إن تفكيك المقالات السابقة ومحاكمتها
يقتضي منا تفصيل القول في حقيقة الواجب ومحمله صيانةً لمقام الألوهية؛ إذ إن إطلاق
لفظ الواجب في حقه - سبحانه وتعالى - لا يخلو من حالين:
- الواجب
بمقتضى الإيجاب الخارجي (القول الباطل ونقض المعتزلة)
إن كان مراد المعتزلة بالوجوب أن
هناك موجِبًا خارجيًّا يوجب على الله شيئًا، أو أن العقل الحادث يملك سلطة الإلزام
والتحكيم على الذات الإلهية، فهذا مسلك باطل منهار شرعًا وعقلًا [أبو إسحاق الإسفراييني: التبصير في الدين، دار عالم الكتب، ص ٧٩]، وقد
تظاهرت أدلة أهل الحق من الأشاعرة والماتريدية على هدم قاعدة الصلاح والأصلح من
أساسها في ثلاثة مسالك:
مسلك الفاعلية والاختيار:
لأن الله - سبحانه وتعالى - هو
الفاعل المختار مطلق الإرادة والقدرة، لا يملك كائنٌ من كان أن يوجب عليه شيئًا،
ولا تنعقد فوق مشيئته سلطة تحكيمية؛ إذ هو القائل: ﴿لَا یُسۡءَلُ عَمَّا یَفۡعَلُ وَهُمۡ یُسۡءَلُونَ﴾ [الأنبياء:
٢٣].
- مسلك
الغِنى المطلق: إن ترك الواجب - بهذا المعنى النظري - لا يقع إلا
لحصول مضرة، أو فوات منفعة، أو للزوم محال؛ والحق - سبحانه - غني بذاته، فلا ينتفع
بإرسال الرسل، ولا يتضرر بترك إرسالهم، كما لا يلزم من عدم إرسالهم محال في حقه
سبحانه وعقابه وثوابه لا يتقيد بعوض يرتجيه، أو غرض يدعوه [الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص ١٧٥، شرح الخريدة البهية ص ١٢٤].
-
مسلك
الاستدلال بالواقع: لو كان
الأصلح واجبًا على الله - تعالى - عقلًا، لَما وُجد في العالم شر، ولا كفر، ولا ألم؛
فدلَّ وجود هذه الجائزات على أن تصرفه سبحانه في ملكه تصرفُ مالكٍ على الإطلاق.
- الواجب
بمقتضى الوعد والتفضل الإلهي (القول المقبول)
إن كان المراد
بالواجب هو ما أوجبه الحق - سبحانه - على نفسه الشريفة بمقتضى وعده الصادق، وحكمته
البالغة، وعدله الذي حرّمه على نفسه؛ وهو أنه سبحانه قضى ألا يعذب أحدًا من خلقه
إلا بعد قيام الحجة وإرسال الرسل، فهذا مَحمل صحيح، وهو محل وفاق، وقد تظاهرت
الآيات القرآنية المقررة لهذا الأصل السمعي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ
أَن لَّمۡ یَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمࣲ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ﴾ [الأنعام:
١٣١]، وقوله عز وجل: ﴿رُّسُلࣰا مُّبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَ لِئَلَّا
یَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ
عَزِیزًا حَكِیمࣰا﴾ [النساء: ١٦٥].
بناءً على هذا التأصيل، يتقرر أنه لا يجب على الله شيء
بمقتضى العقل؛ فهو سبحانه المالك المختار، القادر على مجازاة العبيد ثوابًا وعقابًا،
والمنفرد بالإفضال عليهم ابتداءً؛ فكل ما يفيض على الخلق من ثواب ونعيم ولطف هو
محض فضل وتكرم، وكل ما يقع من عقاب وعذاب هو عين العدل والحكمة الإلهية [التفتازاني، شرح المقاصد، ج ٢، ص
٢٢٧].
- تفضل
الحق بمحض فضله ورحمته
وإذ تقرر بطلان الوجوب العقلي والامتناع
الشبهي، تبرز الحقيقة الساطعة التي درج عليها أهل الحق، وهي أن إرسال الرسل إنما
هو بمحض فضل الله وإحسانه الخالص، ورحمة ربانية أحاطت بالعالمين؛ مصداقًا لقوله
تعالى: ﴿وَمَاۤ
أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وليس واجبًا عليه لأنه الفاعل المختار الذي
لا حرج عليه.
وقد تلخص هذا الرد المزدوج على الفلاسفة والمعتزلة
في صياغة علمية بديعة متى قيل: "إن إرسال الرسل إنما هو بإحسانه الخالص" [تحفة المريد ص ١٣٣]
فلفظ (بإحسانه): فيه رد
ونقض على أصل الفلاسفة القائلين بالإيجاب والتعليل الطبعي ونفي الاختيار.
ولفظ (الخالص): فيه رد
وهدم لأصل المعتزلة القائلين بالوجوب تَبَعًا لقاعدة الصلاح والأصلح؛
لأن الخالص هو العاري عن شائبة الوجوب أو استحقاق العوض أو إلزام الغير.
فالبعثة منة إلهية ونعمة ربانية يستوجب ذكرها
والوقوف عليها الحمد والثناء التام على معطيها وموليها جل وعلا، فله الحمد على ذلك
وعلى كل حال [شرح الخريدة البهية ص ١٢٤].
- وجوب
الإيمان السمعي والرد على أهل الهوى
ومع أن حكم إرسال الرسل في أصله
ومبتدئه حكم جائز عقلًا في حق الله تعالى، إلا أن هذا الجواز انقلب وجوبًا في حقنا
نحن المكلفين بمجرد وقوعه؛ فحين قامت الأدلة القاطعة والمعجزات الباهرة على صدق
الرسل، وجب علينا شرعًا وسمعًا الإيمان القاطع بكل ما جاؤوا به ونطقوا عنه،
والإذعان التام لرسالاتهم، وهذا الوجوب السمعي هو ما عناه الناظم بقوله:
لكن بذا
إيماننا قد وجبا
تفرقةً بين الجواز في حق الخالق والوجوب في حق
المخلوق؛ مما يوجب على المسلم طرح أهواء وشبهات الفِرق كالسمنية والبراهمة
والمعتزلة والفلاسفة، التي تلاعبت بها الظنون الفاسدة والمناهج العقلية البعيدة عن
جادة الحق والصواب، ولهذا قال:
فدع هوى قوم
بهم قد لعبا
أي
تلاعبت بهم أهواؤهم المنحرفة وعقائدهم الزائفة الفاسدة [تحفة المريد ص ١٩٨-٢٠٢].