جماهير العلماء على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم، وممن قال بذلك الإمام مالك والإمام أحمد، وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ،قال النووي: "قَالَ الْقَاضِي: وقد قَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُ بِمَكَّةَ ثُمَّ تَرَكَ صِيَامَهُ حَتَّى عَلِمَ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهِ فَصَامَهُ، قَالَ الْقَاضِي: وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى بِلَفْظِ الحديث، قلت- أي الإمام النووي-: المختار قول الْمَازَرِي؛ وَمُخْتَصَرُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُ كَمَا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَهُ فَصَامَهُ أَيْضًا بِوَحْيٍ أَوْ تَوَاتُرٍ أَوِ اجْتِهَادٍ، لَا بِمُجَرَّدِ أَخْبَارِ آحَادِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" [النووي ، شرح صحيح مسلم: ٨/١١].
ويتحصل من الأخبار كمال قال ابن رجب: أنه كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم في صيامه أربع حالات:
الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَا يَصُومُهُ" [البخاري: الصحيح (٣٨٣١)]، وفي رواية: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ» [البخاري: الصحيح ( ١٨٩٣) ].
الحالة الثانية: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له، وكان يحبّ موافقتهم فيما لم يُؤمر به، صامه، وأمر النّاس بصيامه، وأكّد الأمر بصيامه، والحثّ عليه، حتّى كانوا يصوّمونه أطفالهم.
فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ»، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. [البخاري : الصحيح ( ٢٠٠٤)، ومسلم: الصحيح (١١٣٠) ]
وفي مسند الإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ؟» قَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ، وَغَرَّقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ، وَهَذَا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، فَصَامَ نُوحٌ وَمُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ»، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ [أحمد ، المسند ( ٨٧١٧)]
وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا من أسلم، أن أذِّن في النّاس «مَن أكلَ فليَصُم بقيَّةَ يومِهِ، وَمَن لم يكن أَكَل فلْيصُم؛ فإنّ اليومَ يومُ عاشوراء» [البخاري: الصحيح ( ٢٠٠٧) ، ومسلم: الصحيح (١٧٦١) ].
وفيهما أيضًا عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ، الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» فَكُنَّا، بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ" [البخاري: الصحيح ( ١٩٦٠)، ومسلم: الصحيح ( ١١٣٦) ]. وفي رواية: "فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ، أَعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ" [ مسلم: الصحيح (١١٣٦) ].، وفي الباب أحاديث كثيرة جدّا.
وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم، هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبًا أم كان سنة مؤكدة؟ على قولين مشهورين؛ ومذهب أبي حنيفة أنّه كان واجبًا حينئذٍ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وأبي بكر الأثرم، وقال الشافعيّ رحمه الله: بل كان متأكّد الاستحباب فقط، وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم. [وينظر لطائف المعارف: ص٤٨-٥٥].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء في مكة ولا يأمر الناس بصيامه، فلما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه ويعظمونه، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنهَ عنه، فصامه وأمر بصيامه وحث عليه، فلما فُرض صيام رمضان خُفف التأكيد في صيام عاشوراء، ثم عزم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته على أن يصوم يومًا آخر معه مخالفةً لليهود، ولم يكن صيام عاشوراء فرضًا على القول الراجح.
وقال الإمام النووي: "واختلفوا في حكمه في أول الإسلام، حين شرع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا، واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين مشهورين؛ أشهرهما عندهم أنه لم يزل سنة من حين شرع، ولم يكن واجبًا قط في هذه الأمة، ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبًا دون ذلك الاستحباب، والثاني: كان واجبًا كقول أبي حنيفة، وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء، ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه، وأصحاب الشافعي يقولون: كان مستحبًّا، فصح بنية من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله: أمر بصيامه، والأمر للوجوب، وبقوله: فلما فرض رمضان، قال: من شاء صامه ومن شاء تركه " [شرح النووي على صحيح مسلم: ٨/٤].
قال شيخ الإسلام ابن حجر: "وَنقل ابن عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ الْآنَ لَيْسَ بِفَرْض، وَالْإِجْمَاع على أَنه مُسْتَحبّ" [فتح الباري: ٤/٢٤٦].