Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

جامع عمرو بن العاص

الكاتب

أ.د/ محمد حمزة الحداد

جامع عمرو بن العاص

ما قصة بناء جامع عمرو بن العاص؟ ولماذا يُعد أول مسجد في مصر وأفريقيا وأحد أهم معالم الحضارة الإسلامية؟ وكيف تحول من مسجد بسيط في الفسطاط إلى مركز علمي وديني أثّر في تاريخ مصر الإسلامي لقرون طويلة؟ 

في هذا المقال ستعرف تاريخ جامع عمرو بن العاص، وتفاصيل بنائه وتوسعته وأهميته الدينية والعلمية والمعمارية.

ما قصة بناء جامع عمرو بن العاص أول مسجد في مصر؟

يُعَدُّ مسجد عمرو بن العاص من أشهر المساجد الجامعة في الحضارة الإسلامية، فهو أول المساجد الجامعة التي عمرت بمصر وأفريقيا، كما أنه أقدم جامعة إسلامية قامت بدور كبير في نهضة وتطوير الحركة العلمية قبل الجامع الأزهر بالقاهرة، وجامع القرويين بفاس، وجامع الزيتونة بتونس، (يصعب في هذا المقام أن نقدم دراسة وصفية وتحليلية مفصلة ومطولة لمسجد عمرو بن العاص، فهذا يخرج عن إطار الخطة الموضوعة لهذا المصطلح، ولذلك حسبنا أن نركز على وصف موجز لمراحل عمارة المسجد وتوسعته والزيادة فيه، والعناصر المعمارية والزخرفية، والأساليب البنائية التي ما تزال باقية من عمارة الأمير عبد الله بن طاهر، أما من أراد التوسع والزيادة والإثراء في المعلومات والتفاصيل، فليرجع إلى العديد من المصادر والمراجع، ومن بين المصادر حسبنا أن نشير إلى مؤلفات كل من ابن عبد الحكم، والكندي، وابن دقماق، والمقريزي، وابن تغري بردي، والبكري، وناصر خسرو، وابن بطوطة، وعبد الغني النابلسي، وأولياء جلبي وغيرهم، أما المراجع الحديثة فمنها: محمود أحمد، بيان تاريخي عن مسجد عمرو بن العاص وشرح مميزاته الفنية، القاهرة ١٩٣٥هـ، وجامع عمرو بن العاص من الناحيتين الأثرية والتاريخية، القاهرة ١٩٣٨م، ومحمد عبد العزيز مرزوق، مساجد القاهرة قبل عصر المماليك، ص ٩-٢٦؛ وحسن عبد الوهاب، تاريخ المساجد الأثرية، ج ١، ص ٢٣-٣١؛ وأحمد فكري، مساجد القاهرة ومدارسها، المدخل، ص ٦٧-١٠٠؛ وفريد شافعي، العمارة العربية في مصر الإسلامية، المجلد الأول، ص٣٦٣-٣٨٤؛ وسعاد ماهر محمد، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج ١، ص ٥٥-٧٤؛ وحسن الباشا، جامع عمرو ضمن كتاب القاهرة، ص ٤٠٣-٤٣٣؛ عاصم محمد رزق، أطلس العمارة الإسلامية والقبطية بالقاهرة، ج ١، ص ١٧-٣٤؛ فضلًا عن دراسات كل من كريزول، وهوتكير، وفييت من العلماء الأجانب).

وكان موضع هذا المسجد جِنانًا (بساتين) شمال حصن بابيلون، وقد حازها وملكها قيسبة بن كلثوم التجيبي، وعقب فتح الإسكندرية وعودة عمرو بن العاص إلى موضع فسطاته شمال حصن بابيلون قرر عمارة المسجد، فاستقر الرأي بعد المشورة على أن يكون منزل قيسبة، فسأله عمرو فيه، وقال له: "أنا أختط لك يا أبا عبد الرحمن حيث أحببت"، فقال قيسبة: "لقد علمتم يا معشر المسلمين أني حزت هذا المنزل وملكته، وإني أتصدق به على المسلمين، وارتحل فنزل مع قومه بني سوم واختط فيهم" [المقريزي، الخطط، ج ٤، ص ٩].

ويصف المقريزي هذا المسجد بقوله: "هذا الجامع بمدينة فسطاط مصر (مصر القديمة حاليًا)، ويقال له: تاج الجوامع، وجامع عمرو بن العاص، وهو أول مسجد أسس بديار مصر في الملة الإسلامية بعد الفتح.." [المقريزي، الخطط، ج ٤، ص ٨].

وكانت مساحة المسجد في أول أمره ٥٠ ذراعًا في ٣٠ ذراعًا أي (٢٥ × ١٥) مترًا، وكان سقفه مطاطًا جدًا (أي منخفضًا) ولا صحن له، فإذا كان الصيف جلس الناس بفنائه من كل ناحية، وبينه وبين دار عمرو سبعة أذرع، وجعل الطريق يطيف به من كل جهة، وجُعل له بابان يقابلان دار عمرو بن العاص، وجُعل له بابان في بحريه وبابان في غربيه [ابن دقماق، الانتصار، ج ٤، ص٦٢؛ المقريزي، الخطط، ج ٤، ص ١٢؛ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج ١، ص ٦٧].

وهذا يعني أن تخطيط مسجد عمرو بن العاص في هذه المرحلة الأولى من بنائه كان يتبع التخطيط الذي اصطلحنا على تسميته بالتخطيط غير التقليدي؛ وهذا النوع من التخطيط له أنماط متعددة، ولكن السمة الرئيسة فيه هي أنه لا يحتوي على صحن أوسط مكشوف مثل التخطيط التقليدي المعروف [محمد حمزة الحداد، بحوث ودراسات في العمارة الإسلامية، الكتاب الأول، القاهرة ٢٠٠٤، ص ١٧٨-١٨٥].

كيف تطورت توسعات جامع عمرو بن العاص عبر العصور الإسلامية؟

وتوالت بعد ذلك أعمال الزيادة والتجديد والإضافة بدءًا من العصر الأموي ومرورًا بالعصر العباسي فالعصور التاريخية المتعاقبة حتى العصر الحديث [لمن أراد أن يتعرف على هذه الأعمال وتفاصيلها، أن يرجع إلى المصادر التاريخية، والمراجع المشار إليها سابقًا].

ومن بين هذه وتلك حسبنا أن نشير إلى زيادة الأمير مَسْلمة بن مَخْلَد الأنصاري في سنة ٥٣هـ / ٦٧٣م، وكانت من شرقيه ومن بحريه، وزخرف جدرانه وسقوفه، كما جعل له أربع صوامع في أركانه الأربعة، وهو أول من جعلها فيه، وفرشه بالحصر بعد أن كان مفروشًا بالحصباء.

وفي سنة ٧٩هـ / ٦٩٨م هدمه وزاد فيه الأمير عبد العزيز بن مروان، وفي سنة ٨٩هـ / ٧٠٧م أمر الأمير عبد الله بن عبد الملك برفع سقف المسجد وكان مطاطًا.

وفيما بين عامي ٩٢- ٩٣هـ / ٧١٠- ٧١١م هدمه الأمير قُرَّة بن شَريك العبسي، ثم زاد في مساحته وأحدث فيه محرابًا مجوفًا، ونصب فيه منبرًا خشبيًا سنة ٩٤هـ/ ٧١٢م، وأحدث المقصورة، وذهَّب تيجان الأعمدة الأربعة تجاه المحراب، وصار للجامع أربعة أبواب في شرقيه ومثلها في غربية وثلاثة في بحريه.

وفي سنة ٩٧هـ / ٧١٥م بنى أسامة بن زيد التَّنُوخي مُتَولي الخراج بمصر في عهد ولاية أمير مصر يومئذ عبد الملك بن رفاعة الفهمي بيت المال أعلى الفوارة بالجامع، وكان مال المسلمين فيه [المقريزي، الخطط، ج ٤، ص ١٣-١٦]، وفي العصر العباسي زاد فيه كل من الأمير صالح بن علي ١٣٣هـ / ٧٥٠م والأمير موسى بن عيسى ١٧٥هـ / ٧٩١م، إلا أن أهم الزيادات في المسجد وخاتمتها كانت بأمر الأمير عبد الله بن طاهر بن الحسين من قبل الخليفة عبد الله المأمون، وذلك عام ٢١٢هـ / ٨٢٧م، فزاد في المسجد مثله من غربيه؛ أي أنه أضاف إلى أرض المسجد مساحة جديدة من الجهة الجنوبية الغربية تعادل مساحته السابقة، وبذلك بلغت مساحة المسجد ١١٢,٥٠م × ١٢٠,٥٠م، وهي مساحته الحالية، غير أن جدرانه ليست متعامدة على بعضها تمامًا، فكأن مسقطه الأفقي أقرب إلى شبه منحرف منه إلى مستطيل.

أسرار العمارة والزخرفة الإسلامية في جامع عمرو بن العاص

ويرى بعض العلماء أنه لا يزال توجد بالمسجد بعض المعالم الأثرية الباقية من عمارة عبد الله بن طاهر، وتتمثل هذه المعالم في بعض العناصر المعمارية والزخرفية والأساليب البنائية، وذلك بالواجهتين الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية؛ فضلًا عن داخل مقدم المسجد من الجهة الجنوبية الغربية ومنها:

  1. طريقة بناء العقود بجنزير - أي حلقة - من صنجات من قوالب الأجر تتجه بطولها نحو مركز قوس العقد، أو ما يسمى في الاصطلاح المعماري الدارج في مصر بجنزير من طوب على سيفه محصور بين جنزيرين من طوب على بطنه.
  2. العقد المدبب في النوافذ الصغيرة بجدار القبلة، وكذلك الطواقي الزخرفية للحنايا الغائرة بين النوافذ في أعلى الجدار في الواجهة الجنوبية الغربية؛ وبالتالي فهو أقدم مثل باقٍ بمصر، ترجحًا لذا النوع من العقود قبل النموذج المؤكد الباقي بمقياس النيل بجزيرة الروضة المؤرخ بعام ٢٤٧هـ / ٨٦١م.
  3. الحنايا الغائرة في النصف العلوي من الجدران الخارجية في الواجهتين الجنوبية الغربية والشمالية الشرقية، وتتوج تلك الحنايا طواقٍ زخرفية ومحيطها الخارجي من فصوص متتابعة.
  4. عمل نواصي الحنايا على هيئة أعمدة ملتصقة قطاعها الأفقي من ٣/٤ الدائرة.
  5. الأشرطة الخشبية والأفاريز حفرت عليها زخارف نباتية لا زالت تحتفظ ببعض الملامح الهيلينستيه، ولكن طرأ عليها تحوير وتطوير لم يكونا موجودين في القرون السابقة، ولم تكن تقاليد طراز سامرَّا الفني قد نمت وتطورت بعد، وقوام زخرفتها أوراق الأكانتس وأوراق العنب وأغصانه، والزخرفة المعروفة بعنصر البيضة والسهم، وتعكس هذه الزخرفة استمرار الأساليب الفنية السابقة على الإسلام في الفن الإسلامي المبكر عامة، والفن المصري الإسلامي في الفترة المبكرة خاصة. [فريد شافعي، العمارة العربية في مصر الإسلامية، المجلد الأول، عصر الولاة، القاهرة (١٩٧٠م)، ص ٣٦٦-٣٦٧، ٣٨١-٣٨٣].

وهناك من العلماء من يعتقد أن هذه العناصر المعمارية والزخرفية لا ترجع إلى عمارة عبد الله بن طاهر، وإنما تنتمي إلى نهاية العصر الفاطمي. [محمود أحمد، جامع عمرو، ص ٩٢-٩٣؛ حسن عبد الوهاب، تاريخ المساجد، ج ١، ص ٢٩].

أما عن أعمال الإصلاح والتجديد والتجميل في المسجد فكثيرة، وهو ما يستدل عليه من خلال ما ورد في ثنايا المصادر التاريخية، فضلًا عن مشاهدات الرحالة والجغرافيين المسلمين، فها هو المقدسي الجغرافي يصفه قبل عام ٣٧٥هـ / ٩٨٥م بالفخامة وأنه حسن البناء، وفي حيطانه شيء من الفسيفساء على أعمدة رخام أكبر من جامع دمشق، وهو أعمر موضع بمصر. [المقدسي، أحسن التقاسيم، ص١٩٩].

أما الرحالة الفارسي ناصر خسرو فقد وصفه في سنة ٥٧٨هـ / ١١٨٢م بقوله: "وهذا المسجد قائم على أربعمائة عمود من الرخام، والجدار الذي عليه المحراب مغطى كله بألواح الرخام الأبيض التي كتب القرآن عليها بخط جميل". [ناصر خسرو، سفر نامه، ص ١١٧].

وفي العصر الأيوبي، وصفه الرحالة الأندلسي ابن جبير عام ٥٧٨هـ / ١١٨٢م بقوله: "وبمدينة مصر المسجد الجامع المنسوب إلى عمرو بن العاص - رحمه الله -، وله من الفائدة نحو الثلاثين دينارًا مصريًا في كل يوم تتفرق كلها في مصالحه، ومرتبات قومته وسدنته وأئمته والقراء فيه". [ابن جبير، رحلة ابن جبير، ص ٤٦-٥١].

وفي العصر المملوكي البحري وصفه الرحالة ابن بطوطة بقوله: "ومسجد عمرو بن العاص مسجد شريف، كبير القدر، شهير الذكر، تقام فيه الجمعة، وبشرقه الزاوية حيث كان يدرس الإمام أبو عبد الله الشافعي" [رحلة ابن بطوطة، ص ٢٠٣].

وعلى الرغم من أنه لم يتبق من عمارة المسجد العتيق أية معالم أثرية باستثناء العناصر المعمارية والزخرفية والأساليب البنائية السابق الإشارة إليها، إلا أنه اعتمادًا على ما ورد في المصادر التاريخية، وبخاصة كتاب الانتصار لابن دقماق من جهة، وما كشفت عنه الحفائر الأثرية من جهة ثانية، فقد قام العلماء بعمل مشاريع تصويرية لتخطيط المسجد الأصلي وتكوينه المعماري، ومنها مشروع محمود أحمد ومشروع أحمد فكري ومشروع الكابتن كريزول، الذي أيده فريد شافعي، وهذا المشروع الأخير عبارة عن صحن أوسط مكشوف ومقدم ومؤخر ومجنبتين؛ والمقدم (جهة القبلة) يشتمل على ستة بائكات تحصر فيما بينها سبعة أروقة (بلاطات) موازية لجدار القبلة، والمؤخر (الجهة المقابلة للمقدم وهي الجهة البحرية) يماثل المقدم في عدد بائكاته وأورقته (بلاطاته)، والمجنبة اليمنى (الجنوبية الغربية) تشتمل على أربعة بائكات تحصر فيما بينها أربعة أروقة (بلاطات) عمودية على جدار القبلة؛ أما المجنبة اليسرى (الشمالية الشرقية) فتشتمل على سبعة بائكات تحصر فيما بينها ثمانية أروقة موازية لجدار القبلة وليست عمودية على ذلك الجدار، وكان للمسجد أيام عمارة عبد الله بن طاهر ١٣ بابًا، منها ثلاثة في الجدار الشمالي الغربي المواجه للميدان، وأربعة في الجدار الجنوبي الغربي، وخمسة في الجدار الشمالي الشرقي، وباب واحد في جدار القبلة. [فريد شافعي، العمارة العربية، ص ٣٦٧-٣٧٥].

وبالركن الشرقي من المسجد توجد قبة تنتسب إلى عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، وقد شاع أنه دفن بها، وهذا غير موثوق به، فهناك اختلاف بين المؤرخين على تاريخ وفاته، فقيل ٥٥هـ / ٦٧٥م، و٦٣هـ / ٦٨٢م، و٦٥هـ / ٦٨٤م، و٦٧هـ / ٦٨٦م، و٦٨هـ / ٦٨٧م، و٧٣هـ / ٦٩٢م، كذلك اختلفوا في موضع دفنه؛ فقيل بمكة أو الطائف أو دفن في داره الصغرى بالفسطاط، ولكن الأرجح أنه لم يدفن في المسجد؛ لأن محل القبة كان به مئذنة؛ ولأن من زاره من الرحالة المسلمين لم يذكروه فيه، مع أن القباب والمزارات هدفهم الأول في أغلب الأحوال؛ فها هو النابلسي في كتابه: (الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى بلاد الشام ومصر والحجاز) قد زار المسجد عام ١١٠٥هـ / ١٦٩٣م، وتجول في نواحيه ووصف ما شاهده ورآه ولم يشر إلى أن به قبة لعبد الله بن عمرو بن العاص؛ ومن جهة ثانية فإن طراز القبة متأخر، وبالتالي فهي مضافة في تاريخ غير معلوم حتى الآن، وربما بعد عمارة الأمير مراد بك عام ١٢١٢هـ / ١٧٩٧م. [حسن عبد الوهاب، تاريخ المساجد، ص ٣١].

كيف أصبح جامع عمرو بن العاص مركزًا للعلم والدعوة في مصر؟

هذا، وقد كان أكبر أثر خلفه تاريخ مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط (مصر القديمة) هو ما شهدته أروقته وجدرانه وحلقاته من حياة علمية مزدهرة، فقد كان هذا المسجد بؤرة للعلوم والمعارف الإسلامية، كما قامت به نهضة أدبية عميقة الأثر، كانت في بعض الأحيان صدى للحركة العلمية في الأمصار الإسلامية الأخرى، وفي البعض الآخر كانت هذه النهضة فريدة من نوعها يقصدها طلاب العلوم المختلفة من شتى أرجاء دار الإسلام.

كذلك كان هذا المسجد مقرًا لبيت مال المسلمين، ومُتولي الخراج لمباشرة عمله، وتعقد به مجالس القضاء ومجالس القصاص والمذكرين.

وكان أول قاضٍ جلس في مسجد عمرو هو عثمان بن قيس بن أبي العاص من قبل الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقد جلس للفصل بين الناس في خصوماتهم، أما القاضي سليم بن عتر التجيبي الذي عيَّنه الخليفة معاوية بن أبي سفيان فقد جمع له الخليفة بين القضاء والقصص في المسجد الجامع، فكان أول من سجل سجلًا في المواريث وأشهد فيه شيوخ الجند، وهناك من القضاة من جمع بين القضاء والقصص وبيت المال في المسجد الجامع، ومنهم عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني [السيد طه أبو سديرة، الحركة العلمية في جامع عمرو بن العاص في عصر الولاة، القاهرة (١٩٩٠م)، ص ٢٣-٣٣] عام ٦٩هـ / ٦٨٨م، وقد وصف ابن رِسته بيت المال في مسجد عمرو بقوله: "وإن بيت مال مصر في المسجد الجامع قدام المنبر، وهو منفصل من سطوح المسجد لا يتصل بشيء منها، وهو مرفوع بأساطين (أعمدة) من حجارة، وهي شبه قبة مرتفعة يجلس الناس تحت البيت ويمرون تحته، وهناك قنطرة من خشب، وإذا أرادوا دخول ذلك البيت جروا تلك القنطرة بالحبال حتى يستقر طرفها على سطح المسجد، فإذا خرجوا ردوا القنطرة وعليها باب حديد وأقفال". [ابن رسته، الأعلاق النفيسة، ص ١١٦].

وأما عن مجالس القُصَّاص والُمذَكِّرين، فتشير المصادر إلى أن أول من قام بالقص أو الوعظ للجند بالمسجد الجامع كان سليم بن عتر الصحابي في ولاية عمرو بن العاص، وهناك رواية أخرى تشير إلى أن معاوية بن أبي سفيان كان هو أول من أمر بالقصص في المسجد بالفسطاط [السيد طه أبو سديرة، الحركة العلمية، ١٩٩٠، ص٣١-٣٥]، وهناك من القضاة من جمع بين القضاء والقصص كما سبق القول.

أما عن الحلقات العلمية بمسجد عمرو بن العاص، فكانت كثيرة ومتعددة، وكانت تعرف باسم الزوايا، ومنها زاوية الإمام الشافعي، والزاوية المجدية، والزاوية الصاحبية، والزاوية الكمالية، والزاوية التاجية، والزاوية المعينية، والزاوية العلائية، والزاوية الزينية. [المقريزي، الخطط، ج ٤، ص٣٦].

وظلت الحلقات العلمية في ازدياد حتى أنها بلغت ٣٣ حلقة سنة ٣٢٦هـ / ٩٣٧م (أي في صدر الدولة الإخشيدية) منها ١٥ حلقة شافعية، ومثلها للمالكية وثلاث حلقات للحنفية. [ابن سعيد، المغرب في حلي المغرب، ج ١، ص ١٧٢؛ سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص٣٢٠].

ويذكر المقدسي الجغرافي الذي كتب (أحسن التقاسيم) عام٣٧٥هـ /٩٨٥م أن الجامع كان يغص بين العشائين بحلق الفقهاء وأئمة القراء وأهل الأدب والحكمة، ويضيف أن عدد الحلقات العلمية بالجامع بلغ ١٢٠حلقة. [المقدسي، أحسن التقاسيم، ص ٢٠٥].

وفي العصر الفاطمي كان يقام بالجامع حلقات درس ووعظ للسيدات تصدرتها حوالي عام٤١٥هـ/ ١٠٢٤م، أم الخير الحجازية، واعظة زمانها. [المقريزي، الخطط، ج ٤، ص٣١].

ويزودنا الرحالة الفارسي ناصر خسرو بتفاصيل مهمة في رحلته إلى مصر (٤٣٩- ٤٤٢هـ/ ١٠٤٧- ١٠٥٠م)، منها: أنه لا يقل من فيه (أي الجامع) في أي وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود وغيرها. [ناصر خسرو، سفر نامه، ص١١٧].

وقد سبقت الإشارة إلى ما ذكره ابن جبير عن المسجد في صدر الدولة الأيوبية، وتحديداً عام ٥٧٨هـ/ ١١٨٢م، أما في أواخر العصر الأيوبي فقد وصف الرحالة ابن سعيد الأندلسي ما شاهده بالمسجد بقوله: "واستحسنت ما أبصرته فيه (يعني الجامع) من حلق المتصدرين لإقراء القرآن والفقه والنحو". [ابن سعيد، المغرب في حلي المغرب، ج ١، ص ٧].

وفي عصر المماليك البحرية وتحديدًا قبل عام ٧٤٩هـ/ ١٣٤٨م كان بالجامع بضع وأربعون حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه. [المقريزي، الخطط، ج ٤، ص ٣٧؛ السيوطي، حسن المحاضرة، ج ٢، ص ١٣٦].

لماذا يعد جامع عمرو بن العاص من أهم معالم الحضارة الإسلامية؟

أما عن تفاصيل هذه الحلقات العلمية، فهي كثيرة ومتشعبة، وبالمصادر التاريخية وكتابات الرحالة ومشاهداتهم إشارات كثيرة حول هذه الحلقات العلمية، وكل ما يمكن قوله في هذا المقام، هو أن هذه الحلقات كانت متنوعة، فمنها حلقات حفاظ الحديث ومنها حلقات الفقه ومنها حلقات القراءات.

ومن أشهر الصحابة والمحدثين والفقهاء والقراء الذين تصدَّروا هذه الحلقات: الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص وصحيفته المعروفة بالصادقة، والصحابي عقبة بن كريم الأنصاري، والصحابي أبو أيوب الأنصاري.

ومن المحدثين: يزيد بن حبيب، وعبد الله بن لَهِيعة وعبد الله بن وهب، ومن الفقهاء الإمام الليث بن سعد والإمام الشافعي والرعيني وبكير بن عبد الله الأشج وعبد الرحمن بن القاسم وأصبغ بن الفرج وأشهب وعبد الله بن الحكم والحارث بن مسكين والبويطي والمزني والربيع بن سليمان بن داود الجيزي تلامذة الشافعي.

 أما القراء، فمن بينهم: أبو ذر الغفاري وعبد الرحمن بن ملجم المرادي وعقبة بن عامر الجهني وعبد الرحمن بن ميسرة.

 أما أشهرهم فهو عثمان بن سعيد المعروف بورش، وقد أخذ القراءة عن نافع بالمدينة المنورة، وهو الذي لقبه بورش لشدة بياضه وانتهت إلى ورش رئاسة الإقراء وأصبح إمام القراءة المنسوبة إليه، وكانت وفاته ١٩٧هـ / ٨١٢م، ومن مشاهير الأئمة القراء يونس بن عبد الأعلى الذي تصدر للإقراء والفقه في مسجد عمرو بن العاص.

ولم يقف دور مسجد عمرو بن العاص عند هذا الحد، بل عقدت به مجالس أرباب اللغة والنحو والآداب ومجالس الرواة والإخباريين، بل إن هذا المسجد صار قبلة الفقهاء وطلبة العلم من أقطار المغرب والأندلس. [عن تفاصيل الحركة العلمية عامة، والحلقات العلمية والمساجد بمسجد عمرو خاصة، انظر: سيدة إسماعيل كاشف، مصر في فجر الإسلام من الفتح العربي إلى قيام الدولة الطولونية، القاهرة، ط ٢، ١٩٧٠م، ص ٢٧٦-٢٩٠؛ السيد طه أبو سديرة، الحركة العلمية في جامع عمرو بن العاص في عصر الولاة، ص ٤٧-٨٦؛ صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط منذ الفتح العربي إلى نهاية الدولة الإخشيدية، سلسلة تاريخ المصريين، العدد ١٦٧، القاهرة ٢٠٠٠م، ص ٦٤-٦٤٨].

وختاماً، فإنه لا بد من الإشارة إلى أنه كان من التقاليد المهمة المرتبطة بمسجد عمرو بن العاص ذلك التقليد الخاص بالاحتفال بصلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وقد نشأ هذا التقليد منذ العصر الفاطمي؛ فقد كان الخليفة يركب للاحتفال برؤية شهر رمضان ثم يستريح أول جمعة منه، فإذا كانت الجمعة الثانية أداها في جامع الحاكم، فإذا كانت الجمعة الثالثة أداها في الجامع الأزهر، فإذا كانت الجمعة الرابعة والأخيرة صدرت الأوامر بأدائها في جامع عمرو بن العاص، فيقوم أهالي القاهرة بعمل الزينات من باب القصر بالنحاسين (شارع المعز لدين الله حاليًا في المنطقة المعروفة ببين القصرين) إلى جامع أحمد بن طولون، ويقوم أهالي مصر القديمة بعمل الزينات حتى جامع عمرو، وبعد أداء الفريضة يعود الخليفة إلى القصر فيصدر السجل.

ولما أتَمَّ مراد بك إصلاح الجامع في النصف الثاني من شهر رمضان ١٢١٢هـ / ١٩٧٧م، أقيمت فيه آخر جمعة في رمضان، فاتخذت عادة إحياء للعادة القديمة. [حسن عبد الوهاب، تاريخ المساجد الأثرية، ج ١، ص ٣١].

مصادر ومراجع للاستزادة

أولًا: المصادر:

  • ابن دقماق، إبراهيم محمد، ت ٨٩٠ هـ/١٤٠٦م، الانتصار لواسطة الأمصار، القاهرة، ط ٢، ١٩٨٧م.
  • ابن سعيد، أبو الحسن علي بن موسى، ت ٦٨٥ هـ/١٢٧٥م، المغرب في حلي المغرب، الجزء الأول من القسم الخاص بمصر، تحقيق: زكي محمد حسن وآخرين في جزئين، القاهرة ٢٠٠٣م.
  • السيوطي، الحافظ جلال الدين عبد الرحمن، ت ٩١١هـ/١٥٠٥م، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، جزءان، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة ١٩٦٨م.
  • ابن عبد الحكم، أبو القاسم عبد الرحمن، ت ٢٥٧ هـ/١٨٧م، فتوح مصر وأخبارها، طبع في ليدن ١٩٢٠م، مكتبة المشي ببغداد، وتحقيق: محمد صبيح، القاهرة ١٩٧٤م.
  • المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، ت ٨٤٥ هـ/١٤٤١م، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية، ٥ مجلدات، تحقيق: أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان، لندن - جدة، ٢٠٠٢-٢٠٠٣ م.

ثانيًا: المراجع العربية:

  • أحمد فكري، مساجد القاهرة ومدارسها، المدخل، القاهرة ١٩٦١م.
  • حسن الباشا، جامع عمرو، كتاب القاهرة، مؤسسة الأهرام، ١٩٧٠م.
  • سعاد ماهر محمد، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ٥ أجزاء، القاهرة، ١٩٧٠-١٩٨٢م. 
  • سيدة إسماعيل كاشف، مصر في فجر الإسلام من الفتح العربي إلى قيام الدولة الطولونية، القاهرة، ط٢، ١٩٧٠م.
  • محمد حمزة إسماعيل الحداد، بحوث ودراسات في العمارة الإسلامية، الكتاب الأول، القاهرة، ط ٢، ٢٠٠٤م.
  • المدخل إلى دراسة المصطلحات الفنية للعمارة الإسلامية، القاهرة، ط ٢، ٢٠٠٣م.
  • العمارة والفنون في الحضارة الإسلامية، القاهرة ٢٠٠م.
  • محمود أحمد، بيان تاريخي عن مسجد عمرو بن العاص وشرح مميزاته الفنية، القاهرة، ١٩٣٥م.
  • جامع عمرو بن العاص من الناحيتين الأثرية والتاريخية، القاهرة ١٩٣٨م.

الخلاصة

جامع عمرو بن العاص يمثل رمزًا تاريخيًا ومعماريًا هامًا في قلب مصر الإسلامية، جمع بين العبادة والعلم منذ تأسيسه، شهد المسجد مراحل متعددة من التجديد والتوسعة التي عززت من قيمته الفنية والثقافية، يستمر المسجد كمركز تراثي يعكس عمق الحضارة الإسلامية في مصر وأفريقيا.

موضوعات ذات صلة

لوحة زاخرة بالجمال، استلهمت عبق الشرق وملامح الحضارة.

 صرح تاريخي يعكس عمق الحضارة الإسلامية في تونس وشمال أفريقيا.

أصبح مركزًا علميًا هامًا في العالم الإسلامي.

صرح علمي وديني عريق أسسَّه الفاطميون في القاهرة عام ٣٥٩هـ.

الدولة الطولونية (منتصف القرن الثالث الهجري) أول استقلال حقيقي لمصر عن الخلافة العباسية.

موضوعات مختارة