Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الفكر التكفيري من خوارج الصدر الأول إلى العصر الحديث

الكاتب

هيئة التحرير

الفكر التكفيري من خوارج الصدر الأول إلى العصر الحديث

ما وجه الشبه بين الخوارج الأوائل وجماعات التكفير المعاصرة؟ 

يتطابقان منهجيًّا في غياب المرجعية الفقهية، وبتر نصوص الوحي عن سياقها، وتنزيل آيات الكفار على المؤمنين اتباعًا للأهواء.

الفكر التكفيري كمنزلق لهدم العمران وبنيان الإنسان

إن قضية التكفير لم تكن يومًا مجرد ترفٍ فكري أو خلافٍ نظري في أروقة المتكلمين، بل هي أم الفتن التي أُريقت بسببها الدماء، وتزلزلت لأجلها أركان الحضارة الإسلامية، إن الانحراف في فهم حقيقة الإيمان وموجبات الكفر هو المنطلق الذي يتخذه ذوو الأهواء والجهلة لإصدار أحكامٍ إقصائية تتجاوز حدود النص لتصطدم بمقاصد الشريعة العليا، وعندما نستحضر أسلوب الاستقصاء والتحليل، نجد أن التكفير المعاصر هو بعثٌ لروح الخوارج الأولى في قوالب جديدة، فرضتها ظروف سياسية واجتماعية ضاغطة، غاب فيها الفقيه وحضر فيها المندفع بصغر سنه وقصور علمه.

تشريح عقيدة "الجاهلية" وجماعات الرفض المجتمعي

بعد ظهور جماعات الفكر التكفيري وانتشار آرائها الشاذة، لقيت معارضة شديدة حتى من رفاقهم في المنهج لشدة غلوها، ومع ذلك، تناسلت جماعات أخرى تنتهج ذات النهج مع اختلاف يسير في الدرجة متبنية فكرة جاهلية الحاكمية، الملاحظة الجوهرية هنا أن هذه الجماعات، وإن لم تنتسب صراحةً للخوارج، إلا أنها تتبنى ذات المصفوفة العقدية للخوارج الأوائل؛ وهي ربط الإيمان بالعمل الصالح ربطًا شرطيًّا يُخرج مرتكب المعصية (أو من يختلف معهم سياسيًّا) من الملة، إنهم يتفقون في الأصول التي عرف بها الخوارج، مما يجعلهم امتدادًا فكريًّا وعقديًّا لا يقبل الشك لأولئك الذين مرقوا من الدين في فجر الإسلام.

فكر الخروج دراسة في العلل والماهية الاصطلاحية

عند الكشف عن صلة التكفير المعاصر بالماضي، لابد من تحرير معنى (الخروج)، فالخروج الذي ندرسه هو الخروج الفرقي المذموم لا مطلق الخروج السياسي، إن النصوص النبوية، وفي مقدمتها أحاديث المارقة، حددت العلل التي استحق بها الخوارج هذا الوصف.

العلة الأولى هيلأمر بالمنكر باعتباره معروفًا)، وتجسدت في (ذوي الخويصرة) الذي اعترض على قسمة النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلًا بجهل: "اتق الله واعدل!"، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْجِعْرَانَةِ، مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اعْدِلْ. قَالَ: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ! أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرأون الْقُرْآنَ. لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يمرق السهم من الرمية».

لقد ظلت هذه العلة (الفهم السقيم للنص) ملازمة للخوارج؛ فهم يلبسون أهواءهم لباس النص الشرعي، فكما جعل الخوارجُ الأوائلُ التحكيم كفرًا مخرجًا من الملة بشعار لا حكم إلا لله، جعل المعاصرون الحاكمية (بمفهومهم الضيق) سببًا لتكفير الحكام والشعوب، وهي كلمة حق أريد بها باطل كما قال الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه؛ إذ إن لتحكيم) و(الحاكمية) من شعائر الدين، لكن توظيفهما لإراقة الدماء هو المنكر العظيم.

التماثل المنهجي بين الغلاة قديمًا وحديثًا

ثمة تطابق مذهل بين الظاهرة قديمًا وحديثًا في جانبين:

  • الجوانب العقدية: وقع تشابه واختلاف؛ فالخوارج قديمًا اهتموا بتكفير أصحاب الكبائر وتكفير الصحابة، أما المعاصرون، فكانت لحاكمية) بؤرة اهتمامهم، ومنها تفرع وصف المجتمعات بالجاهلية والديار بالكفر، ومع ذلك، يظل التكفير بالذنوب حاضرًا عند بعضهم، وإن لم يبلغ حد الظاهرة العامة [ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية ٤٣٩/٢].
  • غياب المرجعية العلمية: إن الخوارج الأوائل لم يكن فيهم أحد من الصحابة ولا من أهل العلم الراسخين، بل كانوا قُرَّاءً بغير فقه؛ وكذلك التكفيريين في العصر الحديث؛ فقياداتهم لم تكن من أصحاب التخصص الأصيل في العلوم الشرعية الأزهريّة، بل غلب عليهم التخصصات العلمية أو الثقافة العامة، مما أوقعهم في جرأة الفتوى بغير أدوات الاستنباط.

أثر الجهل بعلوم الوحي وتغليب الظنون على اتباع الفكر التكفيري

 تتشابه طرق الاستنباط لدى الغلاة إلى حد التطابق المنهجي، وهو ما يمكن إيجازه في نقاط رصينة:

  • اتباع المتشابهات وترك المحكمات: يعمدون إلى آيات الوعيد والآيات التي تحتمل وجوهًا، ويتركون القواعد الكلية والمحكمات التي تحقن الدماء وتدعو للستر.
  • بتر النصوص عن سياقها: يتعاملون مع النص القرآني أو النبوي كجزيئات منفصلة، فينتزعون الآية عن سبب نزولها أو سياقها اللغوي لخدمة غرضهم الحزبي.
  • الجهل بعلوم الآلة: يجهلون الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد؛ مما أدى بهم إلى (إنزال نصوص الكفار على المؤمنين)، وهي السمة التي وصفهم بها عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما حين قال: "إنهم انطلقوا في الآيات النازلة في الكفار فجعلوها في المؤمنين" [إرشاد الساري:٦٥٦٤]، قال الحافظ ابن حجر: "وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم: لا حكم إلا لله، انتزعوها من القرآن، وحملوها على غير محملها" [فتح الباري ٦\٩٦١]
  • تقديم الظنون العقلية على المقاصد الشرعية: يحاولون صبغ خيالاتهم السياسية بصبغة شرعية، زاعمين أن عقولهم أدركت مراد الله الذي غاب عن كبار الأئمة والفقهاء عبر القرون.

الخلاصة

يثبت استقراء التاريخ أن التكفير وباء منهجي يقتات على الجهل بعلوم الوحي وبتر النصوص عن سياقاتها، ولن تفكك هذه الأفكار الشاذة إلا بالعودة الصادقة إلى المرجعية العلمية الراسخة والمنهج الأزهري الوسطي؛ الذي يعلي من شأن فقه الواقع والموازنات، ويحمي الأمة برفض تكفير أهل القبلة بذنب، فالإسلام جاء رحمة للعالمين ليعمر البنيان لا ليكون سيفًا على الرقاب.

موضوعات ذات صلة

الظروف التاريخية التي ولدت فيها أول بدعة تكفيرية في الإسلام جاءت عقب حادثة التحكيم بصفين

يعد ضبط أحكام التكفير من أوجب الواجبات العلمية لحماية جناب الدين وعصمة دماء المسلمين