هو إلا مجموع أفراده، فإن المجتمع الذي يحظى بفكرة الإيثار هو المجتمع القوي الطيب العطوف، الذي يرتقي بحال كل فقير ومحتاج. بل إنه إذا سادت قيمة الإيثار في حياة أفراد المجتمعات، أفرزت أناسًا يرعون الجميع، ونفوسًا خالية من الحقد والبغضاء. وهذا ما فعله النبي ﷺ، فعن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:  إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: «أَنَا نَازِلٌ». ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبَحْتُ الْعَنَاقَ، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ، وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ، فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، قَالَ: «كَمْ هُوَ». فَذَكَرْتُ لَهُ، قَالَ: «كَثِيرٌ طَيِّبٌ»، قَالَ: قُلْ لَهَا: «لَا تَنْزِعِ الْبُرْمَةَ، وَلَا الْخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ»، فَقَالَ: «قُومُوا»، فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا»، فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ، وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ، قَالَ: «كُلِي هَذَا وَأَهْدِي، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ»  [متفق عليه].

الإيثار وأثره في بناء المجتمع

هذا الموقف يكشف بوضوح عن حرص النبي ﷺ على أن يكون الإيثار سلوكًا جماعيًّا نابعًا عن حب وتواد وتراحم بين المسلمين جميعًا، ليصيروا كالجسد الواحد. كما يبرز لنا مغزًى كبيرًا ومعنًى عظيمًا من معاني الإيثار، حيث طبق النبي ﷺ مبدأً حكيمًا وهو: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ. وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ» [صحيح مسلم: (٢٠٥٩)]، آخذًا أيضًا بفضيلة القناعة، وأن يد الله مع الجماعة "فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الخُبْزَ، ويَغْرِفُ حتَّى شَبِعُوا وبَقِيَ بَقِيَّةٌ، قَالَ: كُلِي هذا وأَهْدِي؛ فإنَّ النَّاسَ أصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ".

وهذا يبرز لنا إلى أي مدى وصل بكثير من الناس الانحراف الأخلاقي الذي يتمثل في الجشع واحتكار الكثير من السلع، والتلاعب بالأسعار، والمتاجرة بأقوات الشعوب؛ من أجل الحصول على مكاسب شخصية سريعةً تنم عن الأثرة البغيضة.

الإيثار في واقعنا المعاصر

ومن ناحية أخرى، هناك الآن الكثير ممن يتصدقون بأضعاف ما كانوا يتصدقون به في الماضي، متمثلًا ذلك في الجمعيات الأهلية وغيرها من القوافل أو المبادرات الشخصية التي تقوم بها مؤسسات وأفراد وجماعات ابتغاء مرضاة الله، مثلما فعلت وزارة الأوقاف بإنشاء مشروع صكوك الأضاحي وإطعام الفقراء والمساكين.

ومن دروس الإيثار للجناب النبوي أنه لا يتوقف عند حدود الحب للآخرين وتمني الخير لهم، ولا عند حب الإنسان لأخيه ما يحبه لنفسه، بل يشمل إنكار الذات، وتأديب النفس وتهذيبها، لتنتصر على رذيلة الأنانية التي تفسد العلاقة بخلق الله. وهذا ما جسّده النبي ﷺ في خُلق الإيثار، وكان قدوة فيه بمعنى الكلمة.

يقول الإمام ابن حجر: "ويظهر أنه ﷺ... كان إذا جاءه ما فتح عليه من خيبر وغيرها من تمر وغيره يدخر قوت أهله سنة، ثم يجعل ما بقي عنده في سبيل الله تعالى. ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارئ أو نزل به ضيف يشير على أهله بإيثارهم، فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عندهم أو معظمه". وقد روى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: " مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَلَوْ شِئْنَا لَشَبِعْنَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ" [شعب الإيمان للبيهقي: (٥٦٤٢، ٥٦٤٠)، وينظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ١١/ ٢٨٠].

بل إنه ﷺ كان يتعرض للجوع أحيانًا، وللحاجة لبعض الأمور الحياتية أحيانًا كثيرة، وبرغم ذلك كان يؤثر ويفضل غيره على نفسه، وما رد سائلًا. وما أكثر المواقف التي تعرض فيها للجوع وبرغم ذلك يصبر، بل يؤثر غيره على نفسه، خاصة إذا نزل به ضيف. وكيف كان يشرك معه غيره من الصحابة عندما يُدعى إلى طعام قد يصلون فيه إلى السبعين أو الثمانين: "حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا"

هذه بركة الجناب النبوي، والاقتداء بفعله يزيد من بركة الحياة والطعام والشراب لمن تمثل هذه الأخلاق العظيمة وطبقها واقعًا عمليًّا.

وقد وصل حب الأنصار لإخوانهم المهاجرين إلى أنهم كانوا يواسونهم ويؤثرونهم على أنفسهم في كل أمر من أمور الدنيا، صغيرًا كان أو كبيرًا، فنزل القرآن الكريم يمدحهم ويزكي صنيعهم هذا.

كيف نغرس الإيثار في النفوس؟

لقد جعل الجناب النبوي الإيثار خلقًا وقيمة أساسية فاعلة في حياة الصحابة جميعًا، أنصارًا ومهاجرين، يُهوِّن مصاعب الحياة ويعطي لها معنى. ومن الأمثلة على ذلك: تنافس سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟»، قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا (سنن أبي داود، ٢/٥٤ برقم ١٦٨٠).

وهذا يوضح لنا أن الإيثار لم يختص به الأنصار دون غيرهم -برغم مدح وثناء القرآن الكريم لحسن صنيعهم ومروءتهم العالية مع إخوانهم المهاجرين- بل كان سلوكًا وخلقًا سائدًا عند الصحابة الكرام، أنصارًا ومهاجرين، وبدا هذا من تنافس عمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق وغيرهما.

الخلاصة

الإيثار في الهجرة النبوية قيمة سامية تبني المجتمعات وتوحد القلوب، جسّده الصحابة بأروع صور التضحية، مؤكدين أن العطاء والرحمة أساس الحضارة، وأن اليقين بخزائن الله يمنح القوة والعزم.

موضوعات ذات صلة

الهجرة انتقال من الاضطهاد للأمان، وبناء أمة قوامها نصرة وإيمان.

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل.

تولى سيدنا عبد الله بن أبي بكر مهمة جمع الأخبار ورصد تحركات قريش.

هل يمكن لتمرة أو شربة ماء أن تبني حضارة؟

موضوعات مختارة