هذا، وقد كان أكبر أثر خلفه تاريخ مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط
(مصر القديمة) هو ما شهدته أروقته وجدرانه وحلقاته من حياة علمية مزدهرة، فقد كان
هذا المسجد بؤرة للعلوم والمعارف الإسلامية، كما قامت به نهضة أدبية عميقة الأثر،
كانت في بعض الأحيان صدى للحركة العلمية في الأمصار الإسلامية الأخرى، وفي البعض
الآخر كانت هذه النهضة فريدة من نوعها يقصدها طلاب العلوم المختلفة من شتى أرجاء
دار الإسلام.
كذلك كان هذا المسجد مقرًا لبيت مال المسلمين، ومُتولي الخراج لمباشرة
عمله، وتعقد به مجالس القضاء ومجالس القصاص والمذكرين.
وكان أول قاضٍ جلس في مسجد عمرو هو عثمان بن قيس بن أبي العاص
من قبل الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقد جلس للفصل بين الناس
في خصوماتهم، أما القاضي سليم بن عتر التجيبي الذي عيَّنه الخليفة معاوية
بن أبي سفيان فقد جمع له الخليفة بين القضاء والقصص في المسجد الجامع، فكان
أول من سجل سجلًا في المواريث وأشهد فيه شيوخ الجند، وهناك من القضاة من جمع بين
القضاء والقصص وبيت المال في المسجد الجامع، ومنهم عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني
[السيد طه أبو سديرة، الحركة
العلمية في جامع عمرو بن العاص في عصر الولاة، القاهرة (١٩٩٠م)، ص ٢٣-٣٣] عام ٦٩هـ / ٦٨٨م، وقد وصف ابن رِسته بيت المال في مسجد عمرو
بقوله: "وإن بيت مال مصر في المسجد الجامع قدام المنبر، وهو منفصل من سطوح
المسجد لا يتصل بشيء منها، وهو مرفوع بأساطين (أعمدة) من حجارة، وهي شبه قبة
مرتفعة يجلس الناس تحت البيت ويمرون تحته، وهناك قنطرة من خشب، وإذا أرادوا دخول
ذلك البيت جروا تلك القنطرة بالحبال حتى يستقر طرفها على سطح المسجد، فإذا خرجوا
ردوا القنطرة وعليها باب حديد وأقفال". [ابن
رسته، الأعلاق النفيسة، ص ١١٦].
وأما عن مجالس القُصَّاص والُمذَكِّرين، فتشير المصادر إلى أن أول من
قام بالقص أو الوعظ للجند بالمسجد الجامع كان سليم بن عتر الصحابي في ولاية
عمرو بن العاص، وهناك رواية أخرى تشير إلى أن معاوية بن أبي سفيان
كان هو أول من أمر بالقصص في المسجد بالفسطاط [السيد
طه أبو سديرة، الحركة العلمية، ١٩٩٠، ص٣١-٣٥]، وهناك من القضاة من
جمع بين القضاء والقصص كما سبق القول.
أما عن الحلقات العلمية بمسجد
عمرو بن العاص، فكانت كثيرة ومتعددة، وكانت تعرف باسم الزوايا، ومنها زاوية الإمام
الشافعي، والزاوية المجدية، والزاوية الصاحبية، والزاوية الكمالية، والزاوية
التاجية، والزاوية المعينية، والزاوية العلائية، والزاوية الزينية. [المقريزي،
الخطط، ج ٤، ص٣٦].
وظلت الحلقات العلمية في
ازدياد حتى أنها بلغت ٣٣ حلقة سنة ٣٢٦هـ / ٩٣٧م (أي في صدر الدولة الإخشيدية) منها
١٥ حلقة شافعية، ومثلها للمالكية وثلاث حلقات للحنفية. [ابن سعيد، المغرب في حلي المغرب، ج ١، ص ١٧٢؛ سيدة
إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص٣٢٠].
ويذكر المقدسي الجغرافي الذي كتب (أحسن التقاسيم) عام٣٧٥هـ /٩٨٥م
أن الجامع كان يغص بين العشائين بحلق الفقهاء وأئمة القراء وأهل الأدب والحكمة،
ويضيف أن عدد الحلقات العلمية بالجامع بلغ ١٢٠حلقة. [المقدسي،
أحسن التقاسيم، ص ٢٠٥].
وفي العصر الفاطمي كان يقام
بالجامع حلقات درس ووعظ للسيدات تصدرتها حوالي عام٤١٥هـ/ ١٠٢٤م، أم الخير
الحجازية، واعظة زمانها. [المقريزي، الخطط، ج ٤، ص٣١].
ويزودنا الرحالة الفارسي ناصر خسرو بتفاصيل مهمة في رحلته إلى
مصر (٤٣٩- ٤٤٢هـ/ ١٠٤٧- ١٠٥٠م)، منها: أنه لا يقل من فيه (أي الجامع) في أي وقت عن
خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود وغيرها. [ناصر خسرو، سفر نامه، ص١١٧].
وقد سبقت الإشارة إلى ما ذكره ابن جبير عن المسجد في صدر
الدولة الأيوبية، وتحديداً عام ٥٧٨هـ/ ١١٨٢م، أما في أواخر العصر الأيوبي فقد وصف
الرحالة ابن سعيد الأندلسي ما شاهده بالمسجد بقوله: "واستحسنت ما
أبصرته فيه (يعني الجامع) من حلق المتصدرين لإقراء القرآن والفقه والنحو". [ابن سعيد، المغرب في حلي المغرب، ج ١، ص ٧].
وفي
عصر المماليك البحرية وتحديدًا قبل عام ٧٤٩هـ/ ١٣٤٨م كان بالجامع بضع وأربعون حلقة
لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه. [المقريزي، الخطط، ج ٤، ص
٣٧؛ السيوطي، حسن المحاضرة، ج ٢، ص ١٣٦].