Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الانتحار في الإسلام بين التحريم الشرعي الشديد وطرق الوقاية من خطره

الكاتب

هيئة التحرير

الانتحار في الإسلام بين التحريم الشرعي الشديد وطرق الوقاية من خطره

رحلة في أعماق النفس البشرية نعالج أسباب الانتحار من منظور شرعي ونفسي متكامل، مرسخًا لعقيدة الرزق الشاملة التي تفيض بالطمأنينة، وإحياء الأمل في النفوس المنكسرة، راصدا جذور المحنة بين وهن اليقين واختلال الكيمياء، ومؤسسا لأدب الاحتواء الذي يليق بكرامة العائدين من حافة الهاوية.

الإنسان بنيان الله عز وجل وصنعة يده الكريمة

إن الوجود في أبهى تجلياته ليس إلا مرآة تعكس قدرة الخالق وعظمته، وفي قلب هذا الوجود يتربع "الإنسان" كأبهى صنعة أوجدها الله بيده، ونفخ فيها من روحه، وجعلها محل نظره وتجلياته، يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿ٱلَّذِیۤ أَحۡسَنَ كُلَّ شَیۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِینࣲ *ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةࣲ مِّن مَّاۤءࣲ مَّهِینࣲ * ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِیهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡءِدَةَۚ قَلِیلࣰا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ [السجدة: ٧-٩] . هذا الخلق الإلهي جعل من الإنسان كائنًا مكرمًا، لا يجوز هدمه ولا الانتقاص من قيمته

إن هذا الجسد الذي تحمله، وهذه الروح التي تسري في عروقك، ليست مِلكًا مشاعًا لك لتعبث بها كيفما شئت، بل هي "حرم آمن" وبنيان رباني مقدس، هدمه اعتداء مباشر على إرادة الوهاب، قال الجناب النبوي المكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «الآدَمِيُّ بُنيَانُ الربِّ، مَلعُونٌ من هَدمَ بُنْيانَ الربِّ» [معراج الدراية في شرح الهداية (٨/‏٤٤١) قال الزيلعي: غريب جدًّا. انظر: تخريج أحاديث الكشاف (١/ ٣٤٦)، تفسير الرازي: (٢٠/‏٣٣٣)، التيسير للمناوي: ( ٢/ ٤٣٥)].

 قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في بيان مقاصد الشريعة: "المقصد من الشريعة حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال" [الغزالي، المستصفى من علم الأصول ١ /١٧٤]، فقد جعل حفظ النفس في المرتبة الثانية بعد حفظ الدين مباشرة، وهو ما يدل على عظم شأنها.

وحين يتحدث الفقيه الأصولي الإمام أبو إسحاق الشاطبي عن الضروريات الخمس، يقرر قاعدة ذهبية: "إن الشارع الحكيم قد بنى أحكامه على جلب المصالح ودرء المفاسد، وأعظم المصالح حفظ النفوس، وأعظم المفاسد إتلافها بغير حق". [الشاطبي، الموافقات، ٢ /٢٣].

إن استحضار هذه "الهيبة الإنسانية" هو الخط الأول للدفاع عن بقاء البشرية، فالمؤمن الحقيقي يرى نفسه جنديًا في محراب الوجود، لا يملك حق الانسحاب بقرار انفعالي، لأن الجندي لا يغادر المعركة إلا بإذن قائده الأعلى، إن كل ألم يمر به الإنسان هو جزء من صيرورة التكوين، وليس مبرِّرًا لتهديم البنيان الذي كرمه الله، وسجدت له الملائكة تشريفًا وتقديرًا.

بيان الأسرار في نصوص التحذير من الانتحار

لقد جاءت نصوص القرآن والسنة كالحصن المنيع الذي يحيط بالضعف البشري في لحظات انكساره، فنزلت الآيات والكلمات النبوية تحذر من قتل النفس والانتحار، لا قسوةً على الضحية، بل رحمةً بالنفس البشرية، وزجرًا لمن سولت له نفسه أن يتجاوز حدود العبودية.

النص القرآني الأول: النهي المقترن بالرحمة:

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا﴾ [النساء: ٢٩] .

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيرها موضحًا النهي الإلهي عن الاعتداء على النفس الإنسانية لأي سبب من الأسباب: "ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال..... ويحتمل أن يقال: (ولا تقتلوا أنفسكم) في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناول النهي". [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ٥/١٥٧]، فالآية نص في تحريم قتل الإنسان نفسه، وهو إجماع من الأمة، ولا خلاف فيه بين أهل العلم.

وتأمل هذا الربط العجيب بين النهي عن القتل وبين "الرحمة"، فالله ينهانا عن إهلاك أنفسنا؛ لأنه رحيم بنا، أي أن إبقاءنا على قيد الحياة - حتى في البلاء - هو محض رحمة قد تخفى على مداركنا الضيقة، فليس في النهي قسوة، بل فيه من اللطف والإحسان ما يليق باسمه "الرحمن الرحيم".

النص القرآني الثاني: تحريم النفس المعصومة:

ويؤكد المولى عزوجل هذا المعنى في آية أخرى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فكل نفس معصومة بحرمة الله، لا يجوز المساس بها إلا بحق شرعي.

 قال الإمام الدكتور/ محمد سيد طنطاوي رحمه الله: "وذلك لأن الإسلام ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناه الله، فلا يحق لأحد أن يهدمه إلا بالحق، وبذلك يقرر عصمة الدم الإنساني، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة فكأنما قد اعتدى على الناس جميعًا". [التفسير الوسيط، ٥/٢١٨].

فلسفة الزجر النبوي: صور من جنس العقاب

ثم تأتي السنة النبوية لترسم مشهد الوعيد بصورة تهز الوجدان؛ لتكون رادعًا لمن غلبت عليه غشاوة الاكتئاب.

الحديث الأول:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جهنم خالدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خالدًا مخلدًا فيها أبدا» [رواه: البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩)، وأحمد (٢/ ٢٥٤ و٤٧٨ و٤٨٨)، وأبو داود (٣٨٧٢)، والترمذي (٢٠٤٤)، و(٢٠٤٥)، والنسائي (٤/ ٦٦ - ٦٧)]

الحديث الثاني:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ» [صحيح البخاري ١٣٦٥]

"يَتَوَجَّأُ" أي يطعن بقوة وعنف، والفعل يدل على التكرار والاستمرار، إن هذا التكرار للعقوبة هو "عقاب بالمشاكلة"، ليوضح أن من ظن أن الموت سيخلصه من الوجع قد أخطأ الطريق؛ فالموت ليس عدمًا، بل هو انتقال، ومن استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه.

"تَرَدَّى" أي ألقى بنفسه من علو، فالجزاء من جنس العمل: كمن ألقى نفسه في الدنيا هروبًا من مشاكله، يلقى نفسه في النار أبدًا، سقوطًا لا قرار معه.

وفي معنى الخلود في العذاب الوارد في الحديث يقول الإمام القرطبي رحمه الله:" (قوله: خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) ظاهرُهُ التخليدُ الذي لا انقطاعَ له بوجه، وهو محمولٌ على مَن كان مستَحِلًاّ لذلك، ومَن كان مُعتقِدًا لذلك كان كافرًا، وأمَّا مَن قتَلَ نفسَهُ، وهو غيرُ مستحلٍّ، فليس بكافر، بل يجوزُ أن يَعفُو اللهُ عنه، كما يأتي في الباب الآتي بعد هذا، في الذي قطَعَ بَرَاجِمَهُ فمات، وكما تقدَّم في حديثِ عبادة وغيره.

ويجوزُ أن يراد بقوله: خَالِدًا مخلَّدًا فِيهَا أَبَدًا تطويلُ الآمادِ، ثم يكونُ خروجُهُ مِنَ النار مِن آخر مَن يخرُجُ من أهل التوحيد؛ ويجري هذا مَجرَى المثل فتقول العرب: خَلَّدَ اللهُ مُلكَكَ، وأبَّد أيَّامك، ولا أُكَلِّمُك أَبَدَ الآبِدِين، ولا دَهرَ الداهرين، وهو ينوي أن يكلِّمَهُ بعد أزمان، ويجري هذا مجرى الإِعيَاءِ في الكلامِ على ما تقدَّم، والله تعالى أعلم. [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (٥٧٨ - ٦٥٦ هـ)، دار الكلم الطيب، دمشق – بيروت، ط١، ١٩٩٦م، ١/٣١٠-٣١١]

الحديث الثالث:

عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم:«كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». [صحيح البخاري:٣٤٦٣]

هذا الحديث من أشد الأحاديث في الباب، لكن العلماء أولوه بأن تحريم الجنة ليس تحريمًا أبديًا، بل هو تحريم مؤقت حتى يعذب بقدر ذنبه، ثم يدخل الجنة في النهاية لأنه موحِّد، جاء في معنى الحديث ودلالاته :"الجزع: نقيض الصبر؛ أي: لم يصبر على ألم الجرح، «فأخذ سكِّينًا فحزَّ بها»؛ أي: قطعَ بالسكين «يدَه»، و(السكين): يُذكر ويُؤنث، «فما رَقَأ» بالهمزة؛ أي: ما انقطعَ «الدمُ حتى مات، قال الله تعالى: بادَرَني عبدي بنفسه، فحرَّمتُ عليه الجنةَ»: يُحمل الحديثُ على المُستحِلِّ، أو على أنه حرَّمها أولَ مرةٍ حتى يُذيقَه وبالَ أمره، ثم يرحمه بفضله.". [شرح مصابيح السنة: لابن الملك (ت ٨٥٤ هـ)،٤/١٢٣]

قال الإمام النووي: "هذا كله محمول على التغليظ والزجر، لا على الخلود الحقيقي الذي للكفار، فإنا نعتقد أنه لا يخلد في النار أحد من الموحِّدين وإن عظم ذنبه" [شرح صحيح مسلم، ٢/٤٩].

إن الشريعة هنا تلبس ثوب "الطبيب الجراح" الذي يؤلمك ليحميك، وتضعك أمام بشاعة الفعل؛ لتدرك قدسية "الحياة" التي استأمنك الله عليها.

جلاء البصيرة بأن الرزق محسوم

إن جذور اليأس تنبت غالبًا في تربة "الخوف من غد"، والجزع من ضيق العيش، وهنا يجب أن ننصب منارة اليقين: "الرزق ليس مالًا فحسب".

تعريف الرزق في الاصطلاح الشرعي:

الرزق في اللغة: العطاء [ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة "رزق"، ٢/٨٩].

وفي الاصطلاح الشرعي: هو كل ما ينتفع به العبد [الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص١٩٨].

فقد يكون الرزق مالًا وعلمًا وصحةً وأمنًا وهداية وولدًا وجاهًا وسمعةً حسنة وسكينةً نفسية.

وقد يكون الرزق هو تلك الأنفاس التي تتردد، وهو السكينة التي تنزل على القلب في لحظة هلع، وهو الرضا الذي يجعل الكوخ قصرًا، وهو العافية التي لا يشعر بها إلا من فقدها، وهو الأمل الذي يملأ الروح.

النصوص القرآنية في الرزق:

يقول الله تعالى: ﴿وَفِی ٱلسَّمَاۤءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] 

قال الإمام الطبري رحمه الله: "عن الحسن قال: في السحاب فيه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه بخطاياكم وأعمالكم". [الطبري، جامع البيان، ٢٢/٤٢٠]. فمصدر الرزق من السماء، أي من عند الله، ليس في يد أحد من خلقه.

ويقول تعالى: ﴿ٱللَّهُ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ وَیَقۡدِرُۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا فِی ٱلۡءَاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعࣱ﴾ [الرعد: ٢٦]

قال الإمام الطبري رحمه الله: "قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله يوسّع على من يَشاء من خلقه في رزقه، فيبسط له منه؛ لأن منهم من لا يُصْلحه إلا ذلك، ﴿وَیَقۡدِرُۚ﴾، يقول: ويقتِّر على من يشاء منهم في رزقه وعيشه، فيضيّقه عليه، لأنه لا يصلحه إلا الإقتار، ﴿وَفَرِحُوا۟ بِٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا﴾، يقول تعالى ذكره: وفرح هؤلاء الذين بُسِط لهم في الدنيا من الرزق على كفرهم بالله ومعصيتهم إياه بما بسط لهم فيها، وجهلوا ما عند الله لأهل طاعته والإيمان به في الآخرة من الكرامة والنعيم.

ثم أخبر جلّ ثناؤه عن قدر ذلك في الدنيا فيما لأهل الإيمان به عنده في الآخرة، وأعلم عباده قِلّته، فقال: ﴿وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا فِی ٱلۡءَاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعࣱ﴾، يقول: وما جميع ما أعطى هؤلاء في الدنيا من السَّعة وبُسِط لهم فيها من الرزق ورغد العيش، فيما عند الله لأهل طاعته في الآخرة ﴿إِلَّا مَتَٰعࣱ﴾  قليل، وشيء حقير ذاهب". [الطبري، جامع البيان، ١٦/٤٣٠]

الله وحده هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويضيق على من يشاء، حسب حكمته البالغة، لا حسب فهمنا القاصر.


ويقول تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِینُ﴾ [الذاريات: ٥٨]

"الرَّزَّاقُ" بصيغة المبالغة، أي كثير الرزق، دائم الرزق. "ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" أي شديد القوة، لا يعجزه شيء، قال الإمام مكي بن أبي طالب رحمه الله: "أي: إن الله هو الرزاق لخلقه، المتكفل بأقواتهم، ذو القوة المتين: أي: ذو القوة الشديدة". [الهداية الى بلوغ النهاية، ١١/٧١١١].


ويقول تعالى - وهي من أعظم آيات الرجاء -:﴿وَمَا مِن دَاۤبَّةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَیَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلࣱّ فِی كِتَٰبࣲ مُّبِینࣲ﴾ [هود: ٦]

"الدَّابَّة: كل مَا يدب على الأَرْض من الْحَيَوَانَات، وَقَوله: ﴿إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا﴾ أَي: إِن الله يسبب ويسهل رزقها، قَالَ أهل الْمعَانِي: هَذَا على الْمَشِيئَة، لِأَنَّهُ قد يرْزق وَقد لَا يرْزق". [تفسير السمعاني:٢/٤١٤]

فسبحانه قد تكفل الله بأرزاق جميع الدواب، فكيف بالإنسان؟ وقد ضمن رزقك أيها الإنسان، فلا تشغل قلبك بالرزق، ولكن اطلب ما أمرت به.

الأحاديث النبوية في ضمان الرزق:

قال رسول الله ﷺ: «وَإِنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ - نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (ت ١٠١٤هـ)، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢هـ - ٢٠٠٢م،(٥٣٠٠)]


وعن سيدنا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، أَلا تَرَوْنَ أَنَّهَا تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا؟» [مسند الإمام أحمد: ٣٧٣]

"تَغْدُو خِمَاصًا" أي تخرج من عشها صباحًا جائعة، "وَتَرُوحُ بِطَانًا": أي تعود مساءً ممتلئة، الطير لم تحمل معها طعامًا، لكنها واثقة أن الله سيرزقها.

"قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (حق توكله) بأن لم يخطر ببالك مداخلة لغيره تعالى في الرزق أصلا وعملتم بمقتضاه (لرزقكم) كل يوم رزقا جديدا من غير أن تحتاجوا إلى حفظ المال ولا يلزم منه ترك السعي في تحصيل ذلك بالخروج والحركة فإن السعي معتاد في الطير وقد ذكر في الحديث بـ قوله: (تغدو) أي: تخرج من أول النهار (خماصا) بكسر جياعا (وتروح) أي: آخره (بطانا) بكسر الباء، أي: ممتلئة الأجواف قال السيوطي: الخماص جمع خميص والبطان جمع بطين قلنا هما كالكرام جمع كريم، والله أعلم وفيه أن الحاجة في الإنسان إلى حفظ المال، إنما جاءت من جهة ترك حق التوكل على الجليل المتعال". [حاشية السندي على سنن ابن ماجه:٤١٦٤]


قاعدة الإمام الشافعي الذهبية:

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ما طلب أحد شيئًا بمعصية الله إلا كان أبعد لما يرجو". [البيهقي، مناقب الشافعي، ٢/١٢٥].

فمن يظن أن قتل نفسه سيخلصه من ديونه أو مشاكله، فهو واهم، لأن المعصية لا تجلب الرزق، بل تبعده. والله لا يبارك في حرام.

إن الرزق مكتوب في لوح القدر، لا يزيد بحرص ولا ينقص بعجز، إن مفهومنا للرزق يجب أن يتسع ليرى العافية رزقًا، والصبر رزقًا، والأمل رزقًا، حين يدرك الإنسان أن حصته من الحياة قد كُتبت قبل أن يخرج إلى النور بآلاف السنين، يتلاشى من قلبه القلق الوجودي، والأرزاق مقدرة، الحلال والحرام، لا يزيدها حرص حريص ولا ينقصها إسراف مسرف.

فبأي حق يستعجل الإنسان نهايته خوفًا من رزق هو آتٍ إليه لا محالة؟ إن الرزق المعنوي من طمأنينة ويقين هو الرزق الحقيقي الذي يمنع صاحبه من التفكير في الانتحار.


جذور الانتحار بين اضطراب النفسية وضعف الإيمان

لا يمكننا أن نغلق أعيننا عن الحقيقة؛ فالانتحار ليس دائمًا "ضعف إيمان" بالمعنى السطحي، بل هو أحيانًا "انكسار إنساني" ومرض عضال يهاجم مراكز الصمود في النفس.

إننا نحلل الانتحار كظاهرة عبر ثلاث دوائر متداخلة:

الدائرة الأولى: الأسباب الإيمانية:

وهي أخطر الأسباب وأعمقها أثرًا، لأنها تصيب الجذر قبل الفرع. وتتمثل في:

أولًا: اليأس من رحمة الله (القنوط).

قال الله تعالى: ﴿وَمَن یَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦۤ إِلَّا ٱلضَّاۤلُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَا۟یۡءَسُوا۟ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا یَا۟یۡءَسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] 

اليأس هو قاتل الأمل والإيمان، من يئس من رحمة الله، سهل عليه أن ييأس من كل شيء، ومن يئس من كل شيء، سهل عليه أن ينهي حياته.

ثانيًا: سوء الظن بالله.

وفي الحديث القدسي الذي يرويه لنا سيدنا أبِو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن سيدنا رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: (قَالَ اللهُ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي). [صحيح البخاري:٧٥٠٥]

من ظن بالله خيرًا وجده، ومن ظن به شرًا وجده، من ظن أن الله لن يفرج كربته فلن يفرجها، ومن ظن أن الله سيفرجها فسيفرجها.

ثالثًا: قصر النظر عن  معاني القدر.

عن سيدنا صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ... إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». [صحيح مسلم، ٢٩٩٩]

المؤمن لا يخسر أبدًا، في السراء: شكر، فله أجر؛ وفي الضراء: صبر، فله أجر. إذن، لماذا اليأس؟

الدائرة الثانية: الأسباب النفسية (اضطراب الكيمياء)

وهنا نقف احترامًا للعلم، فالاضطرابات الكيميائية في الدماغ، والاكتئاب السريري المظلم، هي وحوش كاسرة تلتهم إرادة الحياة، المريض هنا لا يحتاج للوعظ بقدر ما يحتاج للعلاج الطبي الذي يوازن كيمياء روحه.

أبرز هذه الاضطرابات:

أولًا: الاكتئاب السريري (Major Depressive Disorder).

وهو الذي يفقد المصاب به القدرة على الشعور بالمتعة والأمل؛ ليس كآبة عابرة، بل مرض عضوي يحتاج إلى علاج، يؤكد الدليل التشخيصي والإحصائي DSM-٥ أن من أعراض الاكتئاب السريري: "التفكير المتكرر في الموت، أفكار الانتحار المتكررة بدون خطة محددة، أو محاولة الانتحار، أو وضع خطة محددة للانتحار". [DSM-٥، الجمعية الأمريكية للطب النفسي، ٢٠١٣، ص١٦٠].

ثانيًا: اضطراب القلق العام (GAD).

حيث يعيش المصاب في حالة قلق مستمر ووساوس تمنعه من الاستمتاع بالحياة. والقلق المزمن قد يؤدي إلى الإرهاق النفسي واليأس [American Psychiatric Association, ٢٠١٣, p. ١٥٦].

ثالثًا: اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

خاصة لدى من تعرضوا لكوارث أو حروب أو عنف أو فقدان مفاجئ لأحد الأحبة، الذاكرة تصبح سجنًا لا يغادر. ويعاني المصاب من كوابيس وذكريات اقتحامية تمنعه من العيش بسلام. [تقرير الأمم المتحدة عن الصحة النفسية والانتحار ،٢٠١٧، ص٤٥].

رابعًا: اضطراب الشخصية الحدية (Borderline Personality Disorder).

حيث يعاني المصاب من عدم استقرار انفعالي حاد، وعلاقات مضطربة، وخوف شديد من الهجران، ونوبات غضب شديدة، وشعور مزمن بالفراغ [DSM-٥، الجمعية الأمريكية للطب النفسي، ٢٠١٣، ص٢٦٧].

موقف الشرع من المرض النفسي:

أشار لهذا البعد الانساني قول الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» [صحيح البخاري، ٧٢٣٤]

فهذا ايضاح منه صلى الله عليه وآله وسلم أن الضر قد ينزل بالإنسان فيؤثر على نفسه، كما أن الدين يقر مبدأ "رفع القلم" عن المكره والمضطر والمريض نفسيًا، الذي لا يملك إرادته، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». [سنن أبي داود، ٤٤٠٣].

 

الدائرة الثالثة: الأسباب الاجتماعية (مرارة العزلة)

وهي العوامل المساعدة التي تتفاعل مع الدائرتين الأولى والثانية:

  •       ديون متراكمة، والعجز عن سدادها.
  •       تفكك أسري، وطلاق، أو فقدان.
  •       عزلة اجتماعية، وفقدان شبكة الدعم.
  •       فقر مدقع، وفقدان الحد الأدنى من العيش الكريم.
  •       فشل دراسي أو مهني متكرر، مع فقدان الأمل في التحسن.

وهنا يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: "الصبر على البلاء يورث الفرج". [البيهقي، مناقب الشافعي، ١/٨٩].

ويقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: "ما نزل بلاء إلا وبعده فرج، وما نزلت شدة إلا وبعدها رخاء، ولكن لا يعلمه إلا الصابرون". [ينظر: ابن أبي الدنيا، كتاب الصبر].

لذلك فإن المجتمع الذي يترك أفراده يغرقون في ديونهم وهمومهم هو شريك في الجريمة بصمته، إن التحذير من الانتحار يبدأ من "إصلاح المجتمع"، وتثبيت دعائم التكافل وجبر الخواطر، وتصحيح العقيدة في مسألة القدر لتكون درعًا واقيًا أمام نوائب الدهر.

الانتحار بلغة الأرقام وأمانة المجتمع في الحفظ والرعاية

عندما تخبرنا الإحصاءات الرسمية أن هناك أكثر من ٧٠٠ ألف إنسان يغادرون دنيانا سنويًا بأيديهم، فنحن لا نتحدث عن أرقام جافة، بل عن مئات الآلاف من المآسي الإنسانية. 

فبحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية (WHO) في تقرير الصحة النفسية العالمي لعام ٢٠٢٣م، أعلنت منظمة الصحة العالمية حقائق مرعبة:

  •   شخص ينتحر كل أربعين ثانية في العالم. هذا يعني حوالي ٢,١٦٠ شخصًا يوميًا. [منظمة الصحة العالمية، تقرير الصحة النفسية ٢٠٢٣، ص٤٥].
  •   نحو مليون شخص يموتون سنويًا بسبب الانتحار، وتقابلها عدة ملايين من المحاولات الفاشلة. [نفس المصدر، ص٤٧].
  •   الانتحار هو السبب الثاني للوفاة بين الشباب في الفئة العمرية ١٥-٢٩ عامًا، بعد حوادث الطرق فقط. [نفس المصدر، ص٤٨].
  •   ٧٧ % من حالات الانتحار تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. [نفس المصدر، ص٤٩].

إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (مصر)

في تقرير الصحة النفسية في مصر لعام ٢٠٢٢م، تشير الإحصاءات إلى:

ارتفاع مطرد في حالات الانتحار بين الشباب في السنوات الأخيرة، بمعدل زيادة سنوي يصل إلى ٧%. [الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تقرير الصحة النفسية ٢٠٢٢، ص٢٣].

الفئة العمرية ٢٠-٣٠ عامًا هي الأكثر عرضة للانتحار، تليها الفئة ٣٠-٤٠ عامًا. [نفس المصدر، ص٢٤].

الذكور يمثلون حوالي ٧٥% من حالات الانتحار الكاملة، بينما الإناث تمثلن نسبة أعلى في محاولات الانتحار الفاشلة. [نفس المصدر، ص٢٥].

العلاقة بين الإلحاد والانتحار

الأرقام العالمية تؤكد أن أعلى نسب الانتحار توجد في الدول الأكثر إلحادًا، فالدول الإسكندنافية - السويد والنرويج والدنمارك - هي أغنى دول العالم، ولديها أفضل نظم الرعاية الطبية والاجتماعية، ومع ذلك فهي تمثل أعلى نسب الانتحار.

فدولة السويد مثلًا هي أغنى دولة من حيث دخل الفرد، ولكنها الأعلى في نسب الانتحار. [المرصد العالمي للانتحار، تقرير ٢٠٢١، ص١٢].

بينما نجد الدول الإسلامية - مع ما فيها من مشكلات وفقر- تسجل أقل نسبة من نسب الانتحار في العالم، فمثلًا، تبلغ نسبة الانتحار في الكويت ٢.٣ لكل ١٠٠,٠٠٠ نسمة، وفي السعودية ٣.٤، وفي مصر ٤.٢، بينما تبلغ في السويد ١٥.٦، وفي أمريكا ١٤.٥. [منظمة الصحة العالمية، تقرير ٢٠٢٣، ص٨٩]. 

أمانة المجتمع

إن تفشي هذه الظاهرة في صفوف الشباب خاصة، هو جرس إنذار يطالبنا بإعادة النظر في خطابنا التربوي والديني، يجب أن ننتقل من "خطاب الترهيب الصرف" إلى "خطاب الاحتواء"، ومن "العزلة الفردية" إلى "الالتحام المجتمعي".

إن منظمة الصحة العالمية في تقاريرها لعام ٢٠٢٣م تشدد على أن "الوقاية ممكنة"، وأن كلمة طيبة أو أذنًا مصغية قد تكون هي الخيط الرفيع الذي يربط اليائس بالحياة مرة أخرى. [منظمة الصحة العالمية، تقرير الصحة النفسية ٢٠٢٣، ص٦٧].

إن الأمانة تقتضي منا أن نكون "حرَّاسًا للأمل" في مجتمعاتنا، نوفر شبكات الدعم النفسي والاجتماعي، ونزيل وصمة العار عن المرض النفسي، لنفتح للمبتلين أبواب الشفاء قبل فوات الأوان.

كيف نحتضن الناجين من جحيم الانتحار

إن العائد من محاولة الانتحار ليس مجرمًا نطارده باللوم، بل هو "منكسرٌ" يحتاج إلى أن نلملم شتات روحه بـ "أدب النبوة"، إن هؤلاء الذين وقفوا على حافة الهاوية ثم استردَّتهم رحمة الله، هم في حقيقتهم "ضيوف الرحمة" الذين كُتب لهم ميلاد جديد، والواجب علينا تجاههم يقوم على فلسفة "الستر والاحتواء، لا القهر والإزراء".

القاعدة الأولى: فقه الرحمة وعدم اليأس

فمن غير المقبول أو المعقول أن يفر المرء من ضيق الدنيا، فنستقبله نحن بضيق اللوم! قال الله تعالى: ﴿قُلۡ یَٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [الزمر: ٥٣] 

"جَمِيعًا" كل الذنوب. دون استثناء. ذنوب المنتحر أيضًا، إذا تاب. "هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه". [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٧/٩٥].

القاعدة الثانية: التائب من الذنب كمن لا ذنب له

قالها الجناب النبوي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم لتكون تشجيعًا للمذنبين على ترك الذنوب، رسالة طمأنة لمن خاف من ذنوب عملها قبل أن يتوب، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» [سنن ابن ماجه، ٤٢٥٠]

قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "فيه بشرى عظيمة للتائبين، أن ذنوبهم تُغفر وتُمحى، كأنها لم تكن". [جامع العلوم والحكم، ٢/٣٣٤].

 

القاعدة الثالثة: تذكر أعظم نموذج في باب التوبة والرجاء

هذا الحديث من أعظم الأحاديث في باب فتح باب التوبة مهما عظم الذنب، وهو نموذج مباشر لمن أراد التوبة من قتل النفس:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ الْمِائَةَ. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ اخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ فِيهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ. فَخَرَجَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَ الطَّرِيقِ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَقْرَبَ فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ» [صحيح البخاري، ٣٤٧٠، صحيح مسلم، ٢٧٦٦]

قال الإمام النووي رحمه الله: "فيه عظم فضل التوبة، وأنها تهدم ما قبلها وإن عظُم الذنب، وفيه أن الصدق في التوبة والانتقال من بيئة السوء إلى بيئة الصلاح من أعظم أسباب القبول". [النووي، شرح صحيح مسلم، ١٧/١١٧].

وهنا نتذكر قول الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: "العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية". [الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٨/٧٦].

وهذا تأصيل مهم في التعامل مع المذنبين والعائدين، فلا ينبغي أن ننظر إلى الماضي السيئ بقدر ما ننظر إلى المستقبل وما يمكن أن يصل إليه الإنسان من صلاح.

الخطوات العملية للتعامل مع المتعافي من الانتحار

بناءً على ما سبق من نصوص شرعية وأقوال علماء وأبحاث نفسية، نضع هذا البروتوكول العملي:

الخطوة الأولى: الاحتواء والإحاطة النفسية، وعدم تركه في العزلة.

العزلة قاتل صامت؛ المتعافي يحتاج إلى من يسمعه، لا إلى من يحكم عليه، كن معه واجلس بجانبه ولا تقاطعه ولا تقل له "أنت مجنون" أو "أنت ضعيف"؛ فقط قل: "أنا معك".

الخطوة الثانية: تشجيعه على الصلاة والذكر والصحبة الصالحة.

الصلاة نور، والذكر حياة، والصحبة الصالحة سند بعد الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ ﴾ [البلد: ١٧] . وقال جل شأنه: ﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] . 

الخطوة الثالثة: البعد عن التوبيخ واللوم العنيف.

لا تقل له "أنت كافر" أو "أنت خاسر" أو "أنت جبان"؛ هذا الكلام يُرديه، بل احتضنه، فمن عاتب أخاه على ذنب قد تاب منه فقد أعانه الشيطان على تقنيطه.

الخطوة الرابعة: الرعاية النفسية مع استمرار العناية الشرعية والإيمانية.

لا عيب في المرض، والطب النفسي جزء من العلاج، الدين لا يعالج الاكتئاب السريري وحده، يحتاج إلى (طبيب نفسي أو معالج)؛ ولذلك أمرنا الجناب النبوي المكرم صلى الله عليه وآله وسلم: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَهُنَا، وَهَهُنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ.». [سنن أبي داود:٣٨٥٥].

الخطوة الخامسة: فتح باب الرجاء وتذكيره برحمة الله وعفوه

اقرأ معه حديث من تاب الله عليه بعدما قتل مئة نفس، هذا الحديث هو أقوى دواء نفسي لمن يئس من رحمة الله، اقرأه معه كل يوم، حتى يدخل إلى قلبه.

الخطوة السادسة: متابعته بشكل دوري، وعدم تركه نهائيًا بعد تحسن حالته الأولية.

الأبحاث النفسية تؤكد أن الانتكاس وارد في أول ٦ أشهر. [DSM-٥, ٢٠١٣, p. ٢٣٤]؛ فلا تتركه بمجرد أن يتحسن قليلًا، تابع معه، اسأل عنه، وكن موجودًا.

الخلاصة

في ختام هذا البيان، نؤكد أن الحياة "منحة" وليست "محنة"، وأن الابتلاء هو "صهر" للنفس لتخرج ذهبًا خالصًا، كما نؤكد على المعاني التالية:

أولًا: الإنسان بنيان الله، النفس البشرية لها حرمة مطلقة، والانتحار حرام بإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا﴾ [النساء: ٢٩].

ثانيًا: وعيد المنتحر في النصوص شديد، لكن هذا الوعيد في مذهب أهل السنة (الأشاعرة والماتريدية) محمول على التغليظ والزجر، لا على الخلود الحقيقي الذي للكفار، والجزاء من جنس العمل.

ثالثًا: المنتحر عند أهل السنة لا يُكفَّر، هو مسلم عاصٍ تحت مشيئة الله، والدليل: استغفار حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمن قتل نفسه، وعموم أحاديث الشفاعة، وإجماع الصحابة على الصلاة على المنتحر.

موضوعات ذات صلة

الانتحار هو استقالة من أمانة الوجود وقرارٌ بالانسحاب من منظومة الحياة، ويُعد من كبائر الذنوب في الشريعة الإسلامية.

التشاؤم هو توقّع الشر والتطيّر بالشيء، وقد نهى عنه الإسلام.

تُعد ظاهرة التشكيك المفرط، والحيرة المستمرة، ونشر روح التشاؤم من أخطر الظواهر السلبية.

تطوّرت ظاهرة تعاطي المخدرات في السنوات الأخيرة بصورة خطيرة.

الإدمان هو تعاطي المواد الضارة طبيًّا واجتماعيًّا وعضويًّا.

موضوعات مختارة