كان المسجد دائمًا قلب الحياة الإسلامية، لكن الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، نظرت إليه بعين مختلفة؛ ليس كمكان للعبادة والسكينة، بل كمنصة مثالية للتجنيد والتعبئة وحشد التأييد.
يروي الدكتور طارق البشبيشي -القيادي المنشق عن الجماعة- كيف بدأ مشواره معها حين كان شابًا يافعًا، موضحًا أنه كان مواظبًا على صلاة الجماعة في المسجد القريب من بيته، فتعرف على أحد رواد المسجد، ثم تطورت العلاقة إلى لقاءات في مساجد بعيدة، وهكذا بدأت رحلة التجنيد داخل التنظيم [انظر: برنامج "مراجعات"، قناة العربية، حلقة ١٢ يناير ٢٠٢٥].
ولم تكن هذه مجرد صدفة، بل استراتيجية ممنهجة اعتمدت على ما يُعرف بـ"جلسات الأشبال" داخل المساجد، لاستقطاب الشباب في سن مبكرة.
ويؤكد البشبيشي أن المسجد كان بالنسبة للإخوان مصيدة لاصطياد الأعضاء الجدد، حيث كانوا يتحايلون على إقامة جلساتهم فيه بالتقرب من الإمام والثناء على كلامه، ثم يبدؤون في غسل أدمغة المصلين تدريجيًا [انظر: برنامج "نظرة"، قناة صدى البلد، حلقة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٥].
هذا الأسلوب في الاستقطاب لم يكن وليد الصدفة، بل كان جزءًا من عقيدة راسخة ترى في المسجد أداة للنفوذ، وليس بيتًا للعبادة فحسب.
ويشير ثروت الخرباوي -المحامي المنشق عن الجماعة ومؤلف كتاب "سر المعبد"- إلى أن المساجد كانت المدارس الأولى لبناء الوعي الإخواني، حيث كان يتم تمرير الأفكار المتطرفة تحت غطاء الدروس الدينية والمحاضرات، قبل أن تتحول إلى أدوات للتحريض السياسي والعنف، ويكشف الخرباوي في كتابه "سر المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين" - الصادر عن دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الثالثة، ٢٠١٢ م- كيف أن التنظيم حوّل دور العبادة إلى "معابد" سرية لخدمة أهدافه السياسية، واصفًا إياها بأنها ليست المساجد التي نعبد الله فيها، بل "بيوت العُصْبَةِ المسلمة" التي تُستخدم لتنفيذ أجندة التنظيم [انظر: سر المعبد، الخرباوي].
وقد أكد الكاتب محمد جابر دلول في قراءته لمذكرات عبد العزيز كامل أن هذا الاستغلال للمساجد لم يكن مجرد ممارسة عابرة، بل كان جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى إخضاع الدين للسياسة، وتحويل مؤسسات العبادة إلى ثكنات لتجنيد العناصر وتنفيذ أجندة التنظيم [انظر: منشور محمد جابر دلول، فيسبوك، ٢٠٢٦].