والجواب: نعم وهذا
له تخريج شرعي؛ فأخذ العهد والبيعة في السنة النبوية ما كان يتخذ صورة واحدة من التلقين،
أو يختص بجماعة من المسلمين، وإنما كان أخذ العهد في السنة جامعًا بين بيعة الرجال،
وتلقين الجماعات والأفراد، ومبايعة النساء، بل وحتى من لم يحتلم [ينظر: العهد عند
الصوفية للأستاذ أشرف سعد، مجلة البحوث والدراسات الصوفية، العدد الثاني ص٤٥٨].
وأما التلقين جماعة؛
فبيانه بما ورد عن يعلى بن شداد قال: قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي شَدَّادُ بْنُ
أَوْسٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - رضي الله عنه - حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ، قَالَ: كُنَّا
عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - فَقَالَ: «هَلْ فِيكُمْ غَرِيبٌ؟»
يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ، فَقُلْنَا: لا يَا رَسُولَ الله، فَأَمَرَ بِغَلْقِ الْبَابِ،
وَقَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ وَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله»، فَرَفَعْنَا
أَيْدِيَنَا سَاعَةً ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يَدَهُ، ثُمَّ
قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ، اللهمَّ إنك بَعَثْتَنِي بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَأَمَرْتَنِي
بِهَا وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهَا الْجَنَّةَ وَإِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ»،
ثُمَّ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَإِنَّ الله - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ غَفَرَ لَكُمْ»
[مسند الإمام أحمد: ١٧١٢١، له، والحاكم: ١٨٤٤].
ومن التلقين الإفرادي: مثاله ما ورد عَنْ السَّدُوسِيّ ابْن
الْخَصَاصِيَّةِ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُبَايِعَهُ، قَالَ: فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَأَنْ أُؤَدِّيَ
الزَّكَاةَ، وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ أَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ،
وَأَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا اثْنَتَانِ،
فَوَاللَّهِ مَا أُطِيقُهُمَا: الْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ
مَنْ وَلَّى الدُّبُرَ، فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، فَأَخَافُ إِنْ حَضَرْتُ
تِلْكَ جَشِعَتْ نَفْسِي، وَكَرِهَتِ الْمَوْتَ، وَالصَّدَقَةُ فَوَاللَّهِ مَا لِي
إِلَّا غُنَيْمَةٌ وَعَشْرُ ذَوْدٍ، هُنَّ رَسَلُ أَهْلِي وَحَمُولَتُهُمْ. قَالَ:
فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ، ثُمَّ حَرَّكَ يَدَهُ،
ثُمَّ قَالَ: «فَلَا جِهَادَ وَلَا صَدَقَةَ، فَبِمَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِذًا؟»
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أُبَايِعُكَ. قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَيْهِنَّ
كُلِّهِنَّ" [مسند الإمام أحمد: ٢١٩٥٢، والطبراني: ١٢٣٣، والحاكم: ٢٤٢١،
والبيهقي: ١٧٧٩٦].
وفي هذا يقول
الإمام عبد الوهاب الشعراني - رحمه الله: وأما بيان مستند القوم في تلقينهم كلمة:
لا إله إلا الله، للمريدين، وبيان ما قاله الأشياخ في آداب الذكر، وبيان عزة التلقين،
وبيان فوائد تتعلق بالذكر، فاعلم رحمك الله: أنه ورد تلقين رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - لأصحابه كلمة "لا إلهَ إِلَّا اللهُ" جماعة وفرادى، وتسلسلت السلسلة
من كل منها لجماعة، مع اتصال سندهم؛ فعن يعلى بن شداد قال: حَدَّثَنِي أَبِي شَدَّادُ
بْنُ أَوْسٍ - رضي الله عنه - وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - رضي الله عنه - حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ،
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - فَقَالَ: «هَلْ فِيكُمْ
غَرِيبٌ؟» وذكر الحديث السابق وروده [مسند الإمام
أحمد: ١٧١٢١، له، والحاكم: ١٨٤٤].
ثم قال الإمام الشعراني - رحمه الله: فهذا دليل الأشياخ في تلقينهم الذكر لجماعة معًا، وأما دليل تلقينهم الذكر
فرادى، فلم أره في شيء من كتب المحدثين التي اطلعت عليها، ولكن روى سيدي يوسف العجمي
شيخ السلسلة في رسالته بسنده المتصل عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، قال: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى أَقْرَبِ الطُّرُقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَسْهَلِهَا
عَلَى عِبَادِهِ، وَأَفْضَلِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ، عَلَيْكَ بِمُدَاوَمَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى
فِي الْخَلْوَةِ»، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَيْفَ أَذْكُرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ
عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «غَمِّضْ عَيْنَيْكَ وَاسْمَعْ مِنِّي ثَلاثَ مَرَّاتٍ»،
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ»،
وَعَلِيٌّ يَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: «لا
إِلَهَ إِلا اللَّهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَسْمَعُ».
ثم قال الإمام الشعراني - رحمه الله: ويشهد لهذا الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ مُوسَى: يَا
رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى: لَا
إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ: كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا، قَالَ:
قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ
شَيْئًا تَخُصَّنِي بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ
غَيْرِي، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفَّةٍ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كَفَّةٍ
مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» [النسائي في الكبرى: ١٠٦٠٢].
ثم قال - رحمه
الله: قال سيدي يوسف العجمي - رحمه الله: وإنما أمر - صلى الله عليه وسلم - بغلق الباب لما
أراد أن يلقن جماعة من أصحابه كما تقدم وقال: هل فيكم غريب؟ يعني أهل الكتاب، لينبه
إلى أن طريق القوم مبنية على الستر، بخلاف الشريعة المطهرة، فلا ينبغي لأحد من أهل
الطريق أن يتكلم بالحقيقة عند من لا يؤمن بها، خوفًا من أن ينكرها فيمقت!
وما زال الكلام للإمام
الشعراني فيقول: ومن هنا أنكر بعض المحدثين كون الحسن البصري تلقن كلمة: "لا
إله إلا الله" من علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لعزة ثبوت ذلك من طريق مشهورة،
بل أنكر بعضهم اجتماع الحسن البصري بعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فضلًا عن أخذه عنه
الطريق، والحق أنه اجتمع به، ولقنه الذكر، وألبسه الخرقة .
وروى الحافظ ابن
حجر وتلميذه الحافظ جلال الدين السيوطي رحمهما الله تعالى، وقالا:
إن إسناده صحيح، ورجاله ثقات، أن الحسن البصري كان يقول: سمعت عليًّا - رضي الله عنه
يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ أُمَّتِي كَالْمَطَرِ، يَجْعَلُهُ
اللَّهُ فِي أَوَّلِهِ خَيْرًا، وَفِي آخِرِهِ خَيْرًا» [مسند الروياني: ١٣٤٣]
وفي رواية أخرى عن الحسن البصري قال: "شَهِدْتُ عَلِيًّا بِالْمَدِينَةِ وَسَمِعَ
صَوْتًا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قُتِلَ عُثْمَانُ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي
أُشْهِدُكَ أنِّي لَمْ أَرْضَ وَلَمْ أُمَالِئْ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا".
[اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة:
٢٦٥١]، وفي مسند الحافظ ابن مبدي عن الحسن البصري قال: "صافحت علي بن أبي طالب
رضي الله عنه" قال الجلال السيوطي رحمه الله : "فقد ثبت عندي وعند جماعة
من الحفاظ ثبوت رواية الحسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه".
قال الجلال السيوطي:
وكذلك هي عبارة شيخنا الحافظ ابن حجر قال: ويؤيد هذا وجوه، الأول: أن المثبِت مقدَّم
على النافي، الثاني: أن الحافظ ذكر أن الحسن البصري كان يصلي خلف عثمان بن عفان - رضي
الله عنه - فلما قُتل كان يصلي خلف علي - رضي الله عنه - حين قدم على المدينة، وكان يجتمع
بعلي -رضي الله عنه - في كل يوم خمس مرات، وأطال الشيخ جلال الدين في ذلك في جزء له ألفه
في بيان صحة لبس الخرقة، القادرية، والرفاعية، والسهروردية، فراجعه، والله أعلم .
ثم قال الإمام
الشعراني - رحمه الله: فعُلم أن سند التلقين ولبس الخرقة كان السلف يتناولونها فيما
بينهم من غير ثبوت من طريق المحدثين، إحسانا للظن بسلفهم، حتى جاء الحافظ ابن حجر،
والجلال السيوطي ومن وافقهما، فصحَّحوا سماع الحسن من علي - رضي الله عنه - وأوصلوا
السند بهما، فلا تستغرب يا أخي توقف بعض المحدثين في اتصال السند بلبس الخرقة، فإنه
معذور في ذلك، لعسر استخراج ذلك من كتب المحدثين على غالب الصوفية، فرحم الله الحافظ
ابن حجر، والجلال السيوطي في تبيينهما اتصال السند بذلك.
إذا علمت صحة سند
القوم، واتصاله بالتلقين من النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فكذلك لقن - رضي الله عنه - الحسن البصري، والحسن البصري لقن حبيبًا العجمي، وحبيب العجمي
لقن داود الطائي، وداود الطائي لقن معروفًا الكرخي، ومعروف الكرخي لقن السري السقطي،
والسري لقن أبا القاسم الجنيد، والجنيد لقن القاضي رويم، ورويم لقن محمد بن خفيف الشيرازي،
وابن خفيف لقن أبا العباس النهاوندي، والنهاوندي لقن الشيخ فرج الزنجاني، والزنجاني
لقن القاضي وجيه الدين، والقاضي وجيه الدين لقن أبا النجيب السهروردي، والشيخ أبو النجيب
لقن الشيخ شهاب الدين السهروردي، والشيخ شهاب الدين لقن الشيخ نجيب الدين برغوش الشيرازي،
وابن برغوش لقن الشيخ عبد الصمد النطتري، والشيخ عبد الصمد لقن الشيخ حسن الشمسيري،
والشمسيري لقن الشيخ نجم الدين، والشيخ نجم الدين لقن الشيخ محمود الأصفهاني، والشيخ
محمود لقن الشيخ يوسف العجمي الكوراني، والشيخ يوسف لقن الشيخ حسن التستري، المدفون
في قنطرة الموسكي بمصر المحروسة، والشيخ حسن لقن الشيخ أحمد بن سليمان الزاهد، والزاهد
لقن الشيخ مدين، والشيخ مدين لقن الشيخ محمد ولد أخته، وسيدي محمد لقن الشيخ محمد السروي،
والشيخ علي المرصفي، وهما توَّبا ولقنا العبد الفقير إلى الله تعالى عبد الوهاب بن
أحمد الشعراني، مؤلف هذه الرسالة [ينظر الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية،
باب سند التلقين الصوفي: ١/١٦ وما بعدها].
مراجع الاستزادة
حكم الذكر الجماعي والأدلة على مشروعيته، تاريخ الفتوى: ١٨ - أبريل ٢٠٠٤م - رقم الفتوى: ٧٣٥٤ - من فتاوى: فضيلة الأستاذ الدكتور/ علي جمعة
محمد.
الأنوار القدسية
في معرفة قواعد الصوفية، للإمام عبد الوهاب الشعراني.
مدخل إلى التصوف
الإسلامي، للأستاذ الدكتور/ علي جمعة - الوابل الصيب.
من فتاوى دار الإفتاء المصرية - حكم الذكر الجماعي، والأدلة على مشروعيته - تاريخ الفتوى:
١٨ أبريل ٢٠٠٤ م - رقم الفتوى: ٧٣٥٤ - من فتاوى فضيلة الأستاذ الدكتور/ علي جمعة محمد.