سلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في عودته
الطريقَ المعتادَ للقوافل بين مكة والمدينة (طريق الأنبياء)، وقد تواترت الروايات التاريخية
والحديثية على أن هذا الطريق هو (درب الأنبياء)؛ فما من نبيٍّ حجَّ البيت إلا سلك هذا
الفجَّ العميق، وقد حرص الجناب النبوي المكرم - صلى الله عليه وآله وسلم - على تذكير أصحابه
بهذه الحقيقة؛ ليربطهم بسلسلة النبوة الطويلة. فعندما مرَّ بوادي الأزرق، الأزرق بلفظ
الأزرق من الألوان: وادي الأزرق بالحجاز، والأزرق: ماء في طريق حاج الشام دون
تيماء [انظر معجم البلدان: (١/١٦٨)] سأل
أصحابه: «أَيُّ
وَادٍ هَذَا؟» قالوا:
هذا وادي الأزرق، قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ
السَّلَامُ - هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ
بِالتَّلْبِيَةِ» [أخرجه مسلم (١٦٦)]، وهو
طريق يمر بعدة أودية ومواضع معروفة: مَرُّ الظهران
(وادي فاطمة حاليًّا): وهو أول الأودية الكبيرة التي يمر بها الخارج من مكة متجهًا إلى الشمال،
والظهران وادٍ قريب من مكة، وعنده قرية يقال لها: (مَرّ)، تُضاف إلى هذا الوادي فيقال: (مرُّ الظهران) [معجم البلدان: (٤/٦٣)]؛ وقد كان هذا المعلم التاريخي يمثل (المتنفَّس
الأخضر) للقوافل الخارجة من مكة، إذ اشتهر بعيونه الجارية
التي كانت تروي مزارع النخيل والقرى المحيطة به، وفي هذا الموقع نزل الجيش النبوي العظيم
عام فتح مكة سنة (٨هـ) في عشرة آلاف مقاتل، وفي جنباته أُوقدت النيران التي أرهبت قريشًا،
وفيه أسلم أبو سفيان بن حرب - رضي الله عنه.
وكان الحجاج قديمًا يعدُّون منطقة الجُمُوم
محطة الانطلاق الفعلية؛ حيث تُفحَص فيها الروايا والأحمال قبل الدخول في بيداء الحجاز
القاحلة [البداية والنهاية، ابن كثير، ٦/٥٠٨].
عُسفان: بلدة تاريخية مرَّ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي المنطقة التي شُرعت فيها صلاة الخوف في غزوة عسفان، ولم تكن
عسفان مجرد محطةٍ للاستسقاء من آبارها العذبة، بل كانت مسرحًا لتحوُّل تشريعي مهم؛
ففيها نزل تشريع صلاة الخوف حين كان النبي - صلى الله عليه وآله
وسلم - يواجه جيش المشركين بقيادة خالد بن الوليد (قبل إسلامه)، وقد صلَّى المسلمون
خلف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وفق نظامٍ دقيقٍ، أظهر كمال التشريع الإسلامي
في الجمع بين أداء العبادة والحفاظ على اليقظة والاستعداد لمواجهة العدو، حتى أدهش
المشركين ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِیهِمۡ فَأَقَمۡتَ
لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَاۤئِفَةࣱ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡیَأۡخُذُوۤا۟
أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلۡیَكُونُوا۟ مِن وَرَاۤئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ
طَاۤئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ یُصَلُّوا۟ فَلۡیُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلۡیَأۡخُذُوا۟
حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ
أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَیَمِیلُونَ عَلَیۡكُم مَّیۡلَةࣰ وَٰحِدَةࣰۚ﴾ [النساء: ١٠٢]، وبالقرب من عسفان يقع (كُراع الغَمِيم)، وهو واد بين مكة والمدينة، بينه وبين مكة مرحلتان، وهو أمام عسفان
بثمانية أميال، يضاف إليه هذا الكراع، وهو جبل أسود بطرف الحَرَّة يمتد إليه [انظر: شفاء الغرام، الفاسي، ٢/١٥٩].
قُدَيْد:
وادٍ مشهور مرَّ به الركب النبوي، وهو الموضع الذي نزل فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -
أثناء هجرته إلى المدينة، وارتبط بقصة أم معبد الخزاعية الشهيرة، وبعد تجاوز عُسفان
تنبسط الأرض في وادي قُديد، وهو وادٍ فسيح كانت تسكنه قبيلة خزاعة قديمًا.
ويُعَدُّ
قُديد من المواضع التاريخية البارزة على الطريق بين مكة والمدينة، ففيه خيمة أم معبد،
ويُقال: بئر أم معبد؛ حيث نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هجرته ومعه أبو بكر
- رضي الله عنه - وقصتهما في هذا الموضع مشهورة في كتب السيرة، وقد ذكر أهل الأخبار: لما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل مساحلًا حتى انتهى إلى قُديد فانتهى إلى خيمة منتبذة [معجم البلدان: (٢/٤١٤)].
الجُحْفَة: وهي
الميقات المعروف لأهل الشام ومصر، وعندها تتشعب الطرق؛ فمن كان من أهل مكة أو
المدينة أو القبائل المجاورة يفترقون من هذه النقطة، وإنما
سميت الجحفة؛ لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام، بينها وبين ساحل الجار
نحو ثلاث مراحل، وبينها وبين أقرن موضع من البحر ستة أميال، وبينها وبين المدينة
ست مراحل، وبينها وبين غدير خمّ ميلان، وقال السكري: الجحفة على ثلاث مراحل من مكة
في طريق المدينة، والجحفة أول الغور إلى مكة، وكذلك هي من الوجه الآخر إلى ذات
عرق، وأول الثغر من طريق المدينة - أيضًا - الجحفة [معجم البلدان: (٢/١١١)].
والجحفة
كانت تُسمى قديمًا (مهيعة)، وفي هذا المكان نزل جبريل - عليه السلام - على
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو في طريق هجرته، وقد بدا عليه التأثر لفراق مكة،
فأنزل الله قوله:
﴿إِنَّ ٱلَّذِی فَرَضَ عَلَیۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَاۤدُّكَ إِلَىٰ مَعَادࣲۚ﴾ [القصص: ٨٥].