Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

لماذا خلقنا الله

الكاتب

هيئة التحرير

لماذا خلقنا الله

إنّ الوجود الإنساني ليس التباسًا في رحم العدم، بل هو إشراقةُ حكمةٍ أزلية استخلفَت الإنسان ليكون صدىً لرحمة الله في أرضه؛ فهل ندرك كنه هذا الاستخلاف الذي ينأى بنا عن عبثية الإلحاد وضيق التطرف؟

مفهوم الغاية من الخلق

إن قضية الغاية من الخلق ليست مجرد ترفٍ فكري، بل هي الرؤية الكلية التي ينبني عليها وعي الإنسان بذاته وبالعالم، وفي ظل ما نعانيه اليوم من تشتت معرفي يتقاسمه طرفا نقيض، ملحد ينكر الحكمة وينسب الوجود للصدفة، ومتطرف يشوه الحكمة ويحصرها في القهر؛ وهنا يبرز البيان الإسلامي الرصين ليؤكد أن الخلق فعل جودٍ وإكرام لا فعل احتياجٍ وانتقام.

العبادة الشاملة

خلق الله الخلق ليعرفوه فيعبدوه، لكن العبادة بمفهومها الحقيقي هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، وليست محصورة في الشعائر التعبدية والمظاهر الشكلية فقط، بل هي منهاج حياةٍ متكامل، يمتزج فيه صلاحُ الضمير باستقامة السلوك، وتتحول فيه حركة الإنسان في عمارة الأرض إلى تسبيحٍ صامت؛ فإتقان العمل عبادة، وإغاثة الملهوف عبادة، ونشر قيم الحق والعدل والمواطنة هو جوهر الاستخلاف الذي أراده الله، إنها العبادة التي تنفذ من ظاهر النص إلى جوهر المقصد، لتصوغ نفسًا زكيةً ترى في خدمة الإنسانية طريقًا موصلًا لمرضاة رب البرية،

قد قرر الوحي الإلهي غاية الوجود الإنساني في جملةٍ قاطعةٍ لا تقبل التجزئة، تضمنتها الآية الكريمة: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ‌ٱلۡجِنَّ ‌وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ * مَاۤ أُرِیدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقࣲ وَمَاۤ أُرِیدُ أَن یُطۡعِمُونِ * إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِینُ﴾  [الذاريات: ٥٦-٥٨]، هذه الآيات توضح أن الله - سبحانه - هو الغني المطلق الذي لا تزيد طاعة الطائعين في ملكه شيئًا، ولا تنقص معصية العاصين من سلطانه مثقال ذرة، فما العبادةُ إلا حاجةٌ بشرية لترتقي بها الروح، ومحضُ فضلٍ إلهي ليتمّ به النعيم.

غير أن هذا الغنى الإلهي لم يمنع فيض الكرم، فلم تكن العبادة يومًا انزواءً في المحاريب؛ بل هي طاقة دافعة لإحياء الوجود، كما صورها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قمة اللحظات الفاصلة بقوله: «إن قامتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها» [البخاري: الأدب المفرد، ٤٧٩].

إنّ العبادة في ميزان الحق هي تلك الصِّلة التي تمنح الوجود معناه وتُخرجه من تِيه العبثية؛ فهي الردُّ القاطع على كل ملحدٍ يرى الحياة صدفةً بلا غاية أو ركضًا خلف سراب، إذ تُحول الوجود من حركةٍ ميكانيكية باردة إلى رسالةٍ إنسانية سامية.

وهي في ذات الوقت مِحركٌ للبناء لا أداةً للهدم، وإصلاحٌ للكون لا اعتزالٌ للحياة؛ ردًا على كل متطرفٍ ضيّقَ واسعًا وحصر الدين في فوهات العنف أو في الانغلاق والجمود، فالمؤمن الحق يرى في عمارة الأرض، وإتقان العمل، وسمو الخلق جوهر عبادته وصلب دينه.

الاختيار والمسؤولية

لقد اصطفى الله الإنسان ومنحه ميزة العقل وحرية الإرادة، ليكون إقباله على خالقه نابعًا من مَحبةٍ واختيار، لا عن قهرٍ واضطرار؛ فالمولى - سبحانه - لا يريد طاعةً تُؤدى بجبلةٍ آلية، بل طاعةً يختارها القلب ويصيغها الوعي، ويأتي الدليل القاطع على هذا التكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا ‌عَرَضۡنَا ‌ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَیۡنَ أَن یَحۡمِلۡنَهَا وأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ﴾  [الأحزاب: ٧٢]، فهذه الأمانة هي (حرية الاختيار) التي جعلت من الإنسان كائنًا مسؤولًا، قادرًا بعقله على إدراك الحق، وبإرادته على سلوك طريقه، إنّ هذه الحرية هي الردُّ الفصل على الملحد في (معضلة الشر)؛ فالشر الأخلاقي ليس إلا ضريبةً لصدق الاختيار، إذ لولا حرية الإرادة لصار الإنسان آلةً مسيرة لا قيمة لفعلها، ولا معنى لفضلها، وهي كذلك الردُّ الدامغ على كل متطرفٍ يمارس الوصاية والقهر؛ فالله الذي جلَّت حكمته لم يجبر عباده على الإيمان به، لن يرتضي يومًا من مدّعٍ أن يسلب الناس حريةً وهبها الخالق لهم، أو يكرههم على دينٍ جوهره الاختيار.

الخلق للكرامة

تقوم فلسفة الخلق في الإسلام على أن الإنسان هو سيّد هذا الكون ومركزه؛ لم يُخلق ليُعذب أو يُهان، بل ليكون مَحلًا للرحمة والتكريم الإلهي، ويتجلى هذا التكريم في أبهى صوره بقوله - تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ‌كَرَّمۡنَا ‌بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا﴾   [الإسراء: ٧٠]، كما تأكدت هذه القيمة في التوجيه النبوي الخالد: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» [أبو داود: السنن، ٤٩٤١].

وهذا التأصيل الرباني هو الرد الجامع على طرفي الغلو والعدمية؛ فهو ينفي مزاعم المتطرفين الذين اتخذوا من الحياة ساحةً للانتقام والبطش، كما يدحض رؤية الملحد التي تحط من قدر الإنسان وتختزله في محض (صدفة كيميائية) لا قيمة لها، فالحقيقة الكبرى هي أن الإنسان بنيان الله، ومن أحب الله أكرم بنيانه، ومن هدمه فقد حارب إرادة الخالق في تكريم خلقه.

التجلي بالأسماء والصفات

اقتضت الحكمة الإلهية أن يتجلى الخالق بآثار أسمائه وصفاته في ملكوته؛ فخلق ليرحم، وأوجد ليرزق، وابتلى ليُظهر في عباده الصبر واللطف، ويتجلى هذا المشهد في قوله تعالى: ﴿فَٱنظُرۡ إِلَىٰۤ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ ‌كَیۡفَ ‌یُحۡیِ ‌ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۤۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡیِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾  [الروم: ٥٠]، وفي حقيقة الأزل التي قررها الحديث النبوي: «كان اللهُ ولَم يَكُنْ شيءٌ قَبلَه»؛ فالوجود إذن هو فيض جوده، وكتابه المنظور الذي تزدان صفحاته بصفات الجمال.

إنّ من مقتضيات هذه الرحمة أن جعل الله ميزان التعامل معه قائمًا على الفضل لا العدل وحده؛ فأغدق على عباده من واسع عطائه، وجعل الحسنة بذورًا تنبت قصورًا، وفتح للمذنبين آفاقًا لا تضيق من الصفح، والدليل قوله تعالى: ﴿‌مَن ‌جَاۤءَ ‌بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَاۤءَ بِٱلسَّیِّئَةِ فَلَا یُجۡزَىٰۤ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن رب العزة سبحانه في الحديث القدسي العظيم:«إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذلكَ، فمَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وإنْ هَمَّ بها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ عزَّ وجَلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ» [مسلم: الصحيح (١٣٠(].

وهذا الكرم هو الترياق الحقيقي ضد اليأس والقنوط؛ فكيف ييأس من كان ربه ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ينادي: «هل من سائلٍ فأُعطيَه هل من داعي فأستجيبَ له هل من تائبٍ فأتوبَ عليه هل من مستغفِرٍ فأغفرَ له» [ابن أبي عاصم، السنة، (٤٩٨)].

 إنها رسالة لكل من ضاقت به السبل، تؤكد أن حياتك غالية، وأن ذنوبك - وإن بلغت عنان السماء - تذوب في بحار مغفرته، كما قال سبحانه: ﴿‌وَرَحۡمَتِی ‌وَسِعَتۡ كُلَّ شَیۡءࣲۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِینَ﴾   [الأعراف: ١٥٦].

وبهذا المنطق، نرد على الملحد الذي يرى النقص أو الألم دليلًا على عدم الخالق؛ فنقول له: إن النقص هو الذي عرّفنا كمال العطاء، ولولا مرارة المحنة ما تذوقنا حلاوة المنحة، كما قال تعالى: ﴿وَنَبۡلُوكُم ‌بِٱلشَّرِّ ‌وَٱلۡخَیۡرِ فِتۡنَةࣰۖ﴾  [الأنبياء: ٣٥] ليكون الابتلاء صقلًا للروح لا سحقًا لها،

ونرد على المتطرف الذي حوّل الدين إلى سوط عذاب وغلظة؛ فنقول له: إن الله الذي أباح لنا طيبات الرزق بقوله: ﴿قُلۡ ‌مَنۡ ‌حَرَّمَ ‌زِینَةَ ‌ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ﴾  [الأعراف: ٣٢]، لم يرضَ من وصيٍّ أن يسلب الناس فرحتهم بالحياة أو يحبسهم في زنازين اليأس، فالدين جاء ليرحم ويُكرم، لا ليعذب ويُهين، ولتظل الفصيلة في يد المسلم رمزًا للبناء والعطاء حتى والقيامةُ تقرع الأبواب.

الخلاصة

أنت لست رقمًا عابرًا في هذا الكون؛ بل أنت مستخلف تحمل أمانة البناء بمداد من اليقين والحب، ليكون وجودك رسالة خير وإعمار، هنا تذوب معضلة الشر وتتحطم قيود القهر، ليبقى الإنسان البنيان الأرقى والمستخلف لنشر الرحمة في الكون!

موضوعات ذات صلة

إن صيانة الأوطان من غوائل الفكر المنحرف تبدأ بامتلاك رؤية كلية تجمع بين سداد الفكر.

الظروف التاريخية التي ولدت فيها أول بدعة تكفيرية في الإسلام جاءت عقب حادثة التحكيم بصفين.

إن صيانة العقول من لوثات الغلو هي الفريضة الغائبة التي بها تستقيم شؤون الدين والدنيا.

إنّ حراسة الوعي من لوثة الضلال، وتحصين القلوب من غوائل الغلو، هي فريضة الوقت وسبيل النجاة.

موضوعات مختارة