الرشوة وأثرها في إفساد المجتمع
خطبة الأسبوع
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فما من شك أن الرشوة من أخطر الآفات التي تنخر في جسد المجتمعات، وتفتك بمنظومة القيم والأخلاق، فهي تُفسد ذمة الفرد، ثم تمتد آثارها بعد ذلك لتقوِّض العدالة، وتُهدر مبدأ تكافؤ الفرص، وتزعزع ثقة الناس في مؤسسات الدولة، وإذا استشرى هذا الداء وعمّ أثره؛ غلبت المحاباة على الكفاءة، وضاعت الأمانات، واختلَّ ميزان العدل الذي تقوم عليه حياة الأمم.
وما كانت الرشوة وسيلةً لتيسير المصالح كما يتوهم بعض الناس.. كلا، إنما هي معول هدم في المجتمع، فمن يأخذ الرشوة فقد خان الأمانة التي استُؤمن عليها، ومن يدفعها مختارًا ليظفر بما ليس له فقد أسهم في صناعة الفساد وترسيخ أسبابه، وما كان لمجتمع تُباع فيه القرارات، وتُشترى فيه الحقوق، أن ينهض أو يحقق تنميةً حقيقية.
ومن هنا، فإن القضاء على الرشوة يبدأ من رفضها في النفوس، وامتناع الأفراد عن التعامل بها، وعدم السكوت على مرتكبيها، والإسهام في كشفها والإبلاغ عنها؛ لأن مقاومة الفساد مسئوليةٌ جماعية، يتحملها كل فرد بحسب موقعه، وهذا ما حرصت الشريعة الإسلامية على بيانه وتوضيحه، وإليك خلاصة ذلك:
الرشوة: هي كل مالٍ أو منفعةٍ تُبذل لشخصٍ ليحكم بغير الحق، أو يمتنع عن الحكم بالحق، أو ليؤدي عملًا يجب عليه أداؤه دون مقابل، وهي من صور الفساد التي جاءت الشريعة الإسلامية بتحريمها تحريمًا قاطعًا، سواء صدرت من موظف حكومي أو من غيره؛ لأنها تؤدي إلى ضياع الحقوق، وتعطيل مصالح الناس، وتحويل الوظائف والأمانات إلى وسائل للكسب غير المشروع، فلا تُقضى الحاجات إلا لمن يدفع، ولا تُمنح الحقوق إلا لمن يبذل المال.
ولذلك عدَّها الإسلام لونًا من أكل أموال الناس بالباطل، ونهى عنها أشد النهي، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فجمع في هذه الآية بين تحريم أكل المال بالباطل، وتحريم استخدام المال للتأثير في أصحاب السلطة والقضاء من أجل اغتصاب الحقوق.
قال البغوي: "أَي لَا يَأكُلُ بَعضُكُم مَالَ بَعضٍ بِالبَاطِلِ، أَي مِن غَيرِ الوَجهِ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ، وَأَصلُ البَاطِلِ الشَّيءُ الذَّاهِبُ، وَالأَكلُ بِالبَاطِلِ أَنوَاعٌ، قَد يَكُونُ بِطَرِيقِ الغَصبِ وَالنَّهبِ، وَقَد يَكُونُ بِطَرِيقِ اللَّهوِ كَالقِمَارِ وَنَحوِه، وَقَد يَكُونُ بِطَرِيقِ الرِّشوَةِ وَالخِيَانَةِ" [معالم التنزيل].
وقال الشيخ محمد أبو زهرة: "وإن هذا النص الكريم يدل على حرمة الرشوة، وقد سمَّاها في موضع آخر السحت، ويدل على أن الرشوة أكل لأموال الناس، وإفساد للحكم، وضياع للعدل" [المعجزة الكبرى القرآن].
وأكد مولانا تبارك وتعالى على حرمة أكل مال الغير إلا أن يكون حلالًا طيبًا، فقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ﴾ [النساء: ٢٩]، فبيَّن أن الطريق المشروع لاكتساب الأموال هو الكسب الحلال القائم على الرضا، لا على الرشوة، ولا على الظلم، ولا على استغلال النفوذ.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالمُرتَشِيَ» [رواه أبو داود]، وعَن ثَوبَانَ رضي الله عنه قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالمُرتَشِيَ وَالرَّائِشَ: يَعنِي: الَّذِي يَمشِي بَينَهُمَا» [رواه أحمد].
وقال ابن حجر الهيتمي: "الكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالعِشرُونَ بَعدَ الأَربَعِمِائَةِ: أَخذُ الرِّشوَةِ وَلَو بِحَقٍّ، وَإِعطَاؤُهَا بِبَاطِلٍ، وَالسَّعيُ فِيهَا بَينَ الرَّاشِي وَالمُرتَشِي، وَأَخذُ مَالٍ عَلَى تَولِيَةِ الحُكمِ، وَدَفعُهُ حَيثُ لَم يَتَعَيَّن عَلَيهِ القَضَاءُ وَلَم يَلزَمهُ البَذلُ" [الزواجر عن اقتراف الكبائر]، وقال الزين المناوي: "وبالجملة فإعطاء الرشوة وأخذها من الكبائر" [فيض القدير].
لم يكتفِ الإسلام بتحريم الرشوة وبيان قبحها، بل توعَّد أطرافها بأشد أنواع الوعيد؛ لأنها جريمة تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره، فتضيع بها الحقوق، وتُشترى بها الذمم، ويُقدَّم غير المستحق على المستحق، ويشيع بسببها الظلم والفساد، ومن هنا كان الجزاء من جنس العمل؛ فكما أفسدت الرشوة حياة الناس في الدنيا، كانت سببًا للعذاب في الدنيا والآخرة.
فأما عذاب الآخرة: فقد جاء فيه الوعيد الصريح، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النّبيّ ﷺ قال: «الرَّاشِي والمُرْتَشِي فِي النَّارِ» [رواه الطبراني]، وجاء أيضًا في الحديث السابق ذكره، قوله ﷺ: «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي»، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، ولا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب.
كما توعد النبي ﷺ آخذ الرشوة الذي جار في حُكمه وحابى من دفع له، فقال ﷺ: «مَن وُلِّيَ عَلَى عَشَرَةٍ يَحكُمَ بَينَهُم بِمَا أَحَبُّوا أَو كَرِهُوا جِيءَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ مَغلُولَةً يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَإِن حَكَمَ بِمَا أَنزَلَ اللهُ، وَلَم يَرتَشِ فِي حُكمِهِ، وَلَم يَحِفْ، فَكَّ اللهُ عَنهُ يَومَ القِيَامَةِ يَومَ لا غُلَّ إِلَّا غُلُّهُ، وَإِن حَكَمَ بِغَيرِ مَا أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى، وَارتَشَى فِي حُكمِهِ وَحَابَى، شُدَّت يَسَارُهُ إِلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فِي جَهَنَّمَ» [رواه الحاكم].
وأما عذاب الدنيا: فإن الرشوة سبب لنُزول العقوبات العامة، وذهاب الأمن، وانتشار الخوفِ بين النَّاس؛ لأنَّ المجتمعَ الذي تُباع فيه الأحكام وتُشترى فيه الحقوق لا يمكن أن ينعم بالاستقرار، فعَن عَمرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِن قَومٍ يَظهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا، إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ، وَمَا مِن قَومٍ يَظهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا، إِلَّا أُخِذُوا بِالرُّعبِ» [رواه أحمد]، أي: يُسلِّط الله عليهم الخوف والقلق، وتفشو بينهم الفتن، وتضطرب أحوالهم، لأن الظلم إذا انتشر ارتفعت البركة، وحلَّت العقوبات.
ولقد قرَّر القرآن الكريم هذه السنة الإلهية في مواضع كثيرة، فقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا فِتنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُم خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
جعل الإسلام الشفاعة الحسنة بابًا من أبواب الإحسان والتعاون على البر، يُقصد بها قضاء حوائج الناس، وتفريج كرباتهم، وإعانتهم على الوصول إلى حقوقهم المشروعة دون انتظار مقابل أو منفعة، قال تعالى: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنۡهَاۖ﴾ [النساء: ٨٥]، وعَن أبي موسى رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤجَرُوا، وَيَقضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ» [رواه البخاري].
غير أن هذه العبادة الجليلة قد تنحرف عن مقصدها إذا تحولت إلى وسيلة للكسب وجمع الأموال، فيستغل بعض الناس مكانتهم أو علاقاتهم أو نفوذهم لقضاء مصالح الآخرين مقابل هدية أو مال، فيصبح المعروف تجارة، والشفاعة سلعة تُباع وتُشترى، وهذا من صور الرشوة التي نهى عنها الشرع.
وقد حذر النبي ﷺ من هذا المسلك فقال: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيهَا فقَبِلَهَا، فقَد أَتَى بَابا عَظِيمًا مِنْ أَبوَابِ الرِّبا» [رواه أبو داود].
إن اشتراط تحصيل الهدية -تصريحًا أو تلميحًا- على الشفاعة يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس والإحسان.
ومن هنا ينبغي أن تبقى الشفاعة بابًا للإحسان، لا وسيلةً للاتجار بالنفوذ، وأن يبتغي المسلم بوساطته وجه الله تعالى، لا حظوظ الدنيا؛ فإن أعظم ما يرفع قدر الإنسان عند الله أن يجعل جاهه ومنزلته في خدمة الناس ابتغاء مرضاته، لا في استغلال حاجاتهم لتحقيق المكاسب، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢].
أولًا: آثار الرشوة على الفرد:
لا شك أن هذه الجريمة تؤدي إلى عدد من الأمور التي تحبط عمل الفرد، منها: سخط الله تعالى، واستحقاق اللعنة والعذاب، وفساد الذمة وضياع الأمانة، وأكل المال الحرام ومحق البركة، واعتياد الظلم واستمراء الحرام.
ثانيًا: آثار الرشوة على المجتمع:
ضياع الحقوق، وانتشار الظلم، وانهيار الثقة بين الناس، وتعطيل التنمية، وإهدار الكفاءات، وانتشار الفساد في جميع مرافق الحياة، وزعزعة الأمن، وظلم الفقراء وأصحاب الحقوق، وانتشار المحسوبية.
لا تُقاوَم الرشوة بالعقوبات وحدها، لكنها تحتاج إلى بناء منظومة متكاملة تُرسِّخ الإيمان، وتُعظِّم قيمة الأمانة، وتُحاصر أسباب الفساد قبل وقوعه، فالإسلام لم يقتصر على تحريم الرشوة، بل وضع من المبادئ والتشريعات ما يكفل الوقاية منها، وصيانة المجتمع من آثارها المدمرة، منها:
أولًا: ترسيخ مراقبة الله تعالى وتعظيم الأمانة.
ثانيًا: غرس قيم النزاهة والعدل منذ الصغر.
ثالثًا: اختيار الأمناء وأصحاب الكفاءة للمناصب العامة.
رابعًا: منع الهدايا المرتبطة بالوظيفة والنفوذ.
خامسًا: تطبيق الأنظمة الرادعة ومحاسبة المفسدين.
سادسًا: تيسير الإجراءات الإدارية وإغلاق منافذ الفساد.
سابعًا: نشر ثقافة رفض الرشوة والإبلاغ عنها.
ثامنًا: القناعة بالحلال والبعد عن الطمع.
يعيش كثير من الأسر والطلاب هذه الأيام حالة من الترقب والانتظار مع إعلان نتائج الثانوية العامة والثانوية الأزهرية، فمن الناس من يفرح بنجاحه وتفوقه، ومنهم من يحزن لعدم تحقيق ما كان يتمناه، وهنا ينبغي أن نتذكر جميعًا أن الإسلام يربطُ الإنسان بالسعي والعمل، لا بمجرد النتائج، ويغرسُ في القلب الرضا بقضاء الله، مع الأخذ بالأسباب والاجتهاد.
لقد أمر الله تعالى بالسعي وبذل الأسباب، فقال سبحانه: ﴿وَأَن لَّیۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩ وَأَنَّ سَعۡیَهُۥ سَوۡفَ یُرَىٰ ٤٠ ثُمَّ یُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَاۤءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ﴾ [النجم: ٣٩-٤١]، فهذه الآيات أصل عظيم في أن الإنسان مأمور بالسعي، وأن الله تعالى لا يضيع عمل العاملين، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَا نُضِیعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقال سبحانه: ﴿فَمَن یَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَیۡرࣰا یَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: ٧]، فكل ساعة مذاكرة، وكل تعب، وكل صبر، وكل جهد، محفوظ عند الله تعالى، لا يضيع منه شيء.
إن بعض الناس يظنون أن التوكل يعني ترك الأسباب، وهذا فَهم خاطئ؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَمْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» [رواه الترمذي] أي: خذ بالأسباب ثم توكل على الله.
وقال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ» [رواه مسلم].
فالمؤمن يجتهد في المذاكرة، وينظم وقته، ويبذل جهده، ثم يفوض النتيجة إلى الله عز وجل.
هذه العبارة ليست حديثًا نبويًا، لكنها توافق سنة الله في الكون؛ فإن الله جعل لكل سبب نتيجة، ولذلك قال سبحانه: ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِیعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
فمن اجتهد غالبًا يحقق ثمرة اجتهاده، وقد يمنع الله العبد من بعض ما يريد لحكمة يعلمها سبحانه، فيكون الخير فيما اختاره الله.
من وفقه الله للنجاح والتفوق فليحمَد الله، فإن الفضل أولًا وآخرًا لله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةࣲ فَمِنَ ٱللَّهِۖ﴾ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِیدَنَّكُمۡۖ﴾ [إبراهيم: ٧]، فينبغي للمتفوق أن يشكر الله، ويحسن إلى والديه ومعلميه، وألا يحتقر غيره، فإن الفضل بيد الله.
إلى كل طالب لم يحقق المجموع الذي كان يتمناه.. اعلم أن هذه النتيجة ليست نهاية الحياة، ولا تعني أنك فاشل، وإنما هي محطة من محطات العمر. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡءࣰا وَهُوَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا ٥ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ [الشرح: ٥-٦]، وقال جل وعلا: ﴿لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ﴾ [الزمر: ٥٣]، واليأس ليس من صفات المؤمنين، بل المؤمن يجدد نيته، ويستأنف العمل، ويجعل من إخفاقه بداية نجاح جديد.
لقد خرج النبي ﷺ إلى الطائف يدعو إلى الله، فقوبل بالأذى والسخرية، ورُمي بالحجارة حتى سالت قدماه الشريفتان دمًا، ومع ذلك لم ييأس، ولم يتوقف عن الدعوة، بل قال: «اللهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» [رواه البيهقي في شعب الإيمان]، ثم كانت الهجرة، ثم قيام الدولة الإسلامية، ثم فتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
وكذلك في غزوة أحد، أصيب المسلمون بما أصيبوا به، فنزل القرآن يربيهم ويعلمهم ألا يقفوا عند الهزيمة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، فكانت الهزيمة درسًا، ثم جاء بعدها النصر والتمكين.
فمن نجح فليشكر الله، وليزدد تواضعًا واجتهادًا، ومن أخفق فلا يحزن ولا يستسلم، فإن كثيرًا من الناجحين في الحياة تعثروا في بداياتهم، ثم فتح الله لهم أبوابًا لم يكونوا يتوقعونها، وتذكروا دائمًا قول الله تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ﴾ [التوبة: ١٠٥].
١- الرضا بقضاء الله: استقبل النتيجة بقلب مؤمن يعلم أن ما اختاره الله خير، وأن الأقدار لا تمنع الأرزاق ولا تغلق أبواب المستقبل.
٢- شكر الله على كل حال: فالناجح يشكر نعمة التوفيق، ومن أخفق يحمد الله على كل قضاء، ويوقن أن الخير فيما اختاره الله.
٣- الهدوء وعدم التسرع: لا تُتخذ القرارات في لحظة الفرح أو الصدمة، بل يُترك للنفس وقت حتى تهدأ، ثم تُبنى القرارات على الحكمة.
٤- محاسبة النفس: راجع أسباب النجاح وحافظ عليها، أو أسباب التقصير لتعالجها بعيدًا عن تبرير الأخطاء أو تعليقها على الآخرين.
٥- التخطيط للمرحلة القادمة: فالنتيجة نهاية مرحلة وليست نهاية الطريق، ولكل مرحلة أهدافها وخطتها المناسبة.
٦- الاستشارة قبل الاختيار: يستشير الوالدين وأهل الخبرة والمتخصصين قبل تحديد الكلية أو المسار الدراسي أو المهني.
٧- عدم المقارنة بالآخرين: فلكل إنسان قدراته وظروفه ورزقه، والمقارنة تورث الإحباط أو الكبر، وكلاهما مذموم.
٨- حفظ اللسان والمشاعر: يهنئ الناجح بتواضع، ويواسي من لم يوفق بكلمة طيبة، ويجتنب السخرية أو التفاخر أو كسر الخواطر.
٩- بر الوالدين وشكر أهل الفضل: فالوالدان والمعلمون شركاء في النجاح، ومن الوفاء الاعتراف بفضلهم والدعاء لهم.
١٠- اغتنام الوقت: فلا يضيع الطالب أيامه بعد النتيجة في الفراغ، بل يبدأ بتنمية علمه ومهاراته واستثمار إجازته فيما ينفع.
١١- المداومة على الدعاء والاستغفار: فالتوفيق بيد الله، ومن لزم باب الله فتح له من الخير ما لا يحتسب.
١٢- تعزيز الثقة بالله ثم بالنفس: فلا يجعل الطالب مجموعه معيارًا لقيمته، وإنما يستمد ثقته من إيمانه، ويؤمن أن النجاح الحقيقي ثمرة الاجتهاد والاستمرار.
١٣- التمسك بالأخلاق مع التفوق: فالعلم بلا خلق لا يرفع صاحبه، وأجمل ما يزين النجاح التواضع وحسن التعامل مع الناس.
وأخيرًا.. إن النتائج ليست أحكامًا نهائية على مستقبل الأبناء، وإنما هي محطة من محطات الحياة؛ فمن شكر عند النجاح زاده الله، ومن صبر عند التعثر وعمل بالأسباب فتح الله له من أبواب الفضل ما لم يكن يتوقع.
ونسأل الله تعالى أن يبارك في الناجحين، وأن يعوض من لم يوفق خيرًا، وأن يجعل أبناءنا وبناتنا من أهل العلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقهم التوفيق والسداد في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
۞۞۞
مراجع للاستزادة:
كل ما يُدفع من مال أو منفعة أو خدمة بقصد التأثير.
شاهد الرشوة فساد يهدم المجتمعات.
تدمر القيم وتهدد النزاهة وتخلق حالة من الإحباط والانكسار بين المواطنين.
نتيجة الامتحان ليست نهاية المطاف.
العام الدراسي يجب أن يكون بداية حقيقية لبناء الإنسان المسلم الواعي.