وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تهل علينا ذكرى تحرير سيناء لتوقظ في القلوب معاني الانتماء والفداء، ولتؤكد لنا أن الله تعالى جعل حب الأوطان والغيرة عليها أمرًا فطريًا وغريزة بشرية، فحب الأوطان من صميم الإيمان بالله عز وجل، وتتعاظم هذه القيمة وتشتد حينما يكون لهذا الوطن قدسية ومكانة خاصة عند الخالق جل وعلا، ومن الأوطان العزيزة التي تتربع في قلب كل مسلم وعربي أرض "سيناء" المباركة، تلك البقعة الطاهرة التي خلدها الله عز وجل بذكرها في كتابه الكريم، وجعلها مسرى ومستقرًا لكثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفي ظلال هذه الذكرى الوطنية العطرة، تبرز أهمية الحديث عن "مكانة سيناء في الإسلام" من خلال استعراض حضورها في القرآن الكريم، وتاريخها مع الأنبياء، ومسيرتها عبر التاريخين الإسلامي والحديث، وصولًا إلى فهم طبيعة الأطماع التي تحيط بها، وطباع من يتربصون بها، وختامًا ببيان الواجب المقدس الملقى على عاتق الأمة تجاه أوطانها.
لقد حظيت سيناء بتشريف إلهي عظيم تجلى في ذكرها صراحة وضمنًا في آيات محكمات من القرآن الكريم، حيث أقسم الله بها في سورة التين قائلًا: ﴿وَٱلتِّینِ وَٱلزَّیۡتُونِ * وَطُورِ سِینِینَ * وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِینِ﴾ [التين: ١-٣]، كما خلد ذكر شجرتها المباركة في سورة المؤمنون بقوله: ﴿وَشَجَرَةࣰ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَیۡنَاۤءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغࣲ لِّلۡءَاكِلِینَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، ومعناها الشجرة التي تنشأ لتخرج من طور سيناء وهي الزيتون، وقد تنوعت قراءات وتفسيرات السلف لمعنى "سيناء" و"سينين"؛ فقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو بكسر السين وقرأ آخرون بفتحها، وفسر مجاهد، وقتادة، والضحاك الكلمة بأنها تعني البركة أو الجبل الحسن، بينما أشار عكرمة، والكلبي، ومقاتل إلى ارتباط الاسم بالشجر الملتف والمثمر بلغات مختلفة كالحبشية والنبطية والسريانية، وقيل إنها من "السناء" أي الارتفاع، وإلى جانب الذكر الصريح، توالى ذكر سيناء ضمنًا بلفظ "الطور" في آيات عدة تفصل أحداثًا عظيمة، كأخذ الميثاق، ورفع الجبل في سورتي البقرة والنساء، ونداء الوحي لموسى عليه السلام من الجانب الأيمن في سور مريم، وطه، والقصص، بل وأفرد الله سورة كاملة سميت بـ "الطور".
وتنبع مكانة سيناء في الإسلام من كونها ليست مجرد مساحة جغرافية تتشكل من ستة بالمائة من مساحة مصر، بل هي قطعة حية من التاريخ والأسطورة وقصص الأديان السماوية، وسدٌ منيع وعقبة في وجوه الأعداء قديمًا وحديثًا، إنها أرض شهود الوحي الإلهي وأول حوار دار بين الله تعالى ونبيه موسى، حيث ينفرد "جبل الطور" من بين جبال الأرض ليشهد هذا التجلي في البقعة المباركة والوادي المقدس "طوى"، وعلى هذه الأرض الطاهرة نزلت الألواح على سيدنا موسى عليه السلام متضمنة التوراة التي كانت هدى ونورًا، وشهدت أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل حين رُفع الجبل فوقهم كأنه ظلة، وفيها نزلت "الوصايا العشر" الجامعة لدروس الآداب الدينية وحجج الله الأدبية، ولم تقتصر بركات سيناء على الجانب الروحي، بل شملت الخير والنماء الاقتصادي المتمثل في شجرة الزيتون المباركة، وتفجر إحدى عشرة عينًا من عيون الماء لسقيا أسباط بني إسرائيل، ونزول المن والسلوى، قبل أن يُكتب عليهم التيه في أوديتها أربعين عامًا جزاءً لعصيانهم.
ولقد زاد الله سيناء تشريفًا بأن جعلها معبرًا وملاذًا لكوكبة من أولي العزم والأنبياء؛ فقد شق أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام طريقه خلالها مع زوجته سارة قادمًا من بلاد الرافدين إلى مصر، وعاد منها متخذًا سيناء طريقًا ومعه زوجته هاجر "أم إسماعيل" التي تنحدر من مدينة الفرما بشمال سيناء، كما وطأ أرضها سيدنا يوسف الصديق وأبوه يعقوب عليهما السلام وأسباط بني إسرائيل، فعلى أرض العريش فصلت العير وانطلقت رائحة قميص يوسف لتصل إلى فلسطين حاملة بشريات الشفاء والنور لعين يعقوب، وإليها لجأ سيدنا موسى الكليم عليه السلام هربًا من فرعون، وفيها تلقى الرسالة، وعلى شواطئها تجلت معجزة شق البحر لنجاة المؤمنين وهلاك الظالمين، ومنها انطلق للقاء العبد الصالح الخضر ليتعلم ما لم يحط به خُبرًا. وعلى ذات الدرب المقدس، سارت السيدة مريم العذراء وابنها المسيح عيسى عليهما السلام في رحلة هروبهم من بطش الرومان ووشاية اليهود، متخذين من سيناء بوابة للوصول إلى بر الأمان في مصر.
وعبر التاريخ الإسلامي والحديث، ظلت سيناء درعًا وحصنًا وبوابة للفتح والمجد؛ فقد جاء الفاتحون المسلمون بقيادة عمرو بن العاص عبر سيناء، لتشهد أرضها إقامة أول صلاة لعيد الأضحى المبارك في مصر منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، ولتصبح معبرًا بشريًا للقبائل العربية النازحة للاستقرار في مصر وشمال أفريقيا خلال العصرين الأموي والعباسي، وفي فترات المحن، تصدت سيناء للغزو الصليبي وللأطماع المتوحشة لأمراء أمثال "أرناط"، مما دفع القائد صلاح الدين الأيوبي لتعمير قلعتها وميناء الطور لحماية حركة التجارة والحجاج، ومن سيناء خرجت جيوش السلطان سيف الدين قطز لكسر شوكة المغول في معركة "عين جالوت" الخالدة، وفي العصر الحديث، استمرت سيناء ساحة للبطولات والفداء، بدءًا من التصدي للعدوان الثلاثي عام ١٩٥٦م والمقاومة الشعبية الباسلة، مرورًا باحتلالها في عام ١٩٦٧م، وصولًا إلى الملحمة الكبرى في أكتوبر ١٩٧٣م حيث استطاع جيش مصر العبور وتحطيم أسطورة العدو، مما مهد الطريق لاستعادة سيناء كاملة تتويجًا لصمود الأمة.
وإن فهمنا لتاريخ سيناء لا يكتمل إلا بإدراك الأطماع من الأعداء التي تحوم حولها؛ حيث ينظرون إليها كجزء من مقدساتهم، ويربون أجيالهم على أساطير تدمج سيناء ضمن "المملكة الموعودة" الممتدة من الرافدين إلى النيل، وهذه الأطماع ترتبط ارتباطًا وثيقًا بطباعهم التي كشفها القرآن الكريم وفضح زيفها لتحذير المؤمنين من كيدهم؛ فهم أهل عناد وتمرد، طلبوا رؤية الله جهرة فأخذتهم الصاعقة، وتجرؤوا على الذات الإلهية بوصف الله بالفقر والبخل، وهم أشد الناس عداوة وحسدًا لأهل الإيمان رغم معرفتهم بالحق كما عرفوا النبي ﷺ وتيقنوا من صدقه، وقد اتصفوا بالجبن والتعلق بالحياة الدنيا لدرجة أنهم لا يقاتلون إلا من وراء جدر، واشتهروا بالفساد في الأرض وقسوة القلوب التي تجلت في مجازرهم البشعة كما فعلوا بأبنائنا في مدرسة بحر البقر الابتدائية، مما يجعل الحذر منهم واجبًا عقائديًّا وتاريخيًّا ووطني؟ًا.
وأمام هذه التحديات وهذه الأطماع، يتأكد واجب الأمة تجاه أوطانها، ويبدأ هذا الواجب بإصلاح النفس والمجتمع وإحياء الإيمان، لأن النصر والتمكين كان دائمًا حليفًا للمؤمنين الصادقين، كما يقتضي الواجب فهمًا عميقًا لطبيعة المعركة مع العدو، والعمل على نهضة الأوطان في شتى المجالات، ولا مناص من وحدة الصف ونبذ التنازع الذي يورث الفشل والهزيمة، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ﴾ [آل عمران: ١٠٣] وختامًا، يأتي الواجب الأهم وهو قتل الهزيمة النفسية وبث روح الأمل والتفاؤل في القلوب، فاليأس محرم شرعًا، وهو من أخطر ألوان الهزيمة، لتبقى ذكرى تحرير سيناء نبراسًا يضيء طريق الأمة نحو التمسك بأرضها، واثقة بنصر الله ووعده الذي لا يتخلف.
تتجلى في هذه الذكرى الخالدة أعظم دروس الانتماء واليقين، مؤكدة أن صون سيناء وحمايتها يمثل عهدًا أبديًا في رقبة كل وطني مخلص، وستبقى أرض الفيروز بإذن الله حصنًا منيعًا وشاهدًا حيًا على قوة الإرادة في قهر التحديات، ونبراسًا يضيء طريق الأجيال نحو البناء والسلام.
كانت سيناء مطمعًا للغزاة عبر آلاف السنين بسبب موقعها الذي يربط آسيا بإفريقيا.
ليلة لم يشهد الزمان لها مثيلًا، كانت فيها أرض سيناء تشهد حدثًا لا يتكرر.
لماذا اختار الله سيناء دون غيرها من البقاع لتكون أرض المناجاة لكليمه موسى ومهبطًا للتوراة؟
كيف اجتمع التاريخ والدين في أرض واحدة لتصنع ملحمة وطنية خالدة؟
تحرير سيناء الحبيبة يمثل إعادة هيكلة جذرية للبناء الاجتماعي للدولة المصرية.