Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

calendar الجمعة ٢٥ محرم ١٤٤٨هـ ١٠-٠٧-٢٠٢٦م

خطبة الأسبوع

الإصدار الثاني والستون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء.. الرفق.. بناء للإنسان وعمران للأوطان

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

الإصدار الثاني والستون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء.. الرفق.. بناء للإنسان وعمران للأوطان

الرفق.. بناءٌ للإنسان وعمرانٌ للأوطان

الخطبة الأولى: الرفق.. بناءٌ للإنسان وعمرانٌ للأوطان

الهدف: التوعية بقيمة الرفق واللين وأنهما طريق لكسب القلوب، وبناء إنسان سوي ووطن قوي.

الخطبة الثانية: القسوة ليست وسيلة للتربية.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه ومن تبعه، أما بعد:

فإنَّ الرفق خُلُقٌ عظيمٌ قامت عليه رسالة الإسلام، وبه اكتملت محاسن الأخلاق، واستقامت أحوال الأفراد والمجتمعات، وهو مَسْلكٌ نبوي كريم، يجمع بين الحكمة والرحمة، وبين الحزم والإحسان، ويضع لكل مقام ما يناسبه بالأسلوب الذي يحقق المقصود بأحسن سبيل، ولذلك قرن الله تعالى الرفق برحمته، وجعله سمةً لأنبيائه ورسله، وأثنى على أهله، وجعل نقيضه سببًا للنفرة والتفرق وإفساد العلاقات.

وقد جسَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -هذا الخلق في أسمى صوره، فكان رفيقًا في دعوته، وتعليمه، وتربيته، ومعاشرته، وقضائه، وسياسته، بل شمل رِفقُه - صلى الله عليه وسلم -الإنسانَ والحيوانَ وسائرَ المخلوقات، حتى غدا الرفق من أبرز معالم شخصيته الشريفة، وأعظم أسباب نجاح دعوته واجتماع القلوب حوله، ومن هنا جاءت النصوص القرآنية والنبوية، وأقوال العلماء والحكماء، تؤصل لهذا الخلق الكريم، وتبين منزلته، وصوره، وآثاره، وتدعو إلى التحلي به في مختلف شؤون الحياة، وإليك بيان ذلك:

  • الرفق منهجٌ رباني ونهجٌ نبوي

إن الرفق خُلُقٌ يحبه الله تعالى؛ فعَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» [رواه أحمد] وسمةٌ من سمات أنبياء الله ورسله الكرام، وسبيل من سبل نجاح الدعوة، واجتماع القلوب، وانتشار الخير بين الناس، ولذلك امتنَّ الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم -بما أودعه في قلبه من الرحمة واللين، وجعل هذا الخلق من أعظم أسباب التفاف الناس حوله، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

قال الإمام الطبري: "فبرحمةِ اللهِ يا محمدُ، وبرأْفَتِه بك، وبمَن آمَن بك مِن أصحابِك، لِنتَ لتُبَّاعِك وأصْحابِك، فسهُلَت لهم خَلائِقُك، وحسُنَت لهم أخْلاقُك، حتى احْتَمَلْتَ أذَى مَن نالك منهم أذاه، وعفَوْتَ عن ذى الجُرْمِ منهم جُرْمَه، وأَغْضَيْتَ عن كثيرٍ ممَّن لو جفَوْتَ به، وأَغْلَظْتَ عليه، لترَكَك ففارَقَك ولم يَتَّبِعْك، ولا ما بُعِثْتَ به مِن الرحمةِ، ولكنَّ الله جَلَّ وعزَّ رحِمَهم ورحِمَك معهم، فبرحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم" [جامع البيان].

ويذكر الإمام ابن عَجيبة أن هذا الخلق النبوي الكريم جعله الله من أوصاف ورثته من العلماء العارفين للتمكن من أداء دعوة الله إلى عباده، فيقول: "ما اتصف به نبينا عليه الصلاة والسلام من السهولة والليونة والرفق بالأمة، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين، والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله، أو إلى أحكام الله، ولو كانوا فظاظًا غلاظًا لانفضَّ الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس، ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورهم، اقتداءً برسولهم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فليتوكلوا على الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" [البحر المديد لابن عجيبة].

وأكدت السنة النبوية أن من حرم الرفق فقد حرم الخير، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» [رواه مسلم].

وروت أم المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -قوله: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رواه مسلم].

وعَنْها أيضا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -قَالَ لَهَا: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» [رواه أحمد].

قال الإمام النووي: "وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَضْلُ الرِّفْقِ وَالْحَثُّ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهِ وَذَمُّ الْعُنْفِ، وَالرِّفْقُ سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ، وَمَعْنَى يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ أَيْ يُثِيبُ عَلَيْهِ مالا يُثِيبُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ: يَتَأَتَّى به من الأغراض ويسهُل من المطالب مالا يَتَأَتَّى بِغَيْرِهِ" [شرح النووي على صحيح مسلم].

  • الرفق من دلائل رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم -بأمته

لقد كان الرفق من أبرز الخصائص التي اختُص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لِينُه ضعفًا، ولا حِلمه عجزًا، وإنما كان رحمة أودعها الله في قلبه، فانعكست على أقواله وأفعاله، وتعليمه وتزكيته، ودعوته لأمته، حتى استحق أن يصفه ربه بأبلغ أوصاف الرحمة والرأفة، فقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨].

يقول العلامة الشيخ محمد أبو زهرة: "وكان النبي - صلى الله عليه وسلم -باشًّا لطيف المعشر متسامحا رحيمًا لَا يقسو ولا يعنِّت أحدا ولا يغضب ولا يسب، وما ضرب أحدا بيده قط، وكان سهلا في معاملاته متسامحا، وكان طلق الوجه دائما، رآه أعرابي، فاسترعاه بشاشته وطلْق مُحَيَّاه، فقال له: أأنت الذي تقول عنه قريش إنه كذاب؟! والله ما هذا الوجه بوجه كذاب، وأسلم إذ دعاه النبي صلى الله عليه وسلم.

ولقد وصف عبد الله بن عمرو بن العاص النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بمثلها، ولكن يعفو ويصفح"، وكان عليه الصلاة والسلام لَا يثير غيظه شيء، ويداري الناس إلا أن يكون في المداراة حق مضيَّع.

وإذا كانت الغلظة منفِّرة فالعفو جامع، ولذلك أمر الله تعالى نبيه الكريم بما يترتب على الرفق والبشاشة، وهو العفو" [زهرة التفاسير].

وقال حجة الإسلام الغزالي: "ومن نظر في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق، وتلطفه في الأخذ بأيدي الناس بأنواع الرفق واللين واللطف، إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم، حصل له علم ضروري بأن شفقته - صلى الله عليه وسلم -على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده" [المنقذ من الضلال].

  • الرفق أساس نجاح الدعوة والإصلاح

قال تعالى: ﴿ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِءَایَٰتِی وَلَا تَنِیَا فِی ذِكۡرِی ۝٤٢ ٱذۡهَبَاۤ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ۝٤٣ فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ﴾ [طه: ٤٢- ٤٤]، قال الإمام ابن كثير: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ﴾ هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهي أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا﴾ : يا من يتحبَّب إلى مَن يُعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟ وقال وهب بن مُنَبّه: قُولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقربُ مني إلى الغضب والعقوبة.

والحاصل من أقوالهم إن دعوتهما له تكون بكلام رقيق ليّن قريب سهل؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ الآية [النحل: ١٢٥] [تفسير القرآن العظيم بتصرف].

وقال حجة الإسلام الغزالي: "ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون إذ وعظه واعظ وعنف له في القول فقال: يا رَجُلُ ارْفُقْ؛ فَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ إِلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ﴾ فليكن اقتداء المحتسب في الرفق بالأنبياء صلوات الله عليهم" [إحياء علوم الدين].

وقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِی ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِیمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّیقࣰا نَّبِیًّا ۝٤١ إِذۡ قَالَ لِأَبِیهِ یَٰۤأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا یَسۡمَعُ وَلَا یُبۡصِرُ وَلَا یُغۡنِی عَنكَ شَیۡءࣰا ۝٤٢ یَٰۤأَبَتِ إِنِّی قَدۡ جَاۤءَنِی مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ یَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِیۤ أَهۡدِكَ صِرَٰطࣰا سَوِیࣰّا ۝٤٣ یَٰۤأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّیۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّیۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِیࣰّا ۝٤٤ یَٰۤأَبَتِ إِنِّیۤ أَخَافُ أَن یَمَسَّكَ عَذَابࣱ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّیۡطَٰنِ وَلِیࣰّا﴾ [مريم: ٤١-٤٥].

  • الرفق في حسن العشرة والمعاملة

قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [النساء: ١٩]، "أي: بما عُرِفَ في الشرع حُسْنُه، من الإنفاق قدر طاقتكم، من غير إسراف ومن القسم بالعدل، والقول اللين، وانبساطة الوجه؛ لتعيشوا سعداء" [التفسير الوسيط].

وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ لِلهِ عز وجل" [رواه مسلم].

وقال تعالى: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِینَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، والعفو: يطلق في اللغة على خالص الشيء وجيّده، وعلى الفضل الزائد منه، وعلى السهل الذي لا كلفة فيه، أي: خُذ ما عفا وسهل وتيسَّر من أخلاق الناس، وارض منهم بما تيسَّر من أعمالهم وتسهل من غير كلفة، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم ويرهقهم حتى لا ينفروا، وكن ليِّنا رفيقًا في معاملة أتباعك، فإنك لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.

﴿وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ﴾ أي: مُر غيرك بالمعروف المستحسن من الأفعال، وهو كل ما عُرف حسنه في الشرع، فإن ذلك أجدر بالقبول من غير نكير، فإن النفوس حين تتعوّد الخير الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال، يسلس قيادها، ويسهل توجيهها.

﴿وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِینَ﴾ وهم الذين لا يدركون قيم الأشياء والأشخاص والكلمات فيما يبدر منهم من أنواع السفاهة والإيذاء؛ لأن الرد على أمثال هؤلاء ومناقشتهم لا تؤدي إلى خير، ولا تنتهي إلى نتيجة، والسكوت عنهم احترام للنفس، واحترام للقول، وقد يؤدي الإعراض عنهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها" [التفسير الوسيط].

قال الإمام القرطبي: "هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات؛ فقوله: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين ودخل في قوله: ﴿وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار، وفي قوله: ﴿وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِینَ﴾ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة" [الجامع لأحكام القرآن].

  • الرفق في التربية والتعليم

إن التربية الناجحة لا تقوم على الشدة والعنف، وإنما تُبنى على الرفق، ومراعاة أحوال المتعلمين، والتدرج معهم، واختيار الوقت المناسب للتعليم، وحسن مخاطبتهم، وإشعارهم بالرحمة والشفقة، ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -المثل الأعلى للمربي الرحيم، الذي يجمع بين التعليم والرحمة، وبين التوجيه والرفق، فكان يراعي أحوال أصحابه، ويعلمهم بما يناسب طاقتهم، حتى لا يملوا ولا ينفروا.

 فعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: "أَتَيْنَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -رَفِيقًا، فلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتهَينَا أَهْلَنَا، أَوْ قَدِ اشْتقْنَا، سَأَلَنَا عَمَّنْ ترَكْنَا بعدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ»، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»" [رواه البخاري].

وعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" [رواه البخاري].

قال أبو الزناد: "أراد - صلى الله عليه وسلم -الرفق بأمته؛ ليأخذوا الأعمال بنشاط وحرص عليها، وقد وصفه الله بهذه الصفة، فقال: ﴿عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨]" [شرح صحيح البخاري لابن بطال].

وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» [رواه البخاري].

قال العلامة ابن عَلَّان: "ففيه الرفق في إنكار المنكر، وتعليم الجاهل، واستعمال التيسير، وإنكار التعسير.

وقوله: «فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» هذا كالتعليل لما قبله: أي: إن قضية كونكم كذلك ألا تؤدبوا الرجل ولا توبخوه؛ لأنه معذور لحداثة عهده بالإسلام، وعدم علمه بالأحكام، فالمناسب للتيسير ما أشار إليه البشير النذير" [دليل الفالحين].

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: "إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا"، قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا، وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا، وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا، وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ»، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ» قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ" [رواه أحمد]

ومن هدي العلماء في التربية والتعليم ما روي عن الإمام الشافعي أنه قال للربيع: "لَوْ أَمكَنَنِي أَنْ أُطْعِمُكَ العِلْمَ لأَطعمتُكَ" [سير أعلام النبلاء].

وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: "لَمْ أَسْتَخْرِجِ الَّذِي اسْتَخْرَجْتُ مِنْ عَطَاءٍ إِلَّا بِرِفْقِي بِهِ" [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر].

  • الرفق سبب الألفة واجتماع القلوب

من أعظم ثمار الرفق أنه يجمع القلوب بعد تفرقها، ويؤلف النفوس بعد تنافرها، ويحول العداوة إلى محبة، والنفرة إلى مودة، ولذلك امتن الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم -بما أكرمه به من لين الجانب وحسن الخلق، وجعل ذلك من أعظم أسباب اجتماع أصحابه حوله وثباتهم معه، فقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

ومن أعظم الشواهد العملية على أثر الرفق في تأليف القلوب ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قَالَ: "بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ»، فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ»، قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ»، فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا وَاللهِ، لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم" [رواه البخاري].

وقال حجة الإسلام الغزالي: "وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ حَقُّ الْجِوَارِ كَفَّ الْأَذَى فقط، بل احتمال الأذى؛ فإن الجار أيضًا قد كفَّ أذاه، فليس في ذلك قضاء حق، ولا يكفي احتمال الأذى، بل لا بد من الرفق وإسداء الخير والمعروف، إذ يقال: إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة فيقول: يا رب سَلْ هذا لم مَنَعَني معروفَه، وسَدَّ بابه دوني" [إحياء علوم الدين].

فإذا كان الرفق سببًا في دوام حسن الجوار، فإنه كذلك سبب في توثيق أواصر المجتمع، ونشر المحبة، وإزالة أسباب الشحناء والبغضاء، وبقدر ما يسود الرفق بين الناس تجتمع كلمتهم، وتأتلف قلوبهم، ويقوى تماسك مجتمعهم.

  • الرفق من كمال العقل والحكمة

لا شك أن الرفق هو ثمرة عقل راجح، ونفس متزنة، وحكمة في تقدير العواقب، ولذلك قرن العلماء بين الرفق والعقل، وجعلوه من علامات كمال الإنسان، ودليلًا على حسن خلقه وسلامة رأيه؛ إذ إن العاقل لا يحمله الغضب على العجلة، ولا تدفعه الحدة إلى العنف، وإنما يزن الأمور بميزان الحكمة، ويعالجها باللين ما وجد إلى ذلك سبيلًا.

قال حجة الإسلام الغزالي: "اعْلَمْ أَنَّ الرِّفْقَ مَحْمُودٌ، وَيُضَادُّهُ الْعُنْفُ وَالْحِدَّةُ، وَالْعُنْفُ نَتِيجَةُ الْغَضَبِ وَالْفَظَاظَةِ، وَالرِّفْقُ واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة، وقد يكون سبب الحدة الغضب، وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاءه بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت، فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق، وَلَا يَحْسُنُ الْخُلُقُ إِلَّا بِضَبْطِ قُوَّةِ الْغَضَبِ وقوة الشهوة وحفظهما عَلَى حَدِّ الِاعْتِدَالِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا أَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -عَلَى الرِّفْقِ وبالغ فيه.

وقال بعضهم: ما أحسن الإيمان يزينه العلم، وما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء مثل حِلم إلى علم" [إحياء علوم الدين].

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه: "الواجب على العاقل لزوم الرفق في الأمور كلها، وترك العجلة والخفة فيها؛ إذ اللَّه تعالى يحب الرفق في الأمور كلها، ومن مُنع الرفق مُنع الخير، كما أن من أُعطي الرفق أُعطي الخير، ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة.

ثم قال أبو حاتم: العاقل يلزم الرفق في الأوقات والاعتدال في الحالات؛ لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب كما أن النقصان فيما يجب من المطلب عجز، وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف، ولا دليل أمهر من رفق، كما لا ظهير أوثق من العقل، ومن الرفق يكون الاحتراز، وفي الاحتراز ترجى السلامة، وفي ترك الرفق يكون الخرق، وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة" [روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبَّان].

وقال أبو الفتح البُستي:

ورافق الرِّفْق فِي كل الْأُمُور فَلم * * * ينْدَم رَفِيق وَلم يذممه إِنْسَان

وَلَا يغرنك حَظّ جَرّه خرق * * * فالخرق هدم ورفق الْمَرْء بُنيان

[قصيدة عنوان الحكم].

عن عُثْمَانُ بْنُ طَالُوتَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ، يُنْشِدُ:

لَمْ أَرْ مِثْلَ الرِّفْقِ فِي أَمْرِهِ * * * أَخْرَجَ لِلْعَذْرَاءِ مِنْ خِدْرِهَا

مَنْ يَسْتَعِنْ بِالرِّفْقِ فِي أَمْرِهِ * * * قَدْ يُخْرِجُ الْحَيَّةَ مِنْ جُحْرِهَا

[الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع].

  • عموم معنى الرفق وشموله

الرفق في الإسلام مبدأ عام يحيط بجميع مظاهر الحياة، حتى يشمل الحيوان الذي لا يملك أن يشكو، ولا يستطيع أن يطالب بحقه، وقد سبق الإسلام النظم والقوانين الحديثة في تقرير حقوق الحيوان، فجعل الرفق به عبادةً يُثاب عليها المؤمن، ونهى عن تعذيبه أو إرهاقه أو التمثيل به، بل أمر بإراحته حتى عند الذبح، مع أن الذبح مأذون فيه شرعًا، ليظل الرفق هو الأصل الذي يحكم تصرفات المسلم مع كل مخلوق.

عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [رواه مسلم].

قال العلامة الطاهر ابن عاشور: "ورغبت الشريعة في رحمة الحيوان، ففي حديث «الموطأ» عن أبي هريرة مرفوعا: «إن الله غفر لرجل وجد كلبا يلهث من العطش فنزل في بئر فملأ خفه ماء وأمسكه بفمه حتى رقي فسقى الكلب فغفر الله له» [التحرير والتنوير].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -مَنْزِلًا، فَانْطَلَقَ إِنْسَانٌ إِلَى غَيْضَةٍ فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَيْضَ حُمَّرَةٍ، فَجَاءَتْ اَلْحُمَّرَةُ تَرِفُّ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -وَرُءُوسِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ فَجَعَ هَذِهِ؟»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا أَصَبْتُ لَهَا بَيْضًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ارْدُدْهُ»" [رواه أحمد].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» [متفق عليه].

وعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابَّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ، فَقَالَ لَهُمْ: «ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً، وَلَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لِأَحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالْأَسْوَاقِ، فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ تبارك وتعالى مِنْهُ» [رواه أحمد].

************

الخطبة الثانية

القسوة ليست وسيلة للتربية

إن التربية الحقة هي بناءٌ للقلوب، وغرسٌ للقيم، وتشكيلٌ للنفوس، وإذا كان لكل بناء أساس، فإن أساس التربية في الإسلام هو الرحمة، وروحها الرفق، وغايتها تنشئةُ إنسانٍ سويٍّ يعرف ربه، ويطمئن إلى نفسه، ويحسن التعامل مع الناس، وقد قدَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -للعالم نموذجًا تربويًّا فريدًا، لم يقم على التخويف والقسوة، وإنما قام على المحبة، والاحتواء، والإكرام، واحترام المشاعر، حتى أصبحت سيرته مدرسةً متكاملة في التربية الإنسانية.

  • الرفق في التربية.. منهج النبوة وبناء الإنسان

جعل الإسلام الرحمة منبع التعامل مع الأطفال، وجعلها خلقًا إيمانيًّا أصيلًا، وسببًا لنيل رحمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ﴾  [آل عمران: ١٥٩]، وقال سبحانه في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وإذا كانت رحمته - صلى الله عليه وسلم -قد شملت الأمة كلها؛ فقد كان الأطفال أوفرَ الناس نصيبًا منها.

ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يستقبل المواليد بالدعاء والبركة، كما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ" [رواه مسلم]، وفي هذا الاستقبال النبوي إشعارٌ بأن الطفل عضو كريم في المجتمع المسلم منذ ولادته، وأن أول ما يلقاه هو الدعاء والبركة، لا الإهمال أو الجفاء.

ولم تقتصر رحمته - صلى الله عليه وسلم -على المواليد، بل امتدت إلى الأطفال في حياتهم اليومية؛ فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -يَزُورُ الْأَنْصَارَ فَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ، وَيَمْسَحُ بِرُءوسِهِمْ، وَيَدْعُو لَهُمْ" [رواه النسائي في السنن الكبرى] وهذا السلوك النبوي يكشف أن العناية بالطفل لا تكون بالكلمة فحسب، بل بالاهتمام المباشر وإشعاره بالمحبة والقبول.

  • المحبة المعلنة تصنع شخصيةً سوية

من أبرز معالم التربية النبوية أن المحبة الشعورية كانت تُترجم إلى سلوك عملي وكلمات صريحة يسمعها الطفل ويرى آثارها، وهذا المنهج يرسخ في نفس الطفل الشعور بالأمان والانتماء، ويُشبع حاجته الفطرية إلى القبول، وهو ما ينعكس إيجابيًّا على بناء شخصيته واستقراره النفسي.

وقد تجلّى ذلك في موقف النبي - صلى الله عليه وسلم -مع سيدنا الحسين رضي الله عنه، فعن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَدُعِينَا إِلَى طَعَامٍ فَإِذَا حُسَيْنٌ يَلْعَبُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -أَمَامَ الْقَوْمِ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَمُرُّ مَرَّةً هَا هُنَا وَمَرَّةً هَا هُنَا، يُضَاحِكُهُ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي ذَقْنِهِ وَالْأُخْرَى فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَهُ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، سَبِطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ» [البخاري في الأدب المفرد].

وفي موقف آخر، يروي أبو هريرة رضي الله عنه قائلًا: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: «أَثَمَّ لكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟» يَعْنِي حَسَنًا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لِأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ» [رواه مسلم].

وتكشف هذه المواقف أن النبي - صلى الله عليه وسلم -لم يكتفِ بإظهار المحبة بالفعل من احتضانٍ الصغير وتقبيله، بل أعلنها بالقول والدعاء، ليشعر الطفل بمكانته في قلب مربيه، وقد أشار القاضي عياض إلى ما تضمنه هذا الحديث من رحمته - صلى الله عليه وسلم -بالصبيان، فقال: "وقوله: "فجاء حتى اعتنق كل واحدٍ منهما صاحبه"، وفى الحديث الآخر: "رأيته واضعاً الحسن بن علىّ على عاتقه"، فيه ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم -من حسن الخلق والعشرة والتواضع، وحبه للحسن وحمله له، ورحمته للصبيان والرجال" [إكمال المعلم].

وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: "وفي الحديث بيان ما كان الصحابة عليه من تالصحابة عليه من توقير النبي - صلى الله عليه وسلم -والمشي معه، وما كان عليه من التواضع من الدخول في السوق والجلوس بفناء الدار، ورحمة الصغير والمزاح معه، ومعانقته وتقبيله" [فتح الباري].

  • إظهار الرحمة بالصغير مسلك تربوي قويم

قد يظن البعض أن إظهار الحنان والحب للأبناء يورث الدلال، أو يضعف الشخصية، غير أن السنة النبوية جاءت بتصحيح هذا التصور، وأكدت أن الرحمة الظاهرة من أهم وسائل التربية، وأن جفاف العاطفة دليل على قسوة القلب وخلوه من الرحمة.

فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: "قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ» [رواه مسلم]، وفي هذا الجواب النبوي بيانٌ أن امتناع الإنسان عن إظهار الرحمة ليس فضيلة، بل قد يكون علامة على قسوة القلب، وأن الرحمة نعمة يهبها الله لعباده.

ويؤكد هذا المعنى ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قائلا: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» [رواه البخاري]، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم -الرحمة بالصغير سببًا لاستحقاق رحمة الله عز وجل، وربط بين تعامل الإنسان مع الضعفاء وما يناله من فضل الله.

  • الطفل ومراعاة حاجاته

من السمات البارزة في التربية النبوية احترام عالم الطفل النفسي، وعدم الاستهانة بمشاعره أو حاجاته بدعوى صغر سنه، فالطفل في المنهج النبوي إنسان له مشاعر، ورغبات، وحقوق ينبغي مراعاتها، بما يسهم في بناء شخصيته وتنمية إحساسه بقيمته وكرامته، وهذا المنهج يرسخ لدى الطفل الثقة بالنفس، ويغرس في المجتمع ثقافة احترام الإنسان بصرف النظر عن عمره.

ومن أروع الشواهد على ذلك ما رواه عبد الله بن شداد عن أبيه رضي الله عنه قال: "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ قَالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» [رواه النسائي]، ويبرز هذا الموقف مقدار مراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم -لحاجة الطفل النفسية، حتى وهو في الصلاة، فلم يقطع عليه متعته، ولم يعنفه، بل قدّم درسًا عمليًا في التربية بالرحمة.

وفي موقف آخر تتجلى عظمة التربية النبوية في احترام الحقوق، فقد أُتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ» فَقَالَ الْغُلَامُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ (فوضعه) رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -فِي يَدِهِ" [متفق عليه]. فلم يتجاوز النبي - صلى الله عليه وسلم -حق الغلام مع وجود كبار السن، لأن الحقوق في الإسلام تُحترم، ولا يُنتقص منها لصغر السن أو كِبَره.

  • مداعبة الأطفال لغة تربوية

لم يرَ النبي - صلى الله عليه وسلم -اللعب مضيعةً للوقت، بل وسيلةً للتقرب إلى الأطفال وبناء جسور الثقة معهم.

فقد كان يلاعب الحسين حتى يضحكه قبل أن يحمله ويقبله، وروى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان لي أخ يقال له أبو عمير، وكان له طائر صغير يسمى النُّغير، فلما مات الطائر، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -إذا زارهم يقول له مداعبًا: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» [رواه البخاري]، ولم يكن هذا السؤال مجرد دعابة، إنما كان مواساةً رقيقة لطفل فقد شيئًا يحبه، مما يدل على عناية النبي - صلى الله عليه وسلم -بمشاعر الأطفال واهتماماتهم مهما بدت صغيرة في نظر الكبار.

وهذه المواقف تكشف فهمًا عميقًا لعالم الطفل؛ فالمربي الناجح لا يعيش بعيدًا عن عالم الصغار، وإنما ينزل إلى مستواهم، ويشاركهم اهتماماتهم، ويجعل اللعب بابًا للتربية لا منافسًا لها.

  • القسوة تهدم ما تبنيه التربية

القسوة قد تُنتج طاعةً ظاهرية، لكنها تزرع خوفًا واضطرابًا وانكسارًا في النفوس، أما الرفق فيغرس المحبة، ويصنع الطاعة عن اقتناع، ويقيم علاقةً صحية بين المربي والطفل.

ولهذا جاءت القاعدة النبوية الجامعة: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رواه مسلم]، فهي قاعدة تمتد إلى كل مجالات الحياة، وفي مقدمتها تربية الأبناء.

فالطفل الذي يُربى على الإهانة والصراخ والعنف قد يطيع اليوم خوفًا، لكنه يحمل في داخله جراحًا تبقى طويلًا، بينما الطفل الذي يُربى بالرحمة ينشأ محبًّا للخير، واثقًا بنفسه، قريبًا من والديه، قادرًا على منح الرحمة للآخرين.

  • وسائل عملية للحد من القسوة وتعزيز الرفق في تربية الطفل

استحضار القدوة النبوية في معاملة الأطفال، وتربية النفس على خلق الرفق، وضبط الغضب قبل معاقبة الطفل، وفهم خصائص المرحلة العمرية، والإكثار من التشجيع والثناء، وتخصيص وقت يومي للتواصل مع الطفل، واستخدام الحوار بدل الصراخ، و تجنب الإهانة والابتعاد عن الألفاظ الجارحة، والدعاء للأبناء.


مراجع للاستزادة:

  • إحياء علوم الدين، لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي.

موضوعات ذات صلة

خطبة أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان

الرفق خُلق نبيل يعني اللين في التعامل، واليسر في السلوك مع البشر والحيوان وحتى الجماد، ويشمل احترام الكبير، والرحمة بالصغير، والشفقة على الضعيف

الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس.

خطبة الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة

المدرسة هي البيئة التي يُفترض أن ينمو فيها الطفل علميًا ونفسيًا واجتماعيًا

أرشيف خطب الجمعة متاح الآن للقراءة

أرشيف خطب الجمعة متاح الآن للقراءة

أرشيف خطب الجمعة