كيف يسهم علم الكلام السني في حراسة العقيدة ونقد الغلو؟
من خلال المزج بين فقه الدراية وصحيح المنقول؛ حيث صاغ الأشاعرة والماتريدية منهجًا يجعل العقل المسدد بالوحي خادمًا للنص وكاشفًا لشبهات المتشددين ومحاججًا لخصوم الملة بالعدل.
كيف يسهم علم الكلام السني في حراسة العقيدة ونقد الغلو؟
من خلال المزج بين فقه الدراية وصحيح المنقول؛ حيث صاغ الأشاعرة والماتريدية منهجًا يجعل العقل المسدد بالوحي خادمًا للنص وكاشفًا لشبهات المتشددين ومحاججًا لخصوم الملة بالعدل.
إنَّ من أعظم الآفات التي رانت على الفكر المعاصر هي الخلطُ المنهجي بين (عالم الرواية) و (عالم الدراية)؛ فليس كل من حفظ الأثر صار فقيهًا في معانيه، ولا كل من ضبط الإسناد أضحى مرجعًا في استنباط الاعتقاد، إنَّ علوم العقيدة لها أربابها من أئمة (أصول الدين) الذين صانوا بيضة الإسلام بأدلة ناهضة عبر القرون، إنَّ التعدي على تخصص (أهل النظر) من قِبل من لم يمارس فنون الدراية أدى إلى شيوع أخطاء جسيمة في فهم مذهب السلف، فالإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- لم ينهَ قط عن دليل عقلي صحيح، بل ذمَّ (الكلام البدعي) الذي يُصادم الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١].
لم يكن (علم الكلام) عند أهل السنة والجماعة ترفًا فكريًّا، بل كان ضرورة شرعية لحماية العقيدة من الشبهات الوافدة، إنَّ الهجمة التي يشنها المتشددون على الأشاعرة والماتريدية تفتقر إلى الأساس العلمي، فهؤلاء الأئمة لم يقدموا العقل على النقل تحكمًا، بل جعلوا العقل خادمًا للنص وكاشفًا لآفاقه، إنَّ القرآن الكريم من فاتحته إلى خاتمته هو كتاب (محاجة) و(نظر)، فكيف يُرمى بالبدعة من سلك مسلك القرآن في إقامة الحجج؟
الدليل: قوله تعالى: ﴿وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ﴾ [الأنعام: ٨٣].
وفي الحديث الشريف: قال – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣)]، والمراد هنا علماء الفقه والدراية الذين يحفظون أصول الملة.
يروج البعض لفكرة مغلوطة مفادها أن علم الكلام هو استنساخ للفلسفة اليونانية، والحق أنَّ علم الكلام نشأ نشأة إسلامية خالصة في بيئة الصحابة والتابعين قبل حركة الترجمة بقرون، لقد تبلورت المسائل الكلامية نتيجة قضايا داخلية (كالإمامة، والقدر، والإيمان) وصراعات مع الملل والنحل الأخرى، إنَّ براعة المتكلمين المسلمين ظهرت في قدراتهم على تطويع الأدوات المنطقية لإفحام الخصوم بلسانهم، مع البقاء في جوهر (التنزيه) الذي جاء به الوحي [انظر: (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) للدكتور علي سامي النشار]، قوله تعالى: ﴿وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: ١٢٥].
إنَّ المتكلمين من أهل السنة أرسوا قواعد (أدب الاختلاف)؛ فلم يمارسوا البطش الفكري بل اعتمدوا العدل والإنصاف حتى مع خصومهم، لقد كان المنهج الكلامي يهدف إلى (تحرير اليقين) وليس (التشغيب بالظنون)، إن هذا التسامح الفكري هو الذي سمح بنشوء علم (مقارنة الملل والنحل)، وهو سبق حضاري للإسلام أثبت أنَّ عقيدتنا لا تخشى النقد العقلاني؛ بل تزداد به رسوخًا ونورًا، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: ٨].
إنَّ الانحباس في ظواهر الرواية دون فقه الدراية يورث الغلو، وإنَّ إهدار الميزان العقلي يُعطل فهم الوحي؛ فالواجب هو العودة لمدرسة أهل السنة التي زاوجت بين صريح المعقول وصحيح المنقول، إحقاقًا للحق واستقامةً للدين، وصيانةً لعقول الأمة من لوثات التشدد والاعتزال.
إنَّ كمالَ التنزيهِ هو الحصنُ الحصينُ الذي يَقِي الوعيَ من عواصفِ الغلوِّ.
إنَّ قراءة فكر الخوارج ليست مجرد استدعاء للتاريخ، بل هي كشفٌ لمكامن الداء الذي يهدد جسد الأمة.
إنَّ مذهب الخوارج ليس مجرد طائفة عابرة، بل هو مأزق فكري ونفسي يختزل الشريعة في حد السيف.