لم تقف وثيقة
المدينة عند حدود منح الحقوق والحريات، بل ربطت استدامة السلم الأهلي بالتزام كافة
المكونات بواجباتٍ تضامنيةٍ وتشاركيةٍ قويَّة للدفاع عن الوطن وحفظ استقراره
المالي والسياسي [دعائم الدولة الإسلامية للدكتور
إسماعيل البدوي، صـ (١٨٢)]، وتمثلت هذه الواجبات في ثلاثة عناصرَ أساسيةٍ:
(١) الدفاع
المشترك والمواجهة ضد العدوان الخارجي
جعلت الوثيقة
أمن المدينة المنورة مسؤوليةً تقع على عاتق الجميع؛ إذ لا يمكن لطرفٍ أن يقف
محايدًا أو متفرجًا عند تعرض الوطن للخطر، فنصت الوثيقة ملزمةً كل الأطراف
بالتعبئة العسكرية والتعاون الحربي، فجاء فيها: "وإنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ على مَن
حارَبَ أهْلَ هذه الصَّحيفَةِ... وإنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ على مَن دَهَمَ
يَثْرِبَ" [البداية والنهاية لابن كثير (المتوفى:
٧٧٤)، (٤/٥٥٨) تحقيق التركي]، فهذه الشراكة
الدفاعية رسخت الشعور بالمصير المشترك، وعمقت من روابط المواطنة والتعايش الفعلي
في خنادق المواجهة والخدمة العسكرية الوطنية.
(٢) التكافل المالي والاستقلال الاقتصادي المنظم
لتجنب النزاعات
المالية التي قد تؤدي إلى الإضرار بالسِّلْم الاجتماعي، وضعت الوثيقة قواعدَ
واضحةً للالتزامات المالية؛ حيث أقرت الذمة المالية المستقلة لكل طائفةٍ، مع فرض
التضامن التام في تحمل تكاليف إدارة الحروب والأزمات الطارئة، وجاء فيها: "وإنَّ على اليَهودِ نَفَقَتَهُمْ وعلى
المُسْلِمينَ نَفَقَتَهُمْ... وإنَّ اليَهودَ يُنْفِقونَ مع المُؤْمِنينَ ما داموا
مُحارِبينَ" [سيرة ابن هشام (المتوفى: ٢١٣)، تحقيق سعد (٢/١٠٧)]،
فهذا التوزيع المتوازن للأعباء الاقتصادية منع أي استغلالٍ ماليٍّ لطائفةٍ ضد
أخرى، وأسس لعدالةٍ توزيعيةٍ تحمي النسيج الاجتماعي من التآكل الاقتصادي.
(٣) التناصح والبر ونبذ التآمر الداخلي
لم تكتفِ
الوثيقة بضبط السلوك الخارجي، بل سعت إلى بناء بيئةٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ تقوم على
حسن النوايا ونبذ الغدر والخيانة والتعاون على الخير، فجاء فيها:
"وإنَّ
بَيْنَهُمُ النُّصْحَ والتَّنصُّحَ، والبِرَّ دونَ الإثْمِ... وإنَّه لا يَأْثَمُ
امْرُؤٌ بِحَليفِهِ، وإنَّ النَّصْرَ لِلْمَظْلومِ" [سيرة ابن هشام
(المتوفى: ٢١٣)، تحقيق سعد (٢/١٠٧)]
بهذه التوجيهات
القانونية الأخلاقية، تأسست شبكة أمانٍ مجتمعيةٍ تحث على الحوار الشفاف، والتناصح
المتبادل، وتضمن حماية المستضعفين، مما قطع الطريق أمام المؤامرات الداخلية التي
تهدد بقاء الدولة وسكينتها.