Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإرهاب الفكري باسم الدين قراءة في أساليب الجماعات المتطرفة

الكاتب

هيئة التحرير

الإرهاب الفكري باسم الدين قراءة في أساليب الجماعات المتطرفة

إن من أخطر أنواع الإرهاب هو "الإرهاب الفكري" المُغلف بالدين، الذي يقتل الروح قبل الجسد ويهدم المجتمعات من الداخل، متسللاً بهدوء عبر المنابر والمساجد والكتب؛ ليعيد تشكيل الوعي، ويُحوّل الأفراد إلى أدوات طيِّعة، وتستعرض هذه القراءة أساليب الجماعات المتطرفة في توظيف الدين، معتمدة على شهادات من عايشوا التجربة من الداخل، وكشفوا خفايا التنظيم الذي استغل قدسية الدين لتحقيق أطماعه في السلطة والتمكين.

استغلال المساجد لتحويل العبادة إلى تعبئة سياسية

كان المسجد دائمًا قلب الحياة الإسلامية، لكن الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، نظرت إليه بعين مختلفة؛ ليس كمكان للعبادة والسكينة، بل كمنصة مثالية للتجنيد والتعبئة وحشد التأييد.

يروي الدكتور طارق البشبيشي -القيادي المنشق عن الجماعة- كيف بدأ مشواره معها حين كان شابًا يافعًا، موضحًا أنه كان مواظبًا على صلاة الجماعة في المسجد القريب من بيته، فتعرف على أحد رواد المسجد، ثم تطورت العلاقة إلى لقاءات في مساجد بعيدة، وهكذا بدأت رحلة التجنيد داخل التنظيم [انظر: برنامج "مراجعات"، قناة العربية، حلقة ١٢ يناير ٢٠٢٥].

 ولم تكن هذه مجرد صدفة، بل استراتيجية ممنهجة اعتمدت على ما يُعرف بـ"جلسات الأشبال" داخل المساجد، لاستقطاب الشباب في سن مبكرة.

ويؤكد البشبيشي أن المسجد كان بالنسبة للإخوان مصيدة لاصطياد الأعضاء الجدد، حيث كانوا يتحايلون على إقامة جلساتهم فيه بالتقرب من الإمام والثناء على كلامه، ثم يبدؤون في غسل أدمغة المصلين تدريجيًا [انظر: برنامج "نظرة"، قناة صدى البلد، حلقة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٥].

 هذا الأسلوب في الاستقطاب لم يكن وليد الصدفة، بل كان جزءًا من عقيدة راسخة ترى في المسجد أداة للنفوذ، وليس بيتًا للعبادة فحسب.

ويشير ثروت الخرباوي -المحامي المنشق عن الجماعة ومؤلف كتاب "سر المعبد"- إلى أن المساجد كانت المدارس الأولى لبناء الوعي الإخواني، حيث كان يتم تمرير الأفكار المتطرفة تحت غطاء الدروس الدينية والمحاضرات، قبل أن تتحول إلى أدوات للتحريض السياسي والعنف، ويكشف الخرباوي في كتابه "سر المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين" - الصادر عن دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الثالثة، ٢٠١٢ م- كيف أن التنظيم حوّل دور العبادة إلى "معابد" سرية لخدمة أهدافه السياسية، واصفًا إياها بأنها ليست المساجد التي نعبد الله فيها، بل "بيوت العُصْبَةِ المسلمة" التي تُستخدم لتنفيذ أجندة التنظيم [انظر: سر المعبد، الخرباوي].

وقد أكد الكاتب محمد جابر دلول في قراءته لمذكرات عبد العزيز كامل أن هذا الاستغلال للمساجد لم يكن مجرد ممارسة عابرة، بل كان جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى إخضاع الدين للسياسة، وتحويل مؤسسات العبادة إلى ثكنات لتجنيد العناصر وتنفيذ أجندة التنظيم [انظر: منشور محمد جابر دلول، فيسبوك، ٢٠٢٦].

التكفير كسلاح لإبادة المخالفين وتجريدهم من الإنسانية

إن من أخطر ما تروّجه الجماعات المتطرفة هو فكر التكفير، ذلك السلاح الفكري الذي يُبيح دماء المخالفين، ويُجردهم من إنسانيتهم بحجة أنهم كافرون أو في جاهلية، هذا الفكر هو الأساس الذي يُبنى عليه العنف والإرهاب، وهو ما أكده المنشقون عن الجماعة.

يقول ثروت الخرباوي في حوار له: "لا يمكن الوصول إلى حل مع الإخوان؛ لأنهم يعتبرون الناس في جاهلية وكفر" [انظر: حوار الخرباوي مع "اليوم السابع"، ٣ فبراير ٢٠٢٦].

 هذه العبارة الموجزة تُلخص عقيدة الاستعلاء التي تغذيها الجماعة؛ حيث تنظر إلى نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للحق، وتعتبر كل من يخالفها -وإن كان مسلمًا- في دائرة الجاهلية والكفر؛ ما يُبرر لهم استباحة دمه وماله وعرضه.

ويؤكد الخرباوي في كتابه "سر المعبد" أن هذه النظرة التكفيرية ليست طارئة على الجماعة، بل هي متأصلة في فكر مؤسسها حسن البنا، الذي كان -حسب ما يوثقه الخرباوي- متأثرًا بأفكار الماسونية، وكان يتلقى دعمًا ماليًا من المحفل الماسوني في باريس لتمويل تنظيم الإخوان [انظر: سر المعبد، الخرباوي، دار نهضة مصر، الطبعة الثالثة، ٢٠١٢].

 هذه العلاقة الخفية تكشف عن بعد آخر للإرهاب الفكري؛ حيث تم تغذية التنظيم بأفكار دخيلة وأموال مشبوهة، لتتحول الحركة الإصلاحية المزعومة إلى أداة لتنفيذ أجندات خارجية، وهنا تبرز خطورة الفكر التكفيري الذي يتحول في عقيدة التنظيم إلى أداة لتبرير العنف وإسالة الدماء، تحت غطاء ديني زائف يستبيح أرواح المخالفين ويعتبرهم "كفارًا" أو "في جاهلية"، مما يُسقط عنهم حرمة الدم والعرض والمال.

العمل السري وقفزة العنف من غرف البيعة المظلمة إلى تصفية الخصوم

من أخطر الأساليب التي تعتمدها الجماعات المتطرفة هو العمل السري؛ حيث تُدار التنظيمات في الخفاء، بعيدًا عن أعين الرقابة والمجتمع؛ ما يُتيح لها التخطيط للعنف والإرهاب دون خوف من المحاسبة، وهذا ما كشف عنه الدكتور عبد العزيز كامل -عضو التنظيم الخاص "التنظيم السري" بالإخوان المسلمين ووزير الأوقاف الأسبق- في مذكراته التي ظلت حبيسة الأدراج أكثر من خمس عشرة سنة.

يكشف كامل في مذكراته "في نهر الحياة" - الصادرة عن المكتب المصري الحديث - تفاصيل صادمة عن اغتيال المستشار أحمد الخازندار في ٢٢ مارس ١٩٤٨م، على أيدي شابين من الإخوان [انظر: مذكرات عبد العزيز كامل (في نهر الحياة)]، ويُسجل في المذكرات احتدام الخلاف بين حسن البنا وعبد الرحمن السندي -زعيم التنظيم السري- حول مسؤولية الاغتيال؛ حيث قال البنا في جلسة تحقيق عاصفة: "إن كل ما صدر مني تعليقًا على أحكام الخازندار هو 'لو ربنا يخلصنا منه'، ولم أكلف أحدًا بتنفيذ ذلك، ففهم عبدالرحمن السندي هذه الأمنية على أنها أمر، واتخذ إجراءاته التنفيذية، وفوجئت بالتنفيذ" [انظر: مذكرات عبد العزيز كامل، المصدر السابق].

هذه الرواية تكشف عن خطورة الفكر التكفيري الضمني؛ حيث تتحول "الأمنيات" في عقيدة التنظيم إلى "أوامر" تنفيذية، ويُصبح العنف هو اللغة الوحيدة للتعامل مع المخالفين، ويشير كامل في مذكراته إلى عدم إيمان حسن البنا بمبدأ الشورى؛ ما يُظهر أن التنظيم كان يُدار بطريقة ديكتاتورية، تتعارض مع أبسط مبادئ الديمقراطية والعدالة، وتُبرز الطبيعة الاستبدادية للإرهاب الفكري الذي يرفض أي صوت يخالف هواه.

ويصف كامل طقوس البيعة في التنظيم السري، حيث كان العضو الجديد يُؤدى له البيعة في غرفة مظلمة أمام المصحف والمسدس، مما يُضفي على العملية طابعًا دينيًا غامضًا ورهبة لا توصف، ويعلق كامل على خطورة هذه الطريقة قائلاً: "نستطيع القول إن هذا الأسلوب كان أقرب إلى النظام الماسوني، أو الجماعات السرية التي أفرزتها عهود التآمر، وإذا كانت الأوامر تتعلق بعمليات عنف وقتل فمن الخطر أن تقوم على السمع والطاعة والكتمان، لأن هذا يعني أنه لن تتم مناقشة للأوامر ولا دوافع العمليات وأسباب القتل" [انظر: مذكرات عبد العزيز كامل "نهر الحياة"، الفصل الخاص بـ"التنظيم الخاص"].

ويُعقب الكاتب محمد جابر دلول على هذه الطقوس في مقال له بعنوان "الحزب السياسي الحديث والجماعة التنظيمية: لماذا تصطدم الجماعة بالدولة في الأصل؟" ، منشور على صفحته بموقع فيسبوك، قائلاً: "هذه ليست طريقة تأسيس 'حزب سياسي'، فالحزب السياسي الحديث لا يطلب من أعضائه البيعة في غرفة مظلمة على مصحف ومسدس، الحزب السياسي يطلب منك ملء استمارة، توقيع عقد قانوني، دفع اشتراك، لا غرف مظلمة، لا أغطية بيضاء، لا أقسام بالقتل" [انظر: محمد جابر دلول، "الحزب السياسي الحديث والجماعة التنظيمية: لماذا تصطدم الجماعة بالدولة في الأصل؟"، منشور على فيسبوك، ٢٠٢٦].

إعادة إنتاج الإرهاب من سيد قطب إلى التنظيمات الحالية

لا يمكن فهم الإرهاب الفكري باسم الدين دون العودة إلى سيد قطب، الذي مثّل علامة فارقة في تطور الفكر المتطرف، ففي كتابه "معالم في الطريق"، طوّر قطب فكرة "الحاكمية" ووسّع دائرة التكفير، لتشمل كل مجتمع لا يحكم بما أنزل الله على فهمه هو للحكم بما أنزل الله، مما حوّل المتدين إلى تكفيري ثم إلى قاتل.

ويشير الدكتور عبد العزيز كامل في مذكراته إلى "صدمة سيد قطب من ضحالة فكر قيادات الجماعة" [انظر: مذكرات عبد العزيز كامل (في نهر الحياة)، المصدر السابق]، مما يكشف عن وجود تيارات متطرفة داخل التنظيم نفسه، تتصارع على من هو الأكثر تطرفًا والأكثر استعدادًا لتكفير الآخرين، هذه الصدمة تعكس حالة من التطرف المتبادل؛ حيث يدفع كل تيار الآخر نحو مزيد من التشدد، في دوامة لا تنتهي من الإرهاب الفكري.

ويؤكد طارق البشبيشي أن الجماعة تتبنى مفهومي "الاستعلاء" و"أستاذية العالم"، وتنظر إلى نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للإسلام الصحيح [انظر: برنامج "مراجعات"، قناة العربية، حلقة ١٢ يناير ٢٠٢٥]، هذه النظرة الاستعلائية تُمثل جوهر الإرهاب الفكري؛ لأنها تُلغي أي إمكانية للحوار أو التعايش مع الآخر، وتُبرر لكل عنصر في التنظيم أن يُمارس العنف باسم الدين.

الدولة المصرية في مواجهة الإرهاب الفكري

أدركت الدولة المصرية، بعد تجربة مريرة، أن مواجهة الإرهاب الفكري لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب المسلح، فالإرهاب الفكري هو المنبع الذي تستقي منه التنظيمات المتطرفة شرعيتها، وهو الوقود الذي يحرّك آلة العنف، وقد اتخذت الدولة عدة إجراءات لمواجهة هذا النوع من الإرهاب، كان أبرزها:

١- استعادة المساجد من قبضة الجماعات المتشددة، وفرض سيطرتها عليها، ومنع أية جهة غير الجهات الرسمية كالأوقاف والأزهر من إلقاء الدروس أو جمع التبرعات داخل المساجد.

٢- توحيد خطبة الجمعة وقصرها على المساجد الكبرى، لتجنب الخوض في أمور سياسية من منظور مغلوط أو لصالح أجندات جماعاتية، وقصر الخطب والدروس على الأزهريين فقط.

٣- إصدار تشريعات رادعة تجرم استغلال المساجد في الأنشطة السياسية أو التحريض على العنف.

٤- تفعيل دور الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف في تجديد الخطاب الديني ونشر الفكر الوسطي المستنير، وتأهيل الأئمة علميًا وفكريًا لمواجهة الأفكار المتطرفة، كما تبنت وزارة الأوقاف حملة "صحح مفاهيمك" لتفكيك المفاهيم الفكرية المغلوطة، التي روجت لها بفهم مغلوط جماعات التطرف خلال الفترات الماضية، كالتكفير والجهاد والتدين بالحماس الأهوج والتنزيل الخاطئ للآيات، إلى غير ذلك.

الخلاصة

الإرهاب الفكري باسم الدين هو أخطر أنواع الإرهاب؛ لأنه يضرب جذور المجتمع، ويُعيد تشكيل وعي الأفراد، ويُحوّل الدين من رسالة سلام ومحبة إلى أداة للقتل والتدمير، وقد كشفت شهادات المنشقين عن الجماعات المتطرفة -أمثال ثروت الخرباوي وطارق البشبيشي وعبد العزيز كامل- عن أساليب هذه الجماعات في استغلال المساجد، وتوظيف فكر التكفير، وإدارة التنظيمات السرية، وإعادة إنتاج التطرف عبر الأجيال.

 إن مواجهة هذا الإرهاب تتطلب وعيًا مجتمعيًا بقدر ما تتطلب إجراءات أمنية وتشريعية، إنها معركة فكرية قبل أن تكون معركة سياسية، وحماية العقول من التطرف هي الضمان الحقيقي لاستقرار المجتمعات وأمنها.

موضوعات ذات صلة

التطرف والإرهاب يمثلان تهديدًا شاملًا للمجتمعات.

رفضٌ مطلقٌ لكل أشكال الغلو الفكري أو السلوكي أو العنيف.

الجماعات المتطرفة غالبًا ما تتخذ موقفًا سلبيًا أو عدائيًا من حب الوطن والانتماء الوطني

كيف يمكن أن يتحول مفهوم ديني تاريخي إلى رؤية تصادمية تهدد استقرار المجتمعات؟ 

كشفت ثورة ٣٠ يونيو أن الشعوب الواعية وحدها قادرة على مواجهة الغفلة وصناعة المستقبل.