تنبه إلى خطورة ذلك واحد من أبناء مصر المستنيرين هو (علي باشا
مبارك)، ناظر المعارف وناظر الأشغال في عهد الخديوي المستنير إسماعيل باشا،
فقد أقام في فرنسا فترة غير قصيرة، ابتداء من عام ١٢٥٨ هـ / ١٨٤٢ م ضمن بعثة
الأنجال التي أوفدت لدراسة العلوم العسكرية، وزامل فيها إسماعيل باشا (الخديوي
فيما بعد)، وشاهد عن كثب المكتبة الوطنية الفرنسية، وأعجب بها إعجابًا كبيرًا.
وبعد عودته إلى القاهرة واعتلاء إسماعيل باشا سُدة الحكم،
ومنحه لقب خديوي، اقترح عليه علي مبارك -الذى أصبح ناظرًا للمعارف
وللأشغال- إنشاء دار كتب، على نمط دور الكتب الوطنية في أوروبا، واستصدر منه فرمانًا
في ٢٠ ذي الحجة سنة ١٢٨٦هـ/٢٣ مارس سنة ١٨٧٠م أسند إليه فيه الخديوي "جمع
المخطوطات النفيسة التي لم تصل إليها يد التبديد، مما حبسه السلاطين، والأمراء،
والعلماء، والمؤلفون على المساجد والأضرحة ومعاهد العلم؛ ليكون من مجموع هذا
الشتات نواة لمكتبة عامة"، ضمت في أول عهدها نحو عشرين ألفًا من المجلدات،
والمراجع، ومجاميع الخرائط، هي كل ما أمكن إنقاذه في هذا الوقت من الكتب المخطوطة
المحفوظة في خزائن المدارس، والمساجد، والزوايا، والتكايا، وأوائل المطبوعات
المحفوظة في المكتبة الأهلية القديمة، ومكتبتي وزارتي الأشغال والمعارف العمومية،
إضافة إلى ما قد يرد إليها من الكتب من أي نوع، وبأية لغة، ومن أية جهة.
يقول علي مبارك في الخطط التوفيقية: "ثم ظهر لي أن أجعل كتبخانة
خديوية داخل الديار المصرية أضاهي بها كتبخانة مدينة باريز، فاستأذنت الخديوي إسماعيل
باشا في ذلك، فأذن لي، فشرعت في بناء الكتبخانة الخديوية هناك أيضًا (أي في سراي
مصطفى فاضل باشا بدرب الجماميز).
وبعد فراغها جمعت فيها ما تشتت من الكتب التي كانت بجهات الأوقاف،
زيادة على ما كانت مشتراة من الكتب العربية، والإفرنجية، وغيرها، وجعلت لها ناظرًا،
ورتبت لها خدمة ومعاونين، وعملت لها قانونًا؛ لضبطها وعدم ضياع كتبها.
فجاءت بعون الله من أنفع التجديدات التي حدثت في عهد الخديوي إسماعيل
باشا، وجُعل بها النفع العام والخاص. [الخطط التوفيقية الجديدة].
كان مقر الكتبخانة الأول في الطابق الأرضي بسراي الأمير مصطفى
فاضل باشا شقيق الخديوي إسماعيل بدرب الجماميز، بجوار ديوان المدارس،
وأتيح الانتفاع بها لجمهور القراء في غرة رجب سنة ١٢٨٧ هـ /٢٤ سبتمبر سنة ١٨٧٠م،
فتُعد بذلك أول وأقدم مكتبة وطنية تُنشأ في الشرق الأوسط.
ونظرًا لعناية الخديوي إسماعيل بأمر الكتبخانة رأى أن يشتري لها
من ماله الخاص بمبلغ ١٣ ألف ليرة عثمانية مكتبة أخيه مصطفى فاضل باشا بعد
وفاته في اسطنبول سنة ١٢٩٣هـ / ١٨٧٦م، ويبلغ حجم هذه المكتبة النادرة ٣٤٥٨ مجلدًا
كلها من نوادر المخطوطات ونفائس الكتب، بينها ٢٤٧٣ مجلدًا عربيًا، ١٥٠ مجلدًا تركيًا،
٣٣٠ مجلدًا فارسيًا.
ويرمز لرصيد هذه المكتبة في فهارس دار الكتب العامة بالرمز (م)، من
أهمها نسخة كتاب الرسالة للإمام الشافعي [٤١ أصول فقه م]، ونسخة "بُستان سَعْدى
التي كتبها سنة ٨٩٣هـ /١٤٨٨م الخطاط الهروي الشهير سُلطان علي الكاتب،
وتتضمن ست لوحات تحمل توقيع الرسام الشهير كمال الدين بهزاد، المتوفى سنة
٩٤٣هـ/١٥٣٦م، ومؤرخة بسنتي ٨٩٣، ٨٩٤هـ/١٤٨٨- ١٤٨٩م.
أما مجموعة الكتبخانة من الكتب الأجنبية فتكونت نواتها الأولى من كتب
الجمعية المصرية The
Egyptian society
التي ألفها سنة ١٢٥٢ هـ/ ١٨٣٦م بعض الأجانب الذين توفروا على
خدمة العلم في مصر.
وقد أضيفت هذه المجموعة إلى رصيد الكتبخانة سنة ١٢٩٠هـ / ١٨٧٣م، ولها
فهرس طبع في لندن سنة ١٢٧٥ هـ / ١٨٥٨م باسم "فهرس كتبخانة" مدرسة
الصنائع
CatLog: workmen's Library of -London-Cheffins١٨٥٨
يشتمل على ١٢٧٢عنوانا.
واعتبرت محتويات الكتبخانة ملكًا لديوان الأوقاف، ولأجل المنفعة
العامة؛ جعل حق ديوان الأوقاف شاملًا لكل ما يضاف فيما بعد من المؤلفات والأشياء،
بقطع النظر عن اللغة، أو المادة، أو الجهة الواردة منها.
وأنعم الخديوي إسماعيل على ديوان الأوقاف -الذي كانت تتبعه الدار
في هذا الوقت- بعشرة آلاف فدان؛ للإنفاق من ريعها على الكتبخانة [وقف العشرة آلاف فدان
الموقوفة من قبل المغفور له الخديوي الأسبق، البند ١٤ من أول لائحة للدار].
وعندما ضاق بدروم سراي مصطفى فاضل بمجموعات الكتبخانة التي
أخذت في النمو، وخشي كذلك من تسرب الرطوبة في الدور الأرضي إلى مقتنياتها من الكتب
فتفسدها، نقلت المخطوطات سنة ١٣٠٧هـ/١٨٨٩م إلى السلالم بالسراي نفسها في المكان الذي
كان يشغله ديوان المدارس.
وأخذت إدارة الكتبخانة، ابتداءَ من سنة ١٣٠٤هـ /١٨٨٦م، في العمل في إيداع
جميع الكتب التي تطبع في مصر، وخاصة في مطبعة بولاق، بكيفية منتظمة، كما فتحت
قنوات للتبادل، وإقامة علاقات دائمة مع الجمعيات، والمكتبات الأوروبية.
وأضيف إلى رصيد الكتبخانة في مطلع سنة ١٨٩٥م المخطوطات الموجودة في كتبخانة
مطبعة بولاق، التي ربما كان بعضها هو الأصول التي قوبلت عليها أمهات الكتب التي
أخرجتها مطبعة بولاق ابتداءً من سنة ١٨٤٤م.
ومع تزايد رصيد الكتبخانة،
ونمو مقتنياتها، أصدر الخديوي محمد توفيق باشا، سنة ١٣٠٤هـ/ ١٨٨٦م أمرًا
بدراسة مشروع لبناء مكان متسع يليق بحفظ ما فيها من الذخائر الأدبية والعلمية،
ولكن هذا المشروع لم يوضع موضع التنفيذ حتى طالب الدكتور برنارد مورية Bernard Moritz، المدير الثالث للكتبخانة (١٣١٤-
موسوعة التاريخ ١٣٣٠هـ/١٨٩٦-١٩١١م) في تقريره الذي رفعه إلى وزارة المعارف في ٢٤ يولية
سنة ١٨٩٧م بضرورة الإسراع في بناء محل جديد للدار، خاصة وأن المحل الموجود فيه الكتبخانة
لا يمكن وقايته بأية طريقة من الحريق، كما أنه -على سعته- غير مناسب لوضع الكتبخانة؛
لأنه لم يبن لغرض إيجاد كتبخانة فيه، كما أن دوره الأول رطب جدًا مما يسبب ضررًا
بالغًا للكتب والمخطوطات [تقرير مرفوع لنظارة المعارف العمومية من جناب ناظر الكتبخانة
الخديوية عن حالة الكتبخانة في سنتي ١٨٩٦م، ١٨٩٧م].
وفي عام ١٣١٧هـ/١٨٩٩م وضع الخديوي عباس حلمي الثاني (١٣١٠-
١٣٣٣هـ /١٨٩٢- ١٩١٤م) حجر أساس الكتبخانة الخديوية، ودار الآثار العربية في ميدان
باب الخلق، وخصص طابقه الأرضي لـ"دار الآثار العربية" وطابقه الأول وما
فوقه للكتبخانة الخديوية، وانتقلت إليه الدار في سنة ١٣٢١هـ/١٩٠٣م، وفتح أبوابه
للمترددين عليها في أول العام التالي.
وقد تأثر تشييد المبنى -الذي جاء على الطراز المملوكي الجديد Neomameloukالذي كان سائدًا في هذا العصر- بنظام
المتحف البريطاني الذي كان حتى عام ١٣٩٤هـ/ ١٩٧٤م يحوي كذلك المكتبة الوطنية
البريطانية.