توقف شراح الحديث طويلًا عند هذا النص، واستخرجوا منه
دررًا تفسر علة هذا الفضل وتوضح أسباب موازاته للهجرة، ويمكن تلخيص استنباطاتهم في
مسارين:
١. بيان علة الفضل في أزمنة الغفلة
الفضل هنا يكمن في مخالفة هوى النفس ومقاومة التيار
الجارف من الانشغالات؛ حيث يقول الإمام النووي - رحمه الله: "الْمُرَادُ
بِالْهَرْجِ هُنَا الْفِتْنَةُ وَاخْتِلَاطُ أُمُورِ النَّاسِ وَسَبَبُ كَثْرَةِ
فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَنَّ الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها
إلا أفراد" [شرح النووي على مسلم (١٨/
٨٨)].
ويغوص بنا الإمام القرطبي - رحمه الله - في بيان الدلالة
النفسية قائلًا: " المتمسك بالعبادة في ذلك الوقت، والمنقطع إليها المعتزل عن
الناس، أجره كأجر المهاجر إلى النبي ﷺ؛
لأنَّه يناسبه من حيث أن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بالنبي ﷺ،
وكذلك هو المنقطع للعبادة، فر من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على
التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه" [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم
(٧ / ٣٠٩)].
٢، وجه الشبه بين المتمسك بعبادته والمهاجر
وقد استنبط العلماء أن الهجرة في جوهرها انتقال من
بيئة الغفلة إلى بيئة الطاعة.
حيث بين الحافظ ابن رجب الحنبلي عند تتبعه
لغربة الدين أن المهاجر فر بجسده ودينه إلى النبي ﷺ،
بينما العابد في الفتنة يفر بقلبه وعمله إلى الله، فيكون غريبًا بين الناس، تمامًا
كغربة المهاجر الأول، فقال - رحمه الله: "وسببُ ذلكَ أن النَّاسَ في زمنِ
الفتنِ يَتَّبِعونَ أهواءَهُم ولا يَرْجِعونَ إلى دينٍ، فيَكونُ حالُهُم شبيهًا
بحالِ الجاهليَّةِ، فإذا انْفَرَدَ مِن بينِهِم مَن يَتَمَسَّكُ بدينِهِ ويَعْبُدُ
ربَّهُ ويَتَّبعُ مراضِيَهُ ويَجْتَنِبُ مساخطَهُ؛ كانَ بمنزلةِ مَن هاجَرَ مِن
بين أهلِ الجاهليَّةِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ مؤمنًا
بهِ متَّبعًا لأوامرِهِ مجتنبًا لنواهيهِ".
ومنها: أنَّ المنفردَ بالطَّاعةِ بينَ أهلِ المعاصي
والغفلةِ قد يُدْفَعُ بهِ البلاءُ عن النَّاسِ كلِّهِم، فكأنَّهُ يَحْميهِم
ويُدافِعُ عنهُم.
وفي حديثِ ابن عُمَرَ الذي رَوَيْناهُ في (جزءِ
ابن عَرَفَةَ) مرفوعًا: "ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالذي يُقاتِلُ عن
الفارِّينَ، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالشَّجرةِ الخضراءِ في وسطِ الشَّجرِ الذي
تَحاتَّ ورقُهُ مِن الصَّريدِ (والصَّريدُ: البردُ الشَّديدُ)، وذاكرُ
اللهِ في الغافلينَ يُغْفَرُ لهُ بعددِ كلِّ رطبٍ ويابسٍ، وذاكرُ اللهِ في
الغافلينَ يَعْرِفُ مقعدَهُ في الجنَّةِ"، قالَ بعضُ السَّلفِ: "ذاكرُ اللهِ في
الغافلينَ كمَثَلِ الذي يَحْمي الفئةَ المنهزمةَ، ولولا مَن يَذْكُرُ الله في
غفلةِ النَّاسِ؛ لَهَلَكَ النَّاسُ".
رَأى جماعةٌ مِن المتقدِّمينَ في منامِهِم كأنَّ
ملائكةً نَزَلَتْ إلى بلادٍ شتَّى، فقالَ بعضُهُم لبعضٍ: اخْسِفوا بهذهِ القريةِ،
فـقالَ بعضُهُم: كيفَ نَخْسِفُ بها وفلانٌ فيها قائم يُصَلِّي؟
ورَأى بعضُ المتقدِّمينَ في منامِهِ مَن يُنْشِدُ:
لَوْلا الَّذينَ لَهُمْ وِرْدٌ
يُصَلونا … وَآخَرونَ لَهُمْ سَرْدٌ يَصومونا
لَدُكْدِكَتْ أرْضُكُمْ مِنْ
تَحْتِكُمْ سَحَرًا … لِأنَّكُمْ قومُ سَوْءٍ ما تُطيعونا"
[لطائف المعارف فيما لمواسم العام من
الوظائف (ص٢٣٩)].
فالناس في زمن الفتن تتبع أهواءها وتتكالب على
النزاعات، فمن خالفهم وأقبل على خاصة شأنه وعبادة ربه، فقد قطع مسافةً روحية في
سلم الارتقاء توازي الهجرة المكانية، وقد أشار العلامة ابن الجوزي إلى ذلك
قائلا: "وَإِذا عَمت الْفِتَن اشتغلت الْقُلُوب، وَإِذا تعبد حِينَئِذٍ متعبد
دلّ على قُوَّة اشْتِغَال قلبه بِاللَّه عز وجل فيكثر أجره" [كشف المشكل من
حديث الصحيحين (٢/ ٤٢)].