وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إنَّ المتأمل في مقاصد الشريعة الإسلامية الغرَّاء يدرك بجلاء اليقين أن العبادات في الإسلام لم تُشرع لتكون مجرد طقوسٍ ظاهرة أو حركاتٍ مجردة عن المعنى والمآل؛ بل جُعلت لتكون محطاتٍ كبرى لتزكية النفوس وإعادة بناء الإنسان صياغةً وتوجيهًا، مصداقًا لقول الحق - سبحانه وتعالى - في الغاية من المناسك: ﴿لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ﴾ [الحج: ٢٨]، وهي منافع عامة تجمع بين صلاح الدين وصلاح الدنيا.
ومن ركام الرحلة الإيمانية الكبرى، رحلة الحج، تتجلى فلسفة التغيير في أبهى صورها؛ حيث يغادر الحجيج ديارهم تلبيةً للنداء العلوي، ليعودوا محمّلين بأثر العبادة قبل مظاهر العادة، محققين النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في قوله: «من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجعَ كيومِ ولدتهُ أمُّه» [البخاري: الصحيح، (١٥٢١) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه].
وللحج المبرور علامات لا تخفى؛ فقد قيل للإمام الحسن البصري: "الحج المبرور جزاؤه الجنة؟ قال: آية ذلك أن يرجع زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة"، وقيل له: "جزاؤه المغفرة؟ قال: آية ذلك أن يدع سيئ ما كان عليه من العمل" [ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف، ص ٦٢].
ومع انقضاء أيام التشريق ورحيل قوافل الحجاج عائدين إلى بلدانهم، تزدحم الساحات والأروقة بتبادل العطايا المادية؛ من سجاجيد للصلاة، وعطور ذكية، وتمور عجوةٍ مباركة؛ بيد أن هناك هبةً استثنائية، عابرة لحدود المادة، يحملها الحاج في وعائه المادي وفي وجدانه الروحي على حد سواء، ألا وهي ماء زمزم.
إنَّ ماء زمزم في المنظور الإسلامي ليس مجرد سائلٍ لقطع الظمأ أو لنيل الشفاء العضوي فقط، بل هو رمزٌ لتدفق اليقين في صحراء القلوب الجافة؛ إنَّه يعيدنا، بالمعنى المعرفي والروحي، إلى لحظة الامتثال المطلق لرب العالمين، يوم أن تركت أمُّنا هاجر وليدها في وادٍ غير ذي زرع، مستندةً إلى ركنٍ شديد: "آللَّهُ الذي أمَرَكَ بهذا؟ قال: نَعَم، قالت: إذَن لا يُضَيِّعُنا" [البخاري: الصحيح، (٣٣٦٤) عن ابن عباس، رضي الله عنهما]، هذا المشهد الذي خلّده القرآن الكريم في دعاء الخليل إبراهيم - عليه السلام: ﴿رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡءِدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
ومن هنا، فإن أولى الهدايا التي يتعين على الحاج أن يستصحبها معه لتبدو عيانًا على مسلكه هي هداية اليقين وحسن التوكل. إنَّ الارتواء من زمزم يفرض على الحاج ارتواءً قيميًّا يترجم عقيدته إلى سلوكٍ حيّ، فيعود إلى مجتمعه وقد تخلَّص من شُحِّ النفس والهلع على الرزق، مستحضرًا قول الله تعالى: ﴿وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ﴾ [الطلاق: ٣]، والاضطراب أمام عوارض الحياة، معلنًا استقامته كأثرٍ ملموس للحج المبرور الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: «وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ» [البخاري: الصحيح، (١٧٧٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه].
يقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» [ابن ماجه: السنن، (٣٠٦٢) من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما]، وفي رواية أخرى: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» [مسلم: الصحيح، (٢٤٧٣) من حديث أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه]
إنَّ هذه النصوص النبوية الشريفة تضعنا أمام مسؤولية فكرية وسلوكية؛ فإذا كان القاصدون يشربونه بنية الشفاء والبركة، فإنَّ الواجب يفرض على الحاج أن يشربه وينير به نفسه بنية تطهير الباطن من غوائل الغل والحسد والضغينة والبغضاء؛ لأن الغاية من الحج هي التقوى التي تطهِّر القلوب، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَٰتࣱۚ فَمَن فَرَضَ فِیهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُوا۟ مِنۡ خَیۡرࣲ یَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَیۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ یَٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
إنَّ هذا المعنى الارتوائي لا يقف عند حدود ذات الحاج فقط، بل يمتد ليكون فيضًا من العطاء والرحمة المتعدية؛ فالحاج الذي يحمل ماء زمزم ليوزعه على أهله وجيرانه وأحبابه ينبغي أن يستحضر قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ سَقْيُ الْمَاءِ» [ النسائي : السنن، (٣٦٦٤) من حديث سعد بن عبادة، رضي الله عنه ]، وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - في شأن الرفق والإحسان بالخلق: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» [البخاري: الصحيح، (٢٣٦٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه].
وهذا يؤصل في نفس الحاج فقهًا حضاريًّا قوامه أن الهداية الحقيقية التي عاد بها هي أن يكون هو نفسه سُقيا ونافعًا لكل من حوله؛ بكلمته الطيبة، ومواساته للمكروب، ومساندته للضعيف، فيتحول سلوكه إلى نبعٍ أخلاقيٍّ صافٍ لا ينضب نفعُه .
إنَّ هذا التجرد الأخلاقي الكامل، والانتقال بالباطن والظاهر إلى مراد الله، يتجسد عمليًّا في نموذج العارف بالله إبراهيم بن أدهم مع رفيقه الصالح الذي صحبه من بلخ؛ فرجع من حجه زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، وخرج من ملكه وماله وأهله، وقنع بالأكل من عمل يده كالحصاد ونظارة البساتين، بل إنه اشترط على أصحابه في السفر ألَّا يتكلم أحدهم إلا لله، ولا ينظر إلا له، حتى إذا طافوا بالبيت تذكَّر عهده وجرد قلبه من الأغيار حتى عن ولده وحشمه، منشدًا [ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف، ص ٦٢]:
هجرتُ الخلقَ طُرًّا في هواك ... وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا
فلو قطعتني في الحب إربًا ... لما حنَّ الفؤادُ إلى سواك
إنَّ الأمة اليوم، وهي تواجه تحدياتٍ فكريةً وسلوكيةً شتى، ليست بحاجةٍ إلى مجالس تهنئة تفيض بالمظاهر المادية المفرغة من جوهرها، بقدر حاجتها إلى الإنسان المتجدد؛ الحاج الذي يسير بين الناس بالعدل، ويمسك لسانه عن الخوض في الأعراض تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات: ١٢]، ويتحرى الحلال في مطعمه ومشربه امتثالًا للأمر الإلهي: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّیِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُوا۟ صَٰلِحًاۖ﴾ [المؤمنون: ٥١]، ويكون لبنة بناء لا هدم في نسيج وطنه ومجتمعه كالمؤمن الذي وصفه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [البخاري: الصحيح، (١٠) عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما].
إنَّ أواني زمزم التي تدخل بيوتنا مع عودة الحجاج يجب أن تتحول إلى مذكِّرات بصرية وروحية دائمة، تذكِّرنا بأن النفس التي تجردت في الميقات، وتضرعت في عرفات، لا يصح لها عقلًا ولا شرعًا أن تنكص على عقبيها فتلوِّث طهرها بآثام المعاصي والمشاحنات، أو ببذر شقاق الخلاف في المجتمع، حذرًا من الوقوع في مغبة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِی نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثࣰا﴾ [النحل: ٩٢].
فيا أيها الحاج المبارك، اجعل لسان حالك وفِعالك وأنت تهدي أحبابك من ماء زمزم الاستقامة، مستصحبًا قول الله تبارك وتعالى لنبيه الكريم: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَاۤ أُمِرۡتَ﴾ [هود: ١١٢]، ونادِ في أهلك: لقد جئتكم بقلبٍ صقلته الطاعات، ونفسٍ هداها رب الأرض والسماوات؛ فاقبلوا مني هداية استقامتي وبذلي في المجتمع، قبل أن تنظروا إلى ما تحمله حقائبي من متاع.
فالهدية المادية يفنيها الزمان، أما هداية السلوك والاستقامة فهي الأثر الباقي الذي يمتد نوره ليضيء حاضر الأمة ومستقبلها، مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَیَذۡهَبُ جُفَاۤءࣰۖ وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الرعد: ١٧].
إنَّ غاية العبادات في الإسلام تكمن في إحداث نقلةٍ سلوكية تنعكس على واقع الأمة، وإنَّ بركة ماء زمزم التي يستصحبها الحجاج لا تكتمل في نفوسهم وحقائبهم إلا إذا تحولت إلى عهدٍ وثيق يعيد صياغة المعاملات الإنسانية على قيم الاستقامة والبذل والعدل؛ وبذلك ينتقل الحج من مجرد رحلة مناسك ومظاهر مادية عابرة إلى مشروع بناءٍ حضاري يرتوي منه المجتمع خُلقًا ونفعًا ممتدًّا.
ماء زمزم معجزة مباركة، شفاء للأمراض، ومستجاب الدعاء عند شربه.
الحجّ هو قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.
مع إطلالة شهر ذي القعدة، ندخل في زمن عظيم ومرحلة مفصلية من مراحل العام الهجري
الكعبة المشرفة بنيت قبل سيدنا إبراهيم – عليه السلام- ثم رفع قواعدها مع إسماعيل– عليه السلام.