هذا حديث في غاية الأهمية؛ لأنه يصف لنا حالة عجيبة من المتحمسين للإسلام،
حصلت لها أطوار وتحولات في غاية العجب، تبدأ بالشغف بالقرآن والولع به، حتى تلوح
أنواره عليه، وتنتهي به وقد وقع في التكفير، وحمل السلاح وأراق الدماء.
وقد وصف - صلى الله عليه وسلم - حال ذلك الرجل بثلاثة أوصاف:
أولها: أنه آتاه الله القرآن، فهو
ليس بغريب عن القرآن، بل هو منسوب إليه، وقد اعتنى بالقرآن وخدمه، وحفظه، واشتهر
به، فصار ظن الناس فيه حسنًا، لشيوع خدمته للقرآن وعنايته به.
ثانيها: أنه رؤيت عليه بهجة
القرآن، لأن القرآن نور، وله بهجة تخالط صاحبه، ولشدة ولع ذلك الرجل بالقرآن وكثرة
تلاوته له، صار الناس يرون عليه أثرًا من نورانية القرآن، فإن كل من خدم القرآن
وأدمن تلاوته سرى نور القرآن إليه، ولمعت في وجهه مسحة من أنواره، فيزداد ظن الناس
فيه، لما يرون عليه من بهجة القرآن.
ثالثها: أنه رجل شديد الحماسة لهذا
الدين، حتى صار ردئًا للإسلام، وحاميًا له، ومنافحًا عن حماه.
ثم من بعد كل هذا النشاط، الذي يترك لذلك الرجل صيتًا حسنًا في مجتمعه،
ويشيع بينهم ظن حسن فيه، ومهما اختلف الناس في شأنه فإنهم لا يزالون يحفظون له
حماسه للإسلام، وخدمته للقرآن، ومن هنا يبدأ الإشكال، وتحدث البلبلة، ويضطرب الناس بسبب
ذلك الرجل اضطرابًا هائلًا.
فقد طرأ على الرجل تغير عجيب بعد ذلك، عبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «غَيَّرَهُ
إِلَى مَا شَاءَ اللهُ»، والتغيير ليس في ألفاظ القرآن وعباراته وحروفه، بل
إن التغيير في فهمه وتأويله، لأن الرجل أقدم على ذلك، وتقحم وتهجم على حمى القرآن
بالتأويلات الباطلة، اغترارًا منه بكل ما سبق من جهود وتلاوة، فركن إلى حسن
العناية وكمال التعلق بالقرآن، فظن أن هذا يكفيه في فهمه، فأقدم على ما لا يحسنه
من الاستنباط والتأويل، فخرج بمجموعة من المفاهيم والأوهام والظلمات، والاستنتاجات
والاستنباطات المنحرفة، وهو في كل ذلك فاقد لأدوات الفهم، ومناهج الاستنباط،
ودوائر العلوم الخادمة لفهم القرآن، عاجز عن إدراك مقاصده، حتى جنح إلى التكفير،
ورمى جاره المسلم بالشرك، ثم لم يكتف بذلك، حتى ادعى لنفسه الجهاد، وخرج على الناس
بالسيف، وحمل السلاح وأراق الدماء، وكلما ناشده أحد أن يكف ازداد عنادًا، لأنه
توحد مع القرآن، وجعل التشكيك في فهمه تشكيكًا في القرآن ذاته.
لكن ما هي مراحل تغييره لفهم القرآن، وكيف تدرج فيها رويدًا رويدًا، حتى
انغمس في استنباط معان من القرآن، تهدم مقاصد القرآن أصلًا، وهو لا يشعر بذلك؟
لقد تورط الرجل في أن تحول هو إلى صانع للمعرفة، قائم بالاستنباط، ينحت
المفاهيم والنظريات من آيات القرآن، ولا قائد له سوى الحماسة والانفعال، فتولدت
على يده مفاهيم ونظريات وقواعد، حافلة بتركيب الآيات بعضها ببعض على نحو مغلوط،
فيخرج بنتائج في غاية البعد والغرابة، لكنه يستسيغها، لغياب خريطة العلوم والأدوات
والمقاصد التي يستعين بها العلماء بحق، فليس عنده معيار يقيس إليه فهمه، ويعرض
عليه استنباطاته، بل إنه يدخل إلى القرآن بنظريات وأفهام، ثم يجهد على أن ينتزعها
من القرآن عنوة، فيقوّل القرآن ما لم يقله، وينسب إليه نقيض قصده، ويلصق أفهامه
الحائرة المترددة المضطربة بالوحي، مرتكبًا في سبيل ذلك تحريف الغالين، وانتحال
المبطلين، وتأويل الجاهلين.
كل ذلك والناس مضطربون فيه، وفي حيرة من أمره، ولا يتجاسرون على الجزم
بانحرافه وخطئه، لما يعهدونه ويعرفونه من تاريخه الممتد في خدمة القرآن، وظهور
بهجة القرآن عليه، وتاريخه في المنافحة عن الإسلام.
ولك أن تتخيل ما يشير إليه الحديث الشريف في فحوى الكلام وثناياه، من مقدار
ما يقع بسبب ذلك الرجل من ضرر واختلال واضطراب للناس في شأنه، ما بين شخص أدرك
خطورة تكفيره، فصار صدره موغرًا من هذا التكفيري، ويرى أن سبب الخراب والدمار ليس
هو انحراف الرجل، بل هو منهجه ذاته، فيجر الرجل إلى القرآن إساءة الظن به، حيث نقل
الناس خطورة منهجه، وبشاعة عدوانه إلى القرآن ذاته، لشدة التصاقه بالقرآن.
وما بين شرائح من المجتمع لا تكاد تصدق أن يأتي انحراف الفهم في القرآن من
هذا الرجل، مع شدة ما يعهدونه في تاريخه الممتد من خدمة القرآن، فيضطربون في تحديد
موضع الخلل، ويبقون في حيرة وشتات.
وما بين شريحة تقف عند شدة إصراره هو على أنه الحق، وأنه أولى الناس
بالقرآن، فليس للخطأ سبيل عليه، فيلحدون بسببه، ويلصقون الخلل بدين الله ذاته.