الوجه الأول: تعويض الفقراء بأبواب
أخرى من الطاعات
لما اشتكى فقراء المهاجرين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أهل الأموال يسبقونهم في بعض أعمال البر المرتبطة بالمال؛ كالصدقة والعتق، لم يتركهم
دون توجيه، بل دلَّهم على أبواب من الذكر والطاعة يستطيعون بها إدراك الأجر والمنافسة
في الخيرات.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات
العلى والنعيم المقيم؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون
ولا نعتق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَفَلَا
أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟
وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ»
قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولُ اللهِ قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ،
دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً »
[
البخاري: الصحيح (٦٣٢٩) ، مسلم، الصحيح ( ٥٩٥) ]،
فدلَّ الحديث على أن أبواب الأجر في الإسلام ليست
محصورة في المال، وأن الفقير لا يُحرم من المنافسة في مراتب القرب؛ إذ شُرعت له عبادات
قولية وبدنية ينال بها عظيم الثواب، وبذلك تتحقق العدالة في فرص التقرب إلى الله - تعالى.
الوجه الثاني: معيار التفاضل
هو التقوى لا المال
المعيار الذي
اعتمده القرآن الكريم في المفاضلة بين الناس ليس المال ولا الجاه، وإنما التقوى والعمل
الصالح، قال الله تعالى: : ﴿إِنَّ
أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: ١٣]،
فالقرب من الله - تعالى - لا يرتبط بالغنى أو الفقر، ولا يتوقف على أداء الزكاة وحدها،
بل جعلت الشريعة أبواب الطاعة والقربات متنوعة بين العبادات القلبية والقولية والبدنية
والمالية، ليتمكن كل إنسان من التنافس في الخير بحسب قدرته واستطاعته.
وبذلك لا يكون الغني أفضل من الفقير لمجرد امتلاكه
المال، كما لا يُحرم الفقير من أسباب القرب من الله بسبب فقره، وإنما العبرة بما يقوم
في القلب من تقوى وما يترتب عليها من عمل صالح.
الوجه الثالث: النية
أساس الثواب، والعاجز يدرك أجر الفاعل
يُعد هذا الوجه من أقوى وجوه الرد على الشبهة؛ إذ
يقرر الإسلام أن النية الصادقة قد تبلغ بصاحبها منزلة العامل إذا منعه العجز من العمل،
وقد دلت النصوص الشرعية على ذلك دلالة واضحة، فهذا حديث أبي كبشة الأنماري، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إِنَّمَا الدُّنْيَا
لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي
فِيهِ رَبَّهُ... وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا
فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ
فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ» [رواه الترمذي وقال: هذا
حديث حسن صحيح ( ٢٣٢٥)]، وحديث أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال بعد رجوعه من غزوة تبوك:
«إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ
وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ» قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ
بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ»
[رواه
البخاري: الصحيح ،( ٤٤٢٣)].
كذاحديث
الهَمِّ بالحسنة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ
وَجَلَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ
الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ
فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» [ البخاري: الصحيح ،(
٦٤٩١)، مسلم، الصحيح ،( ١٣١) ]،وبناءً على هذه النصوص؛ فإن الفقير الذي
لا يملك نصاب الزكاة، ويتمنى بصدق أنه لو كان لديه مال لأدى حق الله فيه، يُرجى له
أجر هذه النية الصادقة، وفي المقابل قد يؤدي الغني الزكاة دون إخلاص أو يقصد بها الرياء
والسمعة، فلا ينال أجرها؛ لأن الثواب مرتبط بالإخلاص وصحة القصد، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّمَا
الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»
[البخاري،
الصحيح ( ١ ) ومسلم: الصحيح (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه].
الوجه الرابع: الزكاة
حق مفروض لأصناف ثمانية
الزكاة في حقيقتها
ليست منحة يتفضل بها الغني على الفقير، وإنما هي حق شرعي مفروض في المال لأصناف محددة
بيّنها الله - تعالى - في كتابه الكريم، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا
ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱلۡعَٰمِلِینَ عَلَیۡهَا
وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ
ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ﴾ [التوبة: ٦٠]،
فالمال الذي في يد الغني ليس حقًا مطلقًا له، يتصرف
فيه كيف شاء، بل جعل الله - تعالى - فيه حقوقًا واجبة للغير، ومن ذلك حق الزكاة، ومن ثمّ،َ
فإن الغني عندما يخرج الزكاة لا يمنح الفقير تفضّلًا شخصيًا، وإنما يؤدي واجبًا شرعيًا
افترضه الله عليه.
كما أن الفقير لا يُحرم من الأجر بسبب فقره؛ فإن احتسب
وصبر ونوى الخير نال الثواب، وقد جعلت الشريعة له أبوابًا واسعة من القربات والطاعات
لا تتوقف على المال، وبذلك لا يكون الغنى وحده سببًا للفضل أو زيادة المنزلة عند الله - تعالى.