Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فقه اليقين.. صيانة العقائد من غلو الظنون

الكاتب

هيئة التحرير

فقه اليقين.. صيانة العقائد من غلو الظنون

هل يصح تأسيس أصلٍ عقدي يُكفر مخالفه بناءً على أخبار الآحاد الظنية؟

لا يصح؛ فالعقيدة ركنٌ ثابتٌ لا يُنال إلا ببرهانٍ قاطع يورث اليقين، إن الخلط بين ظني الثبوت وبين قطعي الاعتقاد هو المدخل الذي ينساق خلفه الغلاة، بينما يقتضي المنهج العلمي التفريق الجلي بين ما يكتفى فيه بالظن الراجح في الأحكام العملية، وبين ما يتطلب الجزم في أصول الاعتقاد التي لا يسوغ فيها التكفير أو التبديع بمجرد التخرص.

منهجية (التثبت) لا مسلك (التحكم) في التلقي المعرفي

يُعلمنا الإمام الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية) درسًا بليغًا في أدب التلقي عن الوحي؛ حيث يقرر أنَّ أصول الدين التي عُقد عليها الإيمان، والتي يُطالب فيها المكلف بالقطع والجزم، لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تُبنى على (أخبار الآحاد) المجردة عن القرائن، والعلة في ذلك أنَّ ما احتمل الخطأ أو الوهم في نقله لا ينهض لتأسيس أصلٍ عقدي يُكفر جاحده أو يُفسق مخالفه، إنَّ هذا المسلك الأصولي الرصين هو في جوهره (قمة التعظيم للسنة المشرفة)؛ إذ يضع كل خبر في مقامه اللائق به دون اعتساف، فالعمليات والعبادات يُكتفى فيها بالظن الراجح تيسيرًا على الأمة، أما العقائد التي هي (أساس النجاة) ومناط السعادة الأبدية، فتطلب اليقين الذي لا يتطرق إليه الاحتمال ولا يعتريه الشك، امتثالًا لقول الحق سبحانه: {‌وَلَا ‌تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡءُولࣰا} [الإسراء: ٣٦]، فالعلم في باب الاعتقاد هو الركيزة التي لا يغني عنها مجرد التخمين أو التخرص.

فقه الإمام البخاري ودحض أوهام التكفير باسم السنة

حين بوّب أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري في (صحيحه) لخبر الواحد الصدوق، كان يرمي ببصيرته النافذة إلى الخبر الذي لم يعد فردًا مجردًا، بل هو الخبر الذي احتفت به القرائن، وتلقته الأمة بالقبول، واعتضد بشواهد الشرع حتى أورث (العلم النظري) في نفوس العلماء، وهو ما يخرجه من دائرة الاحتمال إلى رتبة الاحتجاج العقدي، أما تصوير الأمر - كما يفعله بعض المتشددين اليوم - بأنَّ كل خبر آحاد، مهما كانت رتبته أو تفرد راويه، يصح أن يُبنى عليه أصلُ الدين وتُسفك من أجله دماء الموحدين، فهو مسلكٌ غريب عن دقة المحدثين وجناية على منهج التثبت النبوي، إنَّ هؤلاء المتطرفين الذين يستخدمون (أحاديث الآحاد) لتفسيق وتبديع السواد الأعظم من المسلمين، قد حوّلوا نصوص الوحي من أدوات للهداية إلى سياطٍ لتمزيق وحدة الأمة، متناسين أنَّ البخاري والعلماء من بعده كانوا يتثبتون في أحاديث العقائد والصفات ما لا يتثبتون في غيرها، إجلالًا لجناب الألوهية أن يُنسب إليه ما لم يثبت بطريقٍ قطعي لا ريب فيه.

تحرير دعوى الإجماع وتفكيك بنية الغلو المعاصر

لقد حاول بعض الغلاة، قديمًا وحديثًا، ادعاء إجماعٍ موهوم على عدم التفرقة بين (باب الطلب) و(باب الخبر)؛ أي بين الأحكام العملية والعقائد العلمية، وهي دعوى ينسفها التحقيق العلمي الدقيق الذي سطره الإمام البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات)؛ حيث قرر بوضوح أنَّ أهل النظر والتحقيق تركوا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله - تعالى - إذا لم يكن لها أصلٌ محكم في الكتاب أو الإجماع، واشتغلوا بتأويلها صيانةً للتوحيد من مشابهة المخلوقين، إنَّ التشدد المعاصر الذي يرمي جماهير الأمة وعلماءها بـالشذوذ لأنهم فرقوا بين (اليقين) و(الظن)، هو عين الانحراف الفكري الذي يجهل مراتب الأدلة؛ فالعقيدة في الإسلام (علمٌ) والآحاد في ذاته (ظن)، والظن لا يغني من الحق شيئًا في مقام القطعيات، ومن هنا فإنَّ حصر الحق في فهمٍ أحادي مبني على أخبارٍ ظنية هو بوابة الإقصاء التي لا تؤدي إلا إلى تكفير المجتمعات وهدم صروح العلم التي شيدها الأئمة عبر القرون، وتشويه صورة الإسلام الوسطي بصبغةٍ من الجمود والجهل.

حرمة المسلم وأمان الديانة في مواجهة التخرص بغير علم

إنَّ النتيجة الكارثية والمآل الخطير لتسوية الظني بالقطعي في باب الاعتقاد هي (استباحة الأعراض والدماء) تحت ستار الغيرة على الدين؛ فإذا جُعل خبر الآحاد الظني أصلًا عقديًّا مساويًا للقرآن، صار كل من تأول هذا الخبر أو توقف فيه (كافرًا أو مبتدعًا)، وهذا هو الجحر الذي انطلق منه فكر (الخوارج) قديمًا وحديثًا، إنَّ المنهج الأزهري الوسطي المستنير يقرر بقوة أنَّ (إسلام المسلم يقين) ثبت بشهادة الحق، واليقين لا يزول بظن خبر آحاد لم تكتمل شروط قطعيته، ومن ثمَّ فلا يجوز معاداة المسلمين أو موالاتهم بناءً على مسائل ظنية يسوغ فيها الخلاف، إنَّ حماية الأمة من التفكك تبدأ من احترام (هرمية الأدلة)، وصيانة عقول الشباب من الاندفاع خلف الحماسة الجاهلة التي تخلط بين (رواية الثقة) وبين (القطع بالمراد)، فالحق أبلج، والباطل لَجلج، والوقوف عند حدود ما قطعت به الشريعة هو الحصن المنيع والدرع الحامي ضد عواصف التطرف الديني التي تهب على أوطاننا بغير هدى ولا كتاب منير.

الخلاصة

إنَّ خبر الآحاد حجةٌ غالية في العمل، وعمادٌ أصيل في السلوك والفضائل، لكنه في أصول الاعتقاد الكبرى يفتقر إلى القرائن الحافة التي ترفعه لمقام اليقين والقطع؛ فالدين برهانٌ ونور، وليس تخمينًا أو تخرصًا بالأوهام، والتحقيق العلمي الذي يفرق بين (الظن الراجح) و(العلم اليقيني) هو الترياق الوحيد الذي يقطع دابر الغلو، ويحفظ للأمة توازنها، وللمسلمين حرمتهم، وللسنة النبوية جلالها في قلوب المؤمنين.

موضوعات ذات صلة

إنَّ التفريق بين مراتب الأدلة هو صمام الأمان الذي يحمي جناب التوحيد من مجازفات الغلاة.

إنَّ الشريعةَ الغراء ما جاءت إلا لصيانةِ الإنسانِ إيجادًا وإمدادًا.

 إن الشريعة الإسلامية ليست فضاءً مستباحًا للأهواء؛ بل هي نظامٌ إلهي مُحكم قوامه (الشروط).

موضوعات مختارة