Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تعزيز وثيقة المدينة للتعايش السلمي في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

تعزيز وثيقة المدينة للتعايش السلمي في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية

مثّلت الهجرة النبوية إلى يثرب في عام (٦٢٢م) انتقالًا استراتيجيًّا كليًّا إلى وضع التشريع، وبناء مؤسسات الدولة، وإرساء قيم السلم المجتمعي والتعددية بالمدينة المنورة، وعلى الرغم من أنَّ يثرب كانت غارقة في حالةً من التمزق الشديد بسبب الحروب الأهلية والتي أفنت سادتهم وهدمت دورهم، فقد استطاع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينهض بها.  

القواعد الدستورية لتأسيس التعايش السلمي بالمدينة المنورة

أرست وثيقة المدينة معاييرَ دستوريةً صارمةً عملت كصمام أمانٍ لمنع التناحر الاجتماعي، وصهرت المكونات المختلفة في بوتقةٍ سياسيةٍ موحدةٍ دون صهر هوياتهم الدينية، وتجلَّت هذه الأسس في القواعد الآتية:

(١) إعلان يثرب حرمًا آمنًا

إن الخطوة الأولى في بناء التعايش السلمي هي نزع السلاح وإعلان البيئة الجغرافية منطقةً خاليةً من العنف والحروب الأهلية، وهذا ما صنعته الوثيقة المحمدية بتحديدها الدقيق لإقليم الدولة واعتباره ملاذًا آمنًا ومحرمًا، فجاء فيها: "وإنه مَن تَبِعَنا من يَهود فإنَّ له النَّصْرَ والأسْوَةَ غيرَ مَظْلومينَ ولا مُتَناصَرًا عليهمْ... وإنَّ يَثْرِبَ حَرامٌ جَوْفُها لأهْلِ هذه الصَّحيفَةِ" [البداية والنهاية لابن كثير (المتوفى: ٧٧٤)، (٤/‏٥٥٨) تحقيق التركي]، فبهذا التحديد التشريعي حظرت الوثيقة المحمدية ممارسة العنف القبلي تاريخيًّا داخل حدود المدينة، ونقلت الأرض من مساحة مشاعةٍ للثأر إلى حيزٍ قانونيٍّ يخضع لسيادة السلم العام.

(٢) تفكيك العصبية القبلية واستبدالها برابطة السلم والعدالة

كانت المنظومة الأخلاقية والاجتماعية في الجاهلية تقوم على مبدأ العصبية القَبَلِيَّة، مما كان يعني استمرار الحروب بدافع الحمية [المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي (٤/٢٠٨)] إلا أن الوثيقة ألغت هذا النموذج المعرفي تمامًا، وأحلت محله رابطةً قوامها العدل ومحاربة البغي حتى لو كان الباغي أقرب المقربين، وجاء في أحد بنودها: "وإنَّ المُؤْمِنينَ المُتَّقينَ على مَن بَغى منهمْ أوِ ابْتَغى مَفْسَدَةً أو إثْمًا أو عُدْوانًا أو فَسادًا بَيْنَ المُؤْمِنينَ، وإنَّ أيْدِيَهمْ عليه جَميعًا ولو كانَ وَلَدَ أحَدِهِمْ" [الروض الأنف للسهيلي (المتوفى: ٥٨١)، تحقيق: الوكيل (٤/‏٢٤١)]، فهذا البند الدستوري تلاشت الحماية القبلية للمجرمين، وحُرم البغاة من أي غطاءٍ اجتماعيٍّ، مما شكّل رادعًا قويًّا يحمي السلم الأهلي والتعايش المشترك.

(٣)  الحكم للقضاء، والمرجعية في سلطة الدولة

لا يمكن للتعايش السلمي أن يستقر إذا ظل الأفراد يأخذون حقوقهم بأيديهم أو يحتكمون إلى الكهان وقادة العشائر الذين يُغذُّون الصراعات لذلك، نقلت الوثيقة سلطة الفصل النهائي في المنازعات إلى القيادة العليا للدولة ليصبح القضاء وسيلة لمواجهة الاحتراب، فجاء في نصها: "وإنَّه ما كانَ بَيْنَ أهْلِ هذه الصَّحيفَةِ من حَدَثٍ أوِ اشْتِجارٍ يُخافُ فَسادُهُ، فإنَّ مَرَدَّهُ إلى اللهِ -عزَّ وجلَّ- وإلى مُحَمَّدٍ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم." [السيف المسلول على من سب الرسول لتقي الدين السبكي (المتوفى: ٧٥٦هـ) (١/‏٣٣٧)], فبهذا البند تنتهي الفوضى القضائية، وتتحقق لجميع الأطراف -بما فيهم الأقليات الدينية- محاكمةً عادلةً ومستقلةً تحقن الدماء وتصون الأمن.

آليات حماية التعددية وحرية الاعتقاد في مجتمع التعايش

إن ركيزة التعايش السلمي المتين تتجلى في مدى قدرة القانون على استيعاب المكونات المختلفة دون إكراهٍ عقديٍّ أو إقصاءٍ ثقافيٍّ وقد صاغت الوثيقة نموذجًا فريدًا للمواطنة التعددية عبر عنصرين أساسيين:

(١)  الوطن يَسَعُ الجميع

حققت الوثيقة نهضة نوعيةً هائلةً في الفكر السياسي المعاصر لها؛ حيث وسعت مفهوم المواطنة ليشمل الرابطة السياسية والوطنية جنبًا إلى جنبٍ مع الرابطة الدينية، فقد اعتبرت الوثيقة الطوائف اليهودية جزءًا لا يتجزأ من الكيان السياسي الجديد ومكونًا رئيسًا في النسيج الوطني، فقد جاء في نصها: "وإنَّ يَهودَ بَني عَوْفٍ أُمَّةٌ مع المُؤْمِنينَ" [البداية والنهاية لابن كثير (المتوفى: ٧٧٤)، (٤/‏٥٥٨) تحقيق التركي]، ثم أتبعت الوثيقة هذا البند بذكر بقية القبائل والبطون اليهودية كبني النجار، وبني الحارث، وبني ساعدة، لتأكيد شمولية هذا الحق السياسي واستحقاقهم الكامل لصفة المواطنة في دولة المدينة [وثيقة المدينة: دراسة تحليلية، صـ ٩٢ للدكتور شوقي أبو خليل].

(٢)  الضمان المطلق لحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر

أدرك النبي -صلى الله عليه وسلم- أن التدخل في ضمائر الناس وضماناتهم التعبدية هو أسرع طريقٍ لتقويض السلم الاجتماعي وتغذية الأحقاد [الحريات العامة في الدولة الإسلامية للدكتور راشد الغنوشي صـ ٦٨]؛ فكفلت الصحيفة لليهود وللمسلمين على حدٍّ سواءٍ الاستقلال العقدي التام دون مضايقةٍ أو تمييزٍ، وصيغ ذلك بعبارةٍ دستوريةٍ واضحةٍ بليغةٍ جاء فيها: "لِلْيَهودِ دينُهُمْ ولِلْمُسْلِمينَ دينُهُمْ، مَواليهِمْ وأَنْفُسُهُمْ" [الروض الأنف للسهيلي (المتوفى: ٥٨١)، تحقيق: الوكيل (٤/‏٢٤١)].

 هذا الإقرار الصريح بحرية الدين شكّل حجر الزاوية في بناء ثقافة التسامح والتعايش السلمي اليومي؛ إذ شعر كل مواطنٍ بالأمان التام على أقدس ما يملك، وهو عقيدته ودينه.

واجبات التضامن والمسؤولية المشتركة لحفظ السلم

لم تقف وثيقة المدينة عند حدود منح الحقوق والحريات، بل ربطت استدامة السلم الأهلي بالتزام كافة المكونات بواجباتٍ تضامنيةٍ وتشاركيةٍ قويَّة للدفاع عن الوطن وحفظ استقراره المالي والسياسي [دعائم الدولة الإسلامية للدكتور إسماعيل البدوي، صـ (١٨٢)]، وتمثلت هذه الواجبات في ثلاثة عناصرَ أساسيةٍ:

(١) الدفاع المشترك والمواجهة ضد العدوان الخارجي

جعلت الوثيقة أمن المدينة المنورة مسؤوليةً تقع على عاتق الجميع؛ إذ لا يمكن لطرفٍ أن يقف محايدًا أو متفرجًا عند تعرض الوطن للخطر، فنصت الوثيقة ملزمةً كل الأطراف بالتعبئة العسكرية والتعاون الحربي، فجاء فيها: "وإنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ على مَن حارَبَ أهْلَ هذه الصَّحيفَةِ... وإنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ على مَن دَهَمَ يَثْرِبَ" [البداية والنهاية لابن كثير (المتوفى: ٧٧٤)، (٤/‏٥٥٨) تحقيق التركي]، فهذه الشراكة الدفاعية رسخت الشعور بالمصير المشترك، وعمقت من روابط المواطنة والتعايش الفعلي في خنادق المواجهة والخدمة العسكرية الوطنية.

(٢)  التكافل المالي والاستقلال الاقتصادي المنظم

لتجنب النزاعات المالية التي قد تؤدي إلى الإضرار بالسِّلْم الاجتماعي، وضعت الوثيقة قواعدَ واضحةً للالتزامات المالية؛ حيث أقرت الذمة المالية المستقلة لكل طائفةٍ، مع فرض التضامن التام في تحمل تكاليف إدارة الحروب والأزمات الطارئة، وجاء فيها: "وإنَّ على اليَهودِ نَفَقَتَهُمْ وعلى المُسْلِمينَ نَفَقَتَهُمْ... وإنَّ اليَهودَ يُنْفِقونَ مع المُؤْمِنينَ ما داموا مُحارِبينَ" [سيرة ابن هشام (المتوفى: ٢١٣)، تحقيق سعد (٢/‏١٠٧)]، فهذا التوزيع المتوازن للأعباء الاقتصادية منع أي استغلالٍ ماليٍّ لطائفةٍ ضد أخرى، وأسس لعدالةٍ توزيعيةٍ تحمي النسيج الاجتماعي من التآكل الاقتصادي.

(٣)  التناصح والبر ونبذ التآمر الداخلي

لم تكتفِ الوثيقة بضبط السلوك الخارجي، بل سعت إلى بناء بيئةٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ تقوم على حسن النوايا ونبذ الغدر والخيانة والتعاون على الخير، فجاء فيها: "وإنَّ بَيْنَهُمُ النُّصْحَ والتَّنصُّحَ، والبِرَّ دونَ الإثْمِ... وإنَّه لا يَأْثَمُ امْرُؤٌ بِحَليفِهِ، وإنَّ النَّصْرَ لِلْمَظْلومِ" [سيرة ابن هشام (المتوفى: ٢١٣)، تحقيق سعد (٢/‏١٠٧)]

بهذه التوجيهات القانونية الأخلاقية، تأسست شبكة أمانٍ مجتمعيةٍ تحث على الحوار الشفاف، والتناصح المتبادل، وتضمن حماية المستضعفين، مما قطع الطريق أمام المؤامرات الداخلية التي تهدد بقاء الدولة وسكينتها.

الخلاصة

كانت وثيقة المدينة تأسيسًا فلسفيًّا وعمليًّا ناضجًا لدولة المؤسسات، فقد نجحت بعبقريةٍ تشريعيةٍ في تفكيك البُنى القبلية المأزومة والصراعات المزمنة، وإعادة صهرها في بوتقة الوطن الواحد، وتظل هذه الصحيفة التاريخية مستندًا حقوقيًّا قاطعًا يثبت سبْق التجربة السياسية الإسلامية الأولى في تطبيق أحدث القيم الإنسانية والديمقراطية المعاصرة؛ كالتعددية السياسية والدينية، والعدالة القضائية الفردية، وحرية المعتقد، والتكافل التشاركي، مما يجعلها مرجعًا ملهمًا دائمًا للبشرية في سعيها الدؤوب لصناعة مجتمعاتٍ مدنيةٍ متطورةٍ وقائمةٍ على أساس السلام والوئام والقبول المتبادل بالآخر. 

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله