Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كيف أسهمت أخلاق التجار المسلمين في دخول إفريقيا طواعية

الكاتب

هيئة التحرير

كيف أسهمت أخلاق التجار المسلمين في دخول إفريقيا طواعية؟

لم ينتشر الإسلام في إفريقيا بالسيف كما يزعم بعض المغرضين، بل كان للأخلاق الحسنة والمعاملة الصادقة التي تحلى بها التجار المسلمون الدور الأكبر في دخول كثير من الشعوب الإفريقية في الإسلام طواعية؛ فقد حمل هؤلاء التجار معهم قيم الأمانة والعدل والوفاء إلى جانب البضائع، ففتحوا القلوب قبل الأسواق، وأسهموا في بناء جسور من الثقة والتواصل الثقافي والاجتماعي، مما جعل الإسلام ينتشر في مناطق واسعة من القارة الإفريقية انتشارًا سلميًا ومستدامًا.

جذور العلاقة المسالمة مع إفريقيا

قبل أن تطأ جيوش الفتوح معظم أرض إفريقيا، كانت القافلة التجارية هي أول من فتح الطريق، ولم يكن سلاح التاجر المسلم سيفًا، بل ميزان صدق، وكلمة طيبة، وأخلاقًا ربانية، خالط التجار العربُ والفرسُ والبربرُ المجتمعاتِ الإفريقية لقرون، فدخل الناس في الإسلام متأثرين بأخلاق حملته، وساهمت المصاهرة في دمج النسل المسلم الجديد في نسيج القبائل، حتى صاروا جزءًا منها، ثم آلت إليهم قيادتها.

لذلك يبرز أثر التجارة الإسلامية بوضوح في إفريقيا، حيث أوجدت حالة فريدة من التسامح والتعايش ساهمت في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، جاء ذلك نتيجة التكامل الاقتصادي الذي فرضته ظروف البيئة والمناخ في كل من العالمين الإسلامي العربي والإفريقي، واحتياج كل طرف إلى المزايا النسبية لدى الآخر؛ ومع مرور الزمن، تعززت الروابط والعلاقات بين الطرفين.

فالتجارة عبر الصحراء كانت تحقق التكامل بين اقتصاد المنطقة العربية والإفريقية؛ إذ كانت القوافل تنقل من الشمال إلى الجنوب الملابس، والأواني، والأدوات المصنعة، وقوالب الملح، ثم تعود محمّلة بسلع المناطق الإفريقية كالذهب، والعاج، والحبوب، والرقيق، إلى جانب سلع أخرى ثمينة ونفيسة.

الأمانة التجارية في الميزان الدعوي الإسلامي

انتشر الإسلام في إفريقيا على أيدي التجار البربر ورجال الزوايا الذين عبروا الصحراء الكبرى منذ القرن الثامن الميلادي.

يقول ابن خلدون - رحمه الله - متحدثًا عن أثر السادة المرابطين: "وكان لهم أثر عظيم في إدخال أهل السودان في دين الله أفواجًا، لصدقهم وأمانتهم وحسن سيرتهم" [ابن خلدون، عبد الرحمن، "تاريخ ابن خلدون (العبر)"، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٨هـ، (٤/ ٢٠٦)]، وقد جسّد هؤلاء التجار خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائل: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» [رواه مسلم، كتاب البر والصلة: (٢٥٨٨)].

وكانوا يتعاملون بالآيات التي تأمر بالصدق والأمانة والإنصاف والعدل في التجارة وتحرم الغش قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى:  ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ١-٤]، فكانوا يأتمنونهم على أموالهم، فيأتمنونهم على عقائدهم.

ومن المعلوم أن الدين والمعتقد ينعكس على سلوك أتباعه ومعتقديه ومن خلال تعامل الانسان الإفريقي مع التاجر المسلم التمس الكثير من السلوكيات لدى التجار المسلمين التي جسدت المفاهيم والقيم الاسلامية كالصدق؛ وأداء الأمانة والحكم بالعدل والوفاء بالوعد ومساعدة المحتاجين وحب الآخرين [ينظر: توماس آرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن، مصر – القاهرة، ١٩٧١م، ص٣٨٥].

الطريق إلى القلوب: المصاهرة كجسر للتعايش

كان التاجر المسلم لا يأتي ليبني جدارًا عازلًا، بل يتزوج من نساء القبيلة، ويعيش بينهم، مما جعل الأبناء والبنات يحملون دمين وثقافتين، بمرور الوقت، تحولت تلك الروابط الأسرية إلى روابط دينية وسياسية.

وبدلًا من أن يُنظر إلى الإسلام كدين "الغريب"، أصبح دين الأب والجد والقبيلة، وانتشر الإسلام في المجتمعات الإفريقية بطابع محلي، يحافظ على بعض عاداتها المباحة، مما جعل القبول به أسرع وأعمق.

المظاهر الإيجابية للتأثيرات الإسلامية

عندما دخل الرحّالة الشهير ابن بطوطة - رحمه الله - بلاد مالي في القرن الرابع عشر الميلادي، لاحظ بدهشة وإعجاب أن الأمانة كانت سمة أصيلة في تعاملاتهم، لدرجة أن المسافر كان يأمن على نفسه وماله بما يفوق الحال في كثير من بلدان المشرق.

كتب ابن بطوطة في رحلته واصفًا حالهم: "وهم قليل الظلم، ولا يتعرضون لأحد... وأعجب الأمور أنهم آمنون على أموالهم، لا يخشون فيها ظلمًا، ومن ضاع له شيء أو وجد ضالّة تركها حتى يجد صاحبها" [ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة)"، تحقيق طلال حرب، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧هـ، (٤/ ٤٠٥)]، ويصف أن المظالم قليلة جدًا، والأمن الاجتماعي مرتفع، وهذا دليل على رسوخ القيم الإسلامية في نسيج المجتمع .

وهذه الشهادة من رجل جاب العالم كله تؤكد أن أخلاق التجار والدعاة، وليس السيف، هي التي خلقت هذه البيئة العادلة.

نماذج تاريخية على الانتشار السلمي

بفضل الاستقرار الذي عمّ البلدان الإفريقية، نشأت أحياء خاصة بالمسلمين، حيث شيدوا المساجد والمدارس لتعليم القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد قام التاجر بدورين رئيسين: تجاري ودعوي؛ لكن حينما كانت معارفهم الدينية غير كافية، كانوا يستقدمون العلماء، وقرًاء القرآن، والفقهاء لتعليم سكان تلك المناطق أمور دينهم، ومع ازدياد عدد المسلمين من الأفارقة، كثّفوا بناء المساجد والمدارس، وأخذوا يُوفِدون أبناءهم للدراسة في القاهرة، والقيروان، وبغداد، وفاس، وغيرها من المراكز العلمية الإسلامية.

كما شكل التجار طبقة قريبة من البلاط الملكي والنظام الحاكم، فنعموا بحرية الإقامة، واتخذهم الملوك والسلاطين مستشارين لهم.

وأسهم هذا القرب من الحكام والثقة التي تمتع بها التجار والعلماء في أن ينتشر الإسلام بسرعة كبيرة، حتى بلغ الأمر بإسلام الملوك وحاشيتهم [ينظر: إبراهيم على طرخان، دراسات في تاريخ إفريقيا الاسلامية، مجلة كلية الآداب، جامعة الرياض،،١٩٨١م،ص٢].

  • مملكة غانا (القرن ٨-١١م): بدأت هجرات التجار المسلمين إليها، وسمح الملوك ببناء المساجد، ثم أسلم الحكام أنفسهم [شبلي، "تاريخ إفريقيا"، (١/ ٥٦)].
  • إمبراطورية مالي (القرن ١٣-١٥م):  قصة إسلامها ترتبط مباشرة بأخلاق التاجر، فلجأ ملكها القادم من منفاه إلى مدينة تجارية إسلامية، فأكرمه التجار وعلموه، فأسلم هو ومن معه [انظر: "تاريخ السودان" لعبد الرحمن السعدي، ص ٤٥].
  • سواحيل: ثقافة سواحيلية بأكملها نتجت عن مئات السنين من الزواج المختلط بين التجار العمانيين واليمنيين وسكان الساحل الإفريقي.

الدروس المستفادة

  • الأخلاق الإسلامية (كالعدل والأمانة) هي أقوى وسيلة لدخول الناس في دين الله أفواجًا.
  • القوة الناعمة (من تجارة ومصاهرة وتعايش) تترك أثرًا أعمق وأبقى مما تتركه القوة القسرية.
  • التاجر الصدوق يمثل دينه أكثر من خطيب المنبر؛ لأن الناس تنظر لفعله لا لكتابه.
  • التعايش مع الثقافات المحلية وتقبلها (ما لم تعارض الشرع) مفتاح القبول والدمج.

سؤال وجواب

س: هل يعني هذا إنكار دور الجهاد في فتح بعض المناطق الأفريقية؟

ج: كلا، لكن الغالبية العظمى من الداخل الإفريقي قد دخلوا في الإسلام طواعية عبر مسالك التجارة، بينما تركًز الجهد العسكري على فتح الموانئ والطرق الرئيسة لحماية القوافل التجارية [انظر: "تاريخ إفريقيا العام" لليونسكو، لجنة التحرير، ١٩٨٨، (٣/ ١٢٠)].

س: ما هو أشهر مثال تاريخي على دور المصاهرة والزواج المختلط في ترسيخ الإسلام؟

ج: هي "الحضارة السواحلية" حيث نشأت هذه الهوية الفريدة نتيجة المصاهرة والزواج المختلط بين التجار العرب والمسلمين من جهة، وبين السكان الأصليين من جهة أخرى، مما ساهم في تشكيل خليط من الثقافة العربية والإسلامية والإفريقية، وهذا بدوره ساهم في نشر الإسلام في عمق الجنوب الإفريقي.

الخلاصة

التاريخ يثبت أن تجار الأمس كانوا أعظم سفراء الإسلام؛ لأنهم جسّدوا قيَمَه وأخلاقه على أرض الواقع، فكانوا تمثيلا عمليا لقول الله - تعالى -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فكانوا يخاطبون الناس بأحسن أسمائهم وأخلاقهم، فبادلهم الناس محبة بأرواحهم قبل أموالهم ، وهذه القوة الناعمة هي أملنا اليوم في تجديد الصورة المشرقة للإسلام في العالم.

موضوعات ذات صلة

الدستور القرآني وحقائق التاريخ يثبتان أن السيف لم يكن أداة للدعوة، بل كان سياجًا لحماية حرية العقيدة ورد عداون الطغاة

يجيء لفظ (الخُلُق) ولفظ (الأخلاق) وصيغ أخرى تنبثق منهما: وصفًا لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات

الأمانة في الإسلام مسؤولية عظيمة تشمل الالتزام بالحقوق والتكاليف.

خُلق نبيل يجمع بين صدق القول وإخلاص العمل.

اقترن الصدق بالإيمان والتقوى فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، فهو مبدأ إنساني نبيل وشيمة خلقية سامية