Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

لماذا صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء: القصة والدلالات

الكاتب

هيئة التحرير

لماذا صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء: القصة والدلالات

يمثل يوم عاشوراء ذكرى عظيمة في تاريخ الأنبياء، حيث نجّى الله تعالى فيه سيدنا موسى عليه السلام ومن آمن معه من بطش فرعون، فكان شاهدًا على انتصار الحق وزوال الباطل، ويحمل صيام هذا اليوم في السيرة النبوية دلالات إيمانية وتشريعية مهمة، فقد صامه النبي صلى الله عليه وسلم شكرًا لله تعالى، وبيّن لأمته فضله، وجعل صيامه سببًا لتكفير ذنوب سنة ماضية.

قصة يوم عاشوراء الأولى: نجاة سيدنا موسى عليه السلام من فرعون

ليوم عاشوراء ارتباط بقصتين عظيمتين، تزخر كل منهما بالعبر والدروس، لاتصالهما بسير نبيين من أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وارتباطهما ببني إسرائيل.

أما القصة الأولى فترجع إلى زمن سيدنا موسى عليه السلام، حين طغى فرعون وتكبر في الأرض، وأمعن في ظلم بني إسرائيل وتسخيرهم، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام بالخروج بقومه، فتبعهم فرعون وجنوده يريدون إدراكهم، حتى بلغوا البحر، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه، قال تعالى: ﴿فَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقࣲ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِیمِ﴾  [الشعراء : ٦٣]

فلما رأى فرعون هذه الآية العظيمة لم يرجع عن طغيانه، بل استمر في عناده ومضى بجنوده خلف موسى عليه السلام وقومه، فأغرقه الله تعالى، ونجّى موسى عليه السلام ومن آمن معه من بني إسرائيل. قال الله تعالى: ﴿وَإِذۡ نَجَّیۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ ‌فِرۡعَوۡنَ یَسُومُونَكُمۡ سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ یُذَبِّحُونَ أَبۡنَاۤءَكُمۡ وَیَسۡتَحۡیُونَ نِسَاۤءَكُمۡۚ وَفِی ذَٰلِكُم بَلَاۤءࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِیمࣱ * وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَیۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَاۤ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: ٤٩-٥٠].

قصة يوم عاشوراء في السنة النبوية: صيام اليهود وبيان النبي صلى الله عليه وسلم

ترتبط القصة الثانية من يوم عاشوراء ببني إسرائيل أيضًا، وقد كان لليهود شأنٌ خاص مع هذا اليوم، إذ كانوا يصومونه ويعظمونه، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وجدهم يصومونه، فسأل عن ذلك، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عاشُوراءَ، فقالَ: «مَا هَذا؟» قالُوا: هَذا يَوْمٌ صالِحٌ، هَذا يَوْمُ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصامَهُ مُوسَى، قالَ: «فَأَنا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصامَهُ وَأَمَرَ بِصِيامِهِ [البخاري: الصحيح ( ٢٠٠٤) ]، وقد ورد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» [مسلم: الصحيح ( ١١٣) ].

وتُظهر هذه النصوص أن يوم عاشوراء كان معروفًا عند العرب قبل الإسلام، ثم أقره النبي صلى الله عليه وسلم في بداية التشريع، ثم استقر حكمه بعد فرض رمضان على الاستحباب.

أصل صيام عاشوراء في الإسلام وحكمه

جماهير العلماء على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم، وممن قال بذلك الإمام مالك والإمام أحمد، وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ،قال النووي: "قَالَ الْقَاضِي: وقد قَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُ بِمَكَّةَ ثُمَّ تَرَكَ صِيَامَهُ حَتَّى عَلِمَ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهِ فَصَامَهُ، قَالَ الْقَاضِي: وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى بِلَفْظِ الحديث، قلت- أي الإمام النووي-: المختار قول الْمَازَرِي؛ وَمُخْتَصَرُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُ كَمَا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَهُ فَصَامَهُ أَيْضًا بِوَحْيٍ أَوْ تَوَاتُرٍ أَوِ اجْتِهَادٍ، لَا بِمُجَرَّدِ أَخْبَارِ آحَادِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" [النووي ، شرح صحيح مسلم: ٨/١١].

ويتحصل من الأخبار كمال قال ابن رجب: أنه كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم في صيامه أربع حالات:

الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَا يَصُومُهُ" [البخاري: الصحيح (٣٨٣١)]، وفي رواية: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ» [البخاري: الصحيح ( ١٨٩٣) ].

الحالة الثانية: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له، وكان يحبّ موافقتهم فيما لم يُؤمر به، صامه، وأمر النّاس بصيامه، وأكّد الأمر بصيامه، والحثّ عليه، حتّى كانوا يصوّمونه أطفالهم.

فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ»، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. [البخاري : الصحيح ( ٢٠٠٤)، ومسلم: الصحيح (١١٣٠) ]

وفي مسند الإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ؟» قَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ، وَغَرَّقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ، وَهَذَا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، فَصَامَ نُوحٌ وَمُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ»، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ [أحمد ، المسند ( ٨٧١٧)]

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا من أسلم، أن أذِّن في النّاس «مَن أكلَ فليَصُم بقيَّةَ يومِهِ، وَمَن لم يكن أَكَل فلْيصُم؛ فإنّ اليومَ يومُ عاشوراء» [البخاري: الصحيح ( ٢٠٠٧) ، ومسلم: الصحيح (١٧٦١) ].

وفيهما أيضًا عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ، الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» فَكُنَّا، بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ" [البخاري: الصحيح ( ١٩٦٠)،  ومسلم: الصحيح ( ١١٣٦) ]. وفي رواية: "فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ، أَعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ" [ مسلم: الصحيح (١١٣٦) ].، وفي الباب أحاديث كثيرة جدّا.

وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم، هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبًا أم كان سنة مؤكدة؟ على قولين مشهورين؛ ومذهب أبي حنيفة أنّه كان واجبًا حينئذٍ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وأبي بكر الأثرم، وقال الشافعيّ رحمه الله: بل كان متأكّد الاستحباب فقط، وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم. [وينظر لطائف المعارف: ص٤٨-٥٥].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء في مكة ولا يأمر الناس بصيامه، فلما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه ويعظمونه، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنهَ عنه، فصامه وأمر بصيامه وحث عليه، فلما فُرض صيام رمضان خُفف التأكيد في صيام عاشوراء، ثم عزم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته على أن يصوم يومًا آخر معه مخالفةً لليهود، ولم يكن صيام عاشوراء فرضًا على القول الراجح.

وقال الإمام النووي: "واختلفوا في حكمه في أول الإسلام، حين شرع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة:  كان واجبًا، واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين مشهورين؛ أشهرهما عندهم أنه لم يزل سنة من حين شرع، ولم يكن واجبًا قط في هذه الأمة، ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبًا دون ذلك الاستحباب، والثاني: كان واجبًا كقول أبي حنيفة، وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء، ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه، وأصحاب الشافعي يقولون: كان مستحبًّا، فصح بنية من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله: أمر بصيامه، والأمر للوجوب، وبقوله: فلما فرض رمضان، قال: من شاء صامه ومن شاء تركه " [شرح النووي على صحيح مسلم: ٨/٤].

قال شيخ الإسلام ابن حجر: "وَنقل ابن عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ الْآنَ لَيْسَ بِفَرْض، وَالْإِجْمَاع على أَنه مُسْتَحبّ" [فتح الباري: ٤/٢٤٦].

فضل صيام يوم عاشوراء والأجر المترتب عليه

إن من فضل الله تعالى على عباده وسعة رحمته بهم، أن شرع لهم من نوافل الطاعات ما يتقربون به إليه، وتتعاظم به أجورهم، ومن أعظم هذه النوافل وأرجاها صيام التطوع، ولا سيما في الأزمنة الفاضلة التي عظّمها الشارع الحكيم، ومن أفضل أوقات الصيام شهر الله المحرم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ» [مسلم، الصحيح ( ١١٦٣)]

ومن أعظم أيام هذا الشهر فضلًا، وأجزلها ثوابًا، اليوم العاشر منه؛ وهو يوم عاشوراء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيامه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا اليَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ [البخاري: الصحيح ( ٢٠٠٦)].

كما ورد في فضل صيام عاشوراء، عن أبي قتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ» [مُسلِمٌ: الصحيح (١١٦٢)].

والمراد بالتكفير هنا: تكفير صغائر الذنوب، وأما الكبائر فتحتاج إلى توبة خاصة، وقد ذكر بعض أهل العلم أن فضل يوم عرفة أعظم من فضل عاشوراء، لما ورد فيه من الأجر، مع بقاء فضل كل منهما ومكانته في العبادة. [ينظر، المناوي،  التيسير بشرح الجامع الصغير: ٢/٩٥].

عاشوراء: وفاء الأنبياء ووحدة الرسالات

تتجاوز رابطة الإيمان حدود الزمان والمكان، لتربط أمة الإسلام بمواكب الأنبياء والمرسلين عبر التاريخ، ففي يوم عاشوراء تتجلى معاني الوفاء والارتباط برسالات الأنبياء، حيث شارك النبي صلى الله عليه وسلم أخاه موسى عليه السلام فرحته بنجاة الله تعالى له ولقومه من فرعون، فصام هذا اليوم شكرًا لله تعالى، وأمر بصيامه.

وهذا الموقف النبوي العظيم يجسد وحدة رسالة الأنبياء، وأن الإيمان الحق يجمع أهله مهما تباعدت الأزمنة، ففرح المسلمون بنجاة موسى عليه السلام وقومه؛ لأن الأنبياء جميعًا دعاة إلى توحيد الله، ولأن أتباع الحق يتناصرون ويتآخون في إطار الإيمان الواحد.

فقد كان ذلك اليوم بعيدًا في الزمن عن عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك عظّم شأنه وبيّن مكانته، وقال: «فأَنا أحقُّ بموسى مِنكُم»، فكان صيام عاشوراء مظهرًا من مظاهر الوفاء للأنبياء، والاعتزاز بمسيرة الحق الممتدة عبر التاريخ. قال ابن حجر: "وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله -تعالى- على نجاة موسى" [فتح الباري: ٤/ ٢٤٨].

فإذا كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اهتم بحدثٍ وقع قبل عهده بقرون طويلة، وهو نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، فصام هذا اليوم شكرًا لله تعالى وأمر بصيامه؛ فإن ذلك يدل على عظمة رابطة الإيمان التي تجمع أتباع الأنبياء، وأن أهل الحق يفرحون بنجاة المؤمنين وانتصارهم مهما تباعدت الأزمنة، وقد وردت بعض الأخبار في فضل هذا اليوم وارتباطه بنجاة نوح عليه السلام من الطوفان، إلا أن الثابت في السنة أن صيام عاشوراء ارتبط بنجاة موسى عليه السلام.

قال الحافظ ابن حجر: "وقد أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له، وحاصلها: أن السفينة استوت على الجودي فيه، فصامه نوح وموسى شكرًا، وكأن ذكر موسى عليه السلام دون غيره هنا لمشاركته لنوح عليه السلام في النجاة وغرق أعدائهما. [فتح الباري: ٤/ ٢٤٨].

فحريٌّ بنا ألا نغفل عن هذا الفضل العظيم، وأن نستحضر ما يجمع المؤمنين من روابط الإيمان والمودة؛ ففرح المسلم بما ينفع إخوانه المؤمنين، وتألمه لما يصيبهم، من معاني الأخوة التي دعا إليها الإسلام، وفي الحديث: «تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» [البخاري: الصحيح ( ٦٠١١)،  ومسلم: الصحيح ( ٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير، رضي الله عنهما ].

عاشوراء وبناء شخصية الأمة

تتجلى حكمة التشريع النبوي في تدرج أحكامه وعمق مقاصده؛ فصيام سيدنا رسول الله ﷺ ليوم عاشوراء لم يكن محاكاةً عارضةً لأهل الكتاب، بل كان عبادةً عرفها قبل الهجرة، ثم تأكدت معانيها في المدينة حين علم أن موسى عليه السلام كان يصومه شكرًا لله تعالى على نجاته وقومه، وفي هذا المشهد تتجلى أحقية أمة الإسلام بمواريث الأنبياء وهدايتهم.

ومن خلال النصوص النبوية يتبين أن صيام عاشوراء مرَّ بمراحل تشريعية متعددة، انتقل فيها من التأكيد إلى الاستحباب بعد فرض صيام رمضان، كما يظهر فيها انتقال الأمة من مرحلة موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنهَ عنه إلى مرحلة تميزها واستقلال شخصيتها، وذلك حين عزم النبي ﷺ في آخر حياته على مخالفتهم بصيام يوم آخر معه، وهكذا تكشف هذه النصوص عن دقة التشريع الإسلامي، وتبرز جهود العلماء في الجمع بينها وبيان مقاصدها وأحكامها.

قال الحافظ ابن حجر: قَوْلُهُ: "وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" لِلْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِيرِ يُونُسَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ أَيْضًا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوا»، وَاسْتُشْكِلَ رُجُوعُهُ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَأَجَابَ الْمَازَرِيُّ: بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِدْقِهِمْ أَوْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، زَادَ عِيَاضٌ: أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ كَابْنِ سَلَامٍ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ ابْتَدَأَ الْأَمْرَ بِصِيَامِهِ، بَلْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَغَايَةُ مَا فِي الْقِصَّةِ، أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ بِقَوْلِ الْيَهُودِ تَجْدِيدُ حُكْمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةُ حَالٍ وَجَوَابُ سُؤال، وَلم تخْتَلف الرِّوَايَات عَن ابن عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَهُ" كَمَا تَقَدَّمَ، إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ تَوَارُدِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى صِيَامِهِ، مَعَ اخْتِلَافِ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَعَلَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَسْتَنِدُونَ فِي صَوْمِهِ إِلَى شَرْعِ مَنْ مَضَى كَإِبْرَاهِيمَ، وَصَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِحُكْمِ الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ كَمَا فِي الْحَجِّ، أَوْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي صِيَامِهِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ، فَلَمَّا هَاجَرَ وَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَهُ وَسَأَلَهُمْ، وَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ احْتَمَلَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِئْلَافًا لِلْيَهُودِ كَمَا اسْتَأْلَفَهُمْ بِاسْتِقْبَالِ قِبْلَتِهِمْ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِك، وعَلى كل حَال فَلم يصمه اقْتِدَاء بهم، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحِبُّ فِيهِ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ. [فتح الباري: ٤/ ٢٤٨].

وفي فتح المنعم: كان آخر أمره صلى الله عليه وسلم ما هم به من صوم التاسع، والظاهر أنه قصد أن يضيف التاسع إلى العاشر، قال الحافظ ابن حجر: إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود، وهو الأرجح، وبه تشير بعض روايات مسلم، ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: «صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا الْيَهُودَ؛ صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» قال: وكان هذا في آخر الأمر، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة، واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا، كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذاك، فوافقهم أولًا، وقال: "نحن أحق بموسى منكم" ثم أحب مخالفتهم، فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله أو يوم بعده خلافًا لهم.

ثم قال: وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب، أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر. والله أعلم [فتح المنعم شرح صحيح مسلم: ٤/ ٥٩٣].

قال الحافظ ابن حجر: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قَالَ: "يَعْنِي يَوْمَ عَاشُورَاءَ" يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ نَقْلَ الْعَاشِرِ إِلَى التَّاسِعِ، وَالثَّانِي: أَرَادَ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَيْهِ فِي الصَّوْمِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ بَيَانِ ذَلِكَ كَانَ الِاحْتِيَاطُ صَوْمَ الْيَوْمَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَصِيَامُ عَاشُورَاءَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ؛ أَدْنَاهَا: أَنْ يُصَامَ وَحْدَهُ، وَفَوْقَهُ: أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ مَعَهُ، وَفَوْقَهُ: أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ وَالْحَادِي عَشَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فتح الباري: ٤/ ٢٤٦].

الخلاصة

يمثل صيام يوم عاشوراء امتدادًا روحيًّا وإيمانيًّا يربط المؤمنين بمسيرة الأنبياء عليهم السلام في شكر الله تعالى على نعمه ونصره لعباده، وقد رسمت السنة النبوية منهجًا متكاملًا لإحياء هذا اليوم، بما يؤكد تميز هوية الأمة الإسلامية؛ ليبقى العاشر من المحرم محطةً إيمانيةً سنويةً لتجديد الصلة بالله تعالى، واغتنام منحة ربانية يكفِّر الله بها ذنوب سنة ماضية.

موضوعات ذات صلة

يتجلى يوم عاشوراء في وعي الأمة كأثرٍ مجيدٍ من آثار النبوة المعظمة.

يُعَدُّ يوم العاشر من شهر الله المحرم (عاشوراء) إحدى أبرز المحطات الإيمانية في تاريخ الرسالات السماوية.

هل صح أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يصم عاشوراء إلا بعد الهجرة فقط؟

يتمثل في صيام عاشوراء شكر الله ـ تعالى ـ على نعمه، وخلق الوفاء عند سيد الخلق ﷺ.

موضوعات مختارة