Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

يوم عاشوراء منطلق لإصلاح النفس وتجديد العهد مع الله

الكاتب

هيئة التحرير

يوم عاشوراء منطلق لإصلاح النفس وتجديد العهد مع الله

المواسم المباركة فرصة ذهبية يمنحها الله لعباده؛ كي يستعيدوا توازنهم الرُّوحي، ويأتي يوم عاشوراء في مقدمة هذه المحطات كمنطلق عملي وسهل لإصلاح النفس، وتجديد العهد مع الله، ومن هنا، يرسُم هذا المقال خارطة طريق واضحة تبدأ بمراجعة النفس وتطهيرها، وصولًا إلى الثبات على الاستقامة.

عاشوراء محطة سنوية لمراجعة الحسابات

يُمثّل يوم عاشوراء موعدًا إيمانيًّا تتجدد فيه الرُّوح، ويتجاوز أثره مجردَ تذكّر نصر الله لنبيه موسى - عليه السلام؛ ليصبح محطة سنوية ميسرة لمراجعة النفس وإصلاحها، إن وقوف المسلم في هذا اليوم متأملًا يُعينه على ترتيب أولوياته، وتصحيح مساره؛ حيث يأتي عاشوراء كفرصة سانحة لمحو خطايا العام الماضي، وبدء صفحة جديدة مع الله، ويتجلى هذا الفضل العظيم في الهدية الربانية التي يمنحها الله لعباده، والتي أخبر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [رواه مسلم، حديث رقم: ١١٦٢]، إن هذا التكفير الإلهي ليس دعوة للتهاون بالذنوب، بل هو حافز للاستقامة؛ فالصيام هنا يربّي الإرادة على ترك العادات السيئة طاعةً لله، وتكتمل هذه المحاسبة بالحرص على اتباع السنة النبوية في صيام يومٍ قبله تمييزًا للمسلم، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [رواه مسلم، حديث رقم: ١١٣٤]، فالمحاسبة السهلة والدقيقة في هذه المحطة تدفع المسلم لتحويل أخطاء الماضي إلى خطة عمل للمستقبل، فيعاهد ربه على ملازمة الطاعات، وهجر المعاصي، ليخرج من يوم عاشوراء نقيَّ النفس، متجدد العهد، ومستقيمًا في حياته اليومية مع أسرته ومجتمعه.

صيام عاشوراء.. بوابة التطهير والتحرر من الخطايا

يتجاوز صيام يوم عاشوراء مجرد الإمساك عن الطعام والشراب؛ ليكون بمثابة بوابة ذهبية للتطهير الروحي، والتحرر من قيد الخطايا والآثام، إن هذه العبادة تُجدد قلب المؤمن وتنقّيه؛ حيث يتخلص فيها العبد من أثقال الذنوب التي قيدت روحه طوال عامٍ كامل، وعندما يمتنع الصائم عن المباحات؛ فإنه يُعلن انتصار إرادته الإيمانية على شهوات الجسد، مما يمنحه القوة للتخلص من التبعات النفسية والسلوكية للسيئات، هذا التطهر الشامل تؤكده نصوص السنة الشريفة التي جعلت من هذا اليوم موسمًا لمحو الأوزار؛ فقد جاء عن أبي قَتادةَ الأنصاريِّ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «... وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، [رواه مسلم، حديث رقم: ١١٦٢]، وليس التطهيرُ مقصورًا على محو الماضي فحسب، بل هو تحصين للحاضر، وبناء لقوة نفسية جديدة تعين المسلم على التحرر من أَسر العادات السلبية، فالفرحة بنعمة المغفرة والنجاة الإلهية في هذا اليوم تحول الصيام من مجرد جَهد بدني إلى شحنة رُوحية تدفع المؤمن نحو التطهر الأخلاقي والترفُّع عن الدنايا، ولعل من تمام هذا التطهير نيل بركة الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وتشبهه بالأنبياء قبله شكرًا لله؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما قال: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا اليَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ» [رواه البخاري، حديث رقم: ٢٠٠٦]، هكذا يتكامل التطهير بالتحرر من غفلة الذنب، والارتقاء في مدارج العبودية، ليعود المسلم بعد صوم عاشوراءَ نقيًّا من الخطايا، طاهر الفؤاد، ومتحررًا من كلِّ ما يحول بينه وبين مرضاة ربه.

تجديد العهد في عاشوراء.. خطة عمل للاستقامة

إن التطهير الرُّوحي الذي يناله المسلم في عاشوراء لا بد أن يثمر حركة عملية في واقع الحياة، تتجاوز مجرد العاطفة الوقتية إلى صياغة خطة عمل حقيقية ومستدامة للاستقامة وتجديد العهد مع الله، ولا يكون هذا التجديد ناجحًا إلا إذا تحول إلى التزام دقيق بالواجبات والفرائض، وفي مقدمتِها الصلاة التي هي عمود الدين، والابتعاد الحازم عن المظالم والذنوب التي تقطع الصلة بالخالق جل وعلا، فالتوجه العملي هو جوهر حقيقة الإيمان؛ فالعهد مع الله ليس مجردَ كلمات تُردَّد، بل هو سلوك يُعاش، وتطبيق يظهر في المعاملات اليومية والعبادات المستمرة، وبذل الجهد في البقاء على الصراط المستقيم دون انحراف، ولقد وجهَنا القرآن الكريم إلى أن لزوم الاستقامة هو الميزان الحقيقي لقبول الأعمال وثبات العهد، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُوا۟ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]، وتقتضي خطة العمل هذه وضعَ آليات واضحة لمحاسبة النفس يوميًّا، واجتناب رفقة السوء، وعمارة الأوقات بالذكر وتلاوة القرآن الكريم؛ لضمان ديمومة هذا العهد الإيماني المكتسب من بركة عاشوراء، ويتأكد هذا المفهوم بما ثبت في السنة النبوية الشريفة من أن أحب الأعمال إلى الله ورسوله هي تلك التي تدوم وتستمر وإن قلّت، لتكون حبلَ وصال متين لا ينقطع بانقضاء المواسم المباركة؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «... وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» [رواه البخاري، حديث رقم: ٤٣]. بناءً على ذلك، يصبح تجديد العهد في هذا اليوم انطلاقة لبرنامج تربوي صارم يلتزم به المؤمن في سائر شهوره، فيثبت على الطاعة، ويقوى على مواجهة الفتن، لتتحول حياتُه كلُّها إلى محراب استقامة مستمرة ترتقي به في درجات القَبول والرضوان الإلهي.

درس عاشوراء الأكبر.. الثبات على الحق

بناء النفس وإصلاحها لا يتوقف عند مجرد البداية أو تجديد العهد، بل يحتاج إلى قوة تدفعه للاستمرار؛ وهذا ما نتعلمه من درس (الثبات على الحق)، الذي يمثل القيمة الأساسية الكبرى في أحداث يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي يرسخ في وعي المسلم حقيقة أصيلة وثابتة؛ وهي أن الصراع بين الحق والباطل ممتد، وأن العاقبة للمتقين مهما بلغت التضحيات، وعظُمت الخطوب، فعندما يقف المؤمن على قصة نجاة نبي الله موسى - عليه السلام  - وقومه، وغرق فرعون وجنوده، يُدرِك تمامًا أن النصر حليف المتمسكين بالمنهج الرباني، وأن المعيار الأساسي للنجاة هو الثبات واليقين بوعد الله - سبحانه وتعالى - هذا المعنى التاريخي العميق والربط الإيماني المباشر أكدته السنة الشريفة؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ المَدِينَةَ فَوُجَدَ اليَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالُوا: "هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهْوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى، وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ"، فقال - صلى الله عليه وسلم: «فَأَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ»،[رواه البخاري، حديث رقم: ٣٣٩٧]، إن استلهام ثبات الأنبياء والصالحين في هذا اليوم يُمد النفس بطاقة معنوية هائلة لمواجهة ضغوط الواقع، ومغريات الحياة التي تحاول صرفها عن جادة الاستقامة والعهد المتجدد، فالذي نجّى موسى - عليه السلام - بفلْق البحر، هو سبحانه القادر على إعانة العبد وتثبيته أمام أمواج الفتن والشبهات والشهوات التي تَعصِف بقلبه ونفسه، ويتأكد هذا المفهوم في القرآن الكريم الذي بيّن أن الغاية من سرد قصص الأنبياء وثباتهم هي تثبيت أفئدة المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلࣰّا نَّقُصُّ عَلَیۡكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَاۤءَكَ فِی هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةࣱ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [هود: ١٢٠]، وبذلك يتحول يوم عاشوراء في وعي المسلم من مجرد حدثٍ تاريخي عابر، إلى مدرسة حيّة يَستمِد منها صلابة الموقف، ورسوخ المبدأ، وشجاعة المضي في طريق الإصلاح دون تراجع، ليكون الثبات على الحق الثمرة الختامية والضمانة الحقيقية لكل خطوات الإصلاح السابقة.

الخلاصة

يُمثّل يومُ عاشوراءَ نعمةً ربَّانية، ومحطةً فارقةً تَشْحَنُ القلوبَ باليقين والأمل في بدايةٍ جديدة مع الله؛ فنجاةُ النفس من ذنوبها وغفلتها هي الانتصارُ الحقيقي الذي يجب أن يَخرج به المسلم من هذا اليوم المبارك، ولن يتحقق ذلك إلا بتحويل برَكة الصيام، وعِبرة التاريخ إلى سلوكٍ دائم، واستقامةٍ مشهودة في واقعنا المُعاش.

موضوعات ذات صلة

عاشوراء فرصة متجددة لتعزيز قيم التعايش والتسامح والوحدة الإنسانية بين المذاهب والأديان.

عاشوراء يوم نصر موسى، وصيامه تجديدٌ للعهد النبوي وتجسيدٌ للولاء والارتباط بالسماء.

عاشوراء محطةٌ إيمانية ورمزٌ للتضحية، يجسدها استشهاد الحسين دفاعًا عن المبادئ السامية.

صيام عاشوراء شكرٌ لله، وتجسيدٌ لوفاء النبي بمكانة موسى عليه السلام العالية.