أثار بعض المنتقدين شبهة حول قتال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه - رضي الله عنهم - للمشركين في الشهر الحرام، معتبرين ذلك انتهاكًا لحرمة الأشهر الحرم التي نصَّ عليها القرآن، هذا المقال يعرض الشبهة، ويرُد عليها بالأدلة من القرآن والسنة.
أثار بعض المنتقدين شبهة حول قتال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه - رضي الله عنهم - للمشركين في الشهر الحرام، معتبرين ذلك انتهاكًا لحرمة الأشهر الحرم التي نصَّ عليها القرآن، هذا المقال يعرض الشبهة، ويرُد عليها بالأدلة من القرآن والسنة.
يقول صاحب الشبهة: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاتل في الشهر الحرام، كقتاله في ذي القعدة في غزوة الطائف، وهذا مخالف لقانون الحرب واحترام الدماء، ولا يليق بمن بُعث رحمة للعالمين.
الرد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن القتال كان دفاعًا لا ابتداءً.
الثاني: أن القتال بدأ في شهر حلال، واستمر فدخل الحرام.
الثالث: أن الآيات التي نزلت في قتال ابن جحش بنخلة بيّنت أن فتنة المشركين وإخراجهم المسلمين من ديارهم أكبرُ عند الله من القتال في الشهر الحرام.
يمكننا الرد على تلك الشبهة من خلال ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: القتال دفاع لا ابتداء
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبدأ قتالًا في الشهر الحرام، بل كان قتاله من باب الدفع والرد على العدوان، قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا إسحاق ابن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما قال: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْزُو فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، إِلَّا أَنْ يُغْزَى، أَوْ يُغْزَوْا، فَإِذَا حَضَرَهُ، أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخَ" [مسند أحمد (١٤٧١٣)]، ولما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالحديبية أن عثمان بن عفان قد قُتل، بايع أصحابه تحت الشجرة على قتال المشركين، فلما تبين أنه لم يُقتل، كفَّ عن القتال، وجنح للمسالمة،، ومن لم يبدأ القتال في الشهر الحرام إلا إذا بدأه المشركون، فليس من الإنصاف أن يُتهم بانتهاك الحرمة.
الوجه الثاني: استمرار القتال لا ابتداؤه
غزوة الطائف وقعت بعد معركة حُنين؛ حيث تحصن فلول هوازن بالطائف، فقصدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وحاصرهم بالمنجنيق، وكان ابتداء الحصار في شهرٍ حلال، ثم دخل الشهر الحرام فاستمر فيه أيامًا، وقال الإمام ابن كثير: "يُغتفر في الدوام ما لا يُغتفر في الابتداء، وهذا أمر مقرر وله نظائر كثيرة" [تفسير ابن كثير]، والله - تعالى - يقول: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة: ١٩٤]، فالمشركون هم الذين بدأوا القتال في أشهر الحِل، فاستمرار الدفع في الشهر الحرام جائز ردًا على عدوانهم.
الوجه الثالث: حادثة نخلة والآية المفسرة
بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن جحش في سرية إلى نخلة بين مكة والطائف، وذلك في آخر يوم من جمادى (شهر حلال)، فلما قابلوا عيرًا لقريش، تشاوروا وقتلوهم وأسروا منهم، وكان ذلك في أول ليلة من رجب (الشهر الحرام)، فلما رجعوا، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ» [أخرجه الإمام البيهقي]، فسقط في أيديهم، وقالت قريش: استحلَّ محمدٌ وأصحابه الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة: ٢١٧]، قال الإمام الطبري:" لا خلاف بين أهل التأويل أن هذه الآية نزلت في سبب قتل ابن الحضرمي [جامع البيان]، فالمشركون كانوا يصُدون عن سبيل الله، ويكفرون به، ويُخرجون المسلمين من المسجد الحرام، ويَفتنونهم عن دينهم، وهذه الأمور أعظم إثمًا عند الله من القتال الذي وقع في الشهر الحرام، فمن يقيم الموازين بالعدل يجد أن فتنة المشركين كانت أكبر، فكان القتال فيه دفعًا لهذه الفتنة العُظمى.
الشبهة قائمة على إغفال سياق القتال وأسبابه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أحفظ الناس لحرمة الأشهر الحرُم، ولم يبدأ قتالاً فيها قطُّ، وإنما وقع القتال إما دفاعًا، أو استمرارًا لقتال بدأ في الحلال، أو في سرية اجتهد فيها الصحابة، فنزل العذر بالقرآن، وقانون الإسلام في الحرب هو الدفع والردع مع الحفاظ على الضوابط، وليس قانون (إدارة الخدِّ الآخر)، والإسلام جاء بحماية المستضعَفين وبيوت العبادة، فأبيح القتال في الشهر الحرام لمن ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم، والله أعلم.
يزعم المشككون أن القرآن الكريم لم يُسجل تاريخ مولده.
الولادة البشرية تؤكد عالمية الرسالة، والمعجزات ليست مقياسًا للنبوة.
الدستور القرآني والتاريخ يثبتان: السيف حمى الحرية ولم يجبر أحدًا.