وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن الرؤية العميقة والمتوازنة لمفهوم الوطن في الإسلام، تستند إلى نصوص الشرع ومقاصد الشريعة، وتردًا على الأفكار المتطرفة التي تحاول تجريد المسلم من انتمائه الوطني، لإنها توضح أن حب الوطن ليس بدعةً أو انحرافًا، بل هو فطرة إنسانية أصيلة وُضعت في إطارها الشرعي السليم، وإن هذا المفهوم حاولت جماعات التشدد تشويهه في عقول الناس عبر فترة زمنية، وعلى رأس هؤلاء منظر جماعة الإخوان سيد قطب، مخالفًا بذلك الفطرة السليمة، وفهم علماء الأمة سلفًا وخلفًا لقيمة الوطن في الشرع الشريف، كقول سيد قطب: " أما الأرض فلا اعتبار لها ولا وزن"، واختزل الوطن في الأرض، [ينظر في ذلك الحق المبين للدكتور أسامة الأزهري].
مفهوم الوطن عندهم حفنة من تراب لا قيمة لها، أما عندنا فهو أرض وشعب ومؤسسات وذكريات وآمال، وبطولات، فلم يكن الوطن قطعة أرض وحدها، بل تاريخ وحضارة، وأساس وقيم.
إن مظاهر هذا المفهوم المغلوط، تعد كثيرة منها:
أ- الاختزال المادي الجاف:
ينظر هذا الفكر إلى الوطن على أنه مجرد قطعة أرض (تراب) فقط، مجردة من أي معنى أو قيمة إنسانية أو روحية، ويتجاهل جميع المقومات الأخرى التي تشكل هوية الوطن وحقيقته.
ب- إنكار القيمة المعنوية والروحية للوطن:
ينكر هذا المفهوم ما للوطن من قيمة عاطفية وفطرية في نفس الإنسان، مثل الذكريات، والحنين، والانتماء العاطفي، فيتناقض مع الفطرة الإنسانية التي جبل الله الناس عليها، والتي تظهر في حنين النبي صلى الله عليه وسلم لمكة.
ت- إلغاء البعد الحضاري والتاريخي:
يتجاهل هذا الفكر أن الوطن هو تاريخ وشعب وحضارة، كما يمحو مفهوم البطولات والتضحيات والإنجازات الجماعية التي بُنيت على أرض الوطن عبر الأجيال.
ث- تحريم العمل من أجل الوطن والانتماء إليه:
قد يتطور الأمر معهم فيصل بهذه الجماعات إلى تحريم الانتماء الوطني واعتباره بدعة أو كفرًا.
فيُحرّمون العمل في مؤسسات الدولة (التي يرونها "كافرة") أو الدفاع عن الوطن، مما يترتب عليه:
١- تمزيق الأمة وإضعافها.
من خلال العزلة والسلبية من أفراد التأثر بهذه الأفكار، حيث يعيش الفرد غريبًا في أرضه، غير مشارك في بنائها أو الدفاع عنها.
٢- المخالفة الصريحة لفهم علماء الأمة:
فهذا المفهوم مخالف لإجماع علماء الأمة من مفسرين ومحدثين وفقهاء على مر العصور، الذين أقروا قيمة الوطن وجعلوا مفارقته بمثابة عقوبة شديدة (كما في تفسير الرازي للآية)، واعتبروا الحنين إليه من الأمور الفطرية التي شرعها الدين (كما في شرح ابن حجر للحديث). كما سيأتي في العنصر التالي.
٣- التناقض مع مقاصد الشريعة:
يتناقض هذا المفهوم مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي تحث على عمارة الأرض، والتي لا يمكن تحقيقها بدون استقرار في وطن محدد، فكيف يعمر الإنسان الأرض وهو لا يعترف بها؟!
تعددت الأسس الشريعة التي يمكن أن يستدل بها على حب الوطن مع إن الحق أن دافع الطبع يغني عن إيجاب الشرع، ولكن من باب التأكيد فأسوق ما يلي:
أ- الفطرة الإنسانية والاعتراف بالواقع:
إن الانتماء للأرض التي وُلد فيها الإنسان ونشأ وتأثر بترابها وهواها هو غريزة فطرية، فالطيور تحن إلى أعشاشها، حتى الإبل تحن إلى أوطانها، وقد أقر الإسلام هذه الفطرة، ويستدل على ذلك بحزن النبي -صلى الله عليه وسلم- عند فراق مكة قائلاً: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» [رواه الترمذي]، هذا الاعتراف بالفطرة لا يتعارض مع عقيدة التوحيد، بل هو واقع بشري تعترف به الشريعة وتنظمه.
ب- الوطن في فهم علماء الأمة من مفسرين ومحدثين وفقهاء:
باستقراء كتب العلماء في الأمة الإسلامية على مر القرون السابقة نجد أن مفهوم الوطن متخمر في عقليتهم، وقريحتهم العملية، وإن كل الاختلال الحاصل عند هذه الجماعات الإرهابية، ما هو إلا فهم مغلوط مخالف لهؤلاء الأعلام السابقين، وهناك أمثله كثيرة على ذلك من كلام الإمام الرازي وغيره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُوا۟ مِن دِیَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِیلࣱ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُوا۟ مَا یُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَیۡرࣰا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِیتࣰا﴾ [النساء: ٦٦]، قال: " الْمَعْنَى أَنَّا لَوْ شَدَّدْنَا التَّكْلِيفَ عَلَى النَّاسِ، نَحْوَ أَنْ نَأْمُرَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْأَوْطَانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَمَا فَعَلَهُ إِلَّا الْأَقَلُّونَ... وجعل مفارقة الأوطان كقتل النفس"[ تفسير الرازي].
وجاء الحديث عن سيدنا أنس رضي الله عنه: "أنَّ سيدنا النبيَّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- كانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَنَظَرَ إلى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ، أوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وإنْ كانَ علَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا؛ مِن حُبِّهَا"، [أخرجه البخاري ] ، فيقول الإمام ابن حجر:"وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، ومشروعية حب الوطن والحنين إليه". [فتح الباري]، وقال الإمام القرافي:" ومصالح الحج التأديب بمفارقة الأوطان" [الفروق]، وكأن الحج من حكمه أن يؤدب الله عباده بالمفارقة لأوطانهم.
وهكذا فهم علماء الأمة قيمة الوطن، وأنه أكبر من كونة قطعة أرض أو حفنة تراب، بل هو أرض وسماء وشعب ومؤسسات، ذكريات، وبطولات، قيمة عظيمة لا يشعر هؤلاء بها، لحالة نفسية عاشوها، إن حب الوطن فهمه الأدباء والشعراء، بل أفرد له كثير من العلماء كتباً كالجاحظ وغيره، فألف كتابًا وسماه حب الوطن.
ت- الوطن كمكان لازم لإقامة العبادة وأداء العمارة:
إن حب الوطن ومقاصد الشريعة الكبرى بينهما صلة عظمى، فالوطن هو المجال الذي يمارس فيه المسلم عباداته (الصلاة، الصيام، الزكاة)، وينشئ أسرته، ويعمر الأرض بالعمل الصالح والتعاون على البر والتقوى، ومفهوم "العمارة" في الإسلام يشمل بناء المساجد والمدارس والمستشفيات، وإقامة العدل، ونشر العلم، وحماية الثغور - وكلها تتطلب استقرارًا وانتماءً لرقعة جغرافية محددة ألا وهي (الوطن)، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]، أي طلب منكم أن تعمروها، فكيف العمارة إذا لم يكن هناك وطن؟!
ث-المواطنة وحقوقها وواجباتها:
إن الجماعات مما حاولت إيراثه الناس الفهم الضيق الذي يختزل الانتماء في الانتماء العقدي فحسب، متجاهلاً روابط المواطنة، بيد إن المواطنة في الإسلام تقوم على:
الولاء للوطن: بمعنى الحفاظ على أمنه وسلامته ووحدته ومصالحه المشروعة.
البر بالوطن: خدمته والدفاع عنه ضد العدوان الخارجي وحماية ممتلكاته.
العدل والإحسان لأهله: التعامل مع جميع أبناء الوطن (مسلمين وغير مسلمين) بالعدل والإنصاف والبر ضمن الضوابط الشرعية، خاصة مع غير المحاربين. يستشهد بقوله تعالى: ﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ﴾ [الممتحنة: ٨].
وضع كل هذا تحت اسم الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه من صميم الشرع، ولا مخالفة في ذلك بين حب الوطن وحب الدين.
إن الشبهات التي تثار في مفهوم الوطن بين إفراط وتفريط، فواحد يمنع وواحد يجعله مكان الدين وكلاهما غلو، ولذا في هذه النقطة أحاول معالجة ووسطية مستنيرة:
أ- ردًا على المتطرفين (الذين يمنعون مفهوم الوطن):
إن الجماعات التكفيرية التي ترفض فكرة الانتماء الوطني وتعتبرها كفرًا أو بدعة، وتُحَرِّم العمل في مؤسسات الدولة أو الدفاع عن الوطن، ويتضح ذلك بـ:
ب- ردًا على المتطرفين من الناحية الثانية (الذين يُلْغون الهوية الإسلامية للوطن):
يجب أن نحذر من الطرف المقابل وهم من يريدون فصل الدين عن الدولة تمامًا، وجعل الانتماء الوطني انتماءً معاديًا للدين، ونؤكد على إن:
إن التوزان بين الانتماءين لا تناقض فيه البتة، فمن نظر إليه بعين البصيرة فسيرى:
أ- التكامل لا التعارض: حب الوطن والانتماء إليه جزء من حب الدين، لأن الوطن هو الإطار الذي تُمارس فيه شعائر الدين وتحفظ فيه حرماته، وخدمة الوطن الصالحة هي من صميم العمل لله.
ب-أن الأولويات الواضحة: لا خلاف حقيقي بينها، فترتيبها:
ت- المواطنة والمسؤولة فتتحدد واجبات المسلم في وطنه والتي من بينها:
الوطن.. أرض العبادة والعمارة والانتماء المتوازن
إن مفهوم الوطن في الإسلام ليس شعارًا أجوف ولا بدعةً ضالة، ولا حفنة تراب، بل هو حقيقة فطرية وشرعية، فالوطن هو رقعة مقدسة بقداسة ما تقام عليه من شعائر الله، وهو الإطار العملي لتحقيق مقاصد الشريعة في العبادة والعمران والتعايش، وحب الوطن والانتماء إليه والعمل من أجل ازدهاره وأمنه واجب شرعي وضرورة بشرية، إنها رؤية ترفض التطرف الذي يكفر بالوطنية، وتواجه في الوقت ذاته التطرف الذي يريد اقتلاع الهوية الإسلامية من جذورها تحت شعار الوطنية، لتؤسس لمواطنة مسؤولة تحفظ للإنسان دينه وكرامته وانتماءه، وتخدم المجتمع في إطار من العدل والإحسان والتعاون على البر والتقوى.
إنَّ صيانة الأنفس والأوطان هي جوهر مقاصد شريعة رب العالمين
القانون حائط صد يحمي سيادة الوطن وأمن المواطنين
الوطن ليس شعارًا ولا بدعة - بل فطرة إنسانية أقرها الإسلام
حب الوطن في الإسلام ليس عاطفة عابرة أو خيالًا شعريًا، بل هو فطرة أصيلة وثابت شرعي
حبُّ الوطن شعورٌ فطريٌّ مغروس في نفس كل إنسان سوي