Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ذكرى المولد النبوي الشريف

الكاتب

أ. د/ أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء

ذكرى المولد النبوي الشريف

قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: الآية ٤] ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدࣰا﴾ [النساء: من الآية ٧٩]

يستعرض هذا المقال أهمية ذكرى المولد النبوي الشريف باعتبارها من أعظم الذكريات في تاريخ الأمة الإسلامية، مع بيان مكانة النبي صلى الله عليه وسلم الرفيعة عند ربه، وبيان مشروعية الفرح بمولده الشريف، كما يبرز دور سيرته وسنته المطهرة في إخراج البشرية من الظلمات إلى النور، ودعوة الأمة إلى الاقتداء به وتوحيد صفوفها على منهجه القويم.

المولد النبوي ميلاد أمة

إن تاريخ الأمم والشعوب يزخر بذكريات خالدة، تتناقلها الأجيال وتعتز بها، ومن أعظم تلك الذكريات في تاريخ الإسلام ذكرى مولد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يكن ميلاد فردٍ فحسب، بل كان ميلاد أمة، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، أشرقت بها الأرض بنور الهداية، وتبدلت بها مسارات الحياة من الجاهلية إلى نور الإيمان والرسالة.

مشروعية الفرح بذكرى المولد النبوي الشريف

لقد كانت البشرية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم تعيش في ظلمات الجهل والضلال، فلما أشرقت على الوجود رسالته المباركة أضاء الله به طريق الهداية، وانتشرت معاني الأمن والقيم والأخلاق في المجتمع الإنساني، وظهرت مبادئ العدل والرحمة والفضيلة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئل عن صيام يوم الاثنين، فقال: «ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ»؛ فكان يصومه شكرًا لله تعالى على نعمة المولد وبداية الرسالة، وفي ذلك إشارة إلى مشروعية تذكر هذه النعمة العظيمة وشكر الله عليها.

ويدل على مشروعية الفرح بنعم الله تعالى قوله سبحانه: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟﴾ [يونس: ٥٨]، وأي فضل أعظم من ميلاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأي رحمة أكرم من ميلاده -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فيستحب الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم إعلانًا للسرور والفرح بفضل الله ورحمته.

تخفيف العذاب عن أبي لهب لفرحه بميلاد ابن أخيه

ومما يُذكر في بعض كتب السيرة أن أبا لهب – وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نزل فيه قوله تعالى: ﴿تَبَّتۡ یَدَاۤ أَبِی لَهَبࣲ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] – من شدة فرحه وسروره بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم حين بشَّرته ثويبة جاريته بولادة ابن أخيهأعتقها إعلانًا لفرحه بميلاد ابن أخيه، وبعد أن مات أبو لهب، رُوي أن العباس بن عبد المطلب رآه في المنام فسأله عن حاله بعد موته، فأخبره بأنه في النار؛ لأنه مات مشركًا، وقد نزل فيه قوله تعالى: ﴿تَبَّتۡ یَدَاۤ أَبِی لَهَبࣲ وَتَبَّ﴾، إلا أنه قال: "يُخفف عني العذاب في كل يوم اثنين بسبب فرحي بميلاد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم" [ابن كثير، البداية والنهاية ٣/٤٠٧] حتى قال في ذلك الحافظ الشمس محمد بن ناصر الدين الدمشقي:

إِذَا كَانَ هَذَا كَافِرًا جَاءَ ذَمُّهُ ... وَتَبَّتْ يَدَاهُ فِي الجَحِيمِ مُخَلَّدَا

أَتَى أَنَّهُ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ دَائِمًا ... يُخَفَّفُ عَنْهُ لِلسُّرُورِ بِأَحْمَدَا

فَمَا الظَّنُّ بِالعَبْدِ الَّذِي عاش عُمْرِهِ ... بِأَحْمَدَ مَسْرُورًا وَمَاتَ مُوَحِّدَا؟

 وهكذا نرى أن السرور بهذه الذكرى والفرح بها من الأمور التي يُستحب للمسلم أن يحرص عليها؛ لأنها ذكرى أطهر من وُلد على الأرض، وأفضل خلق الله، ورحمة الله للعالمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين.

مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى وسبق الاصطفاء لنبوته

تتجلى مكانة النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة في علو منزلته عند ربه، ورفيع قدره في الملأ الأعلى، وما أكرمه الله به من الخصائص والفضائل. ومن مقتضى ذلك أن يحرص المسلمون على إحياء هذه الذكرى بالاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم، وأن يستلهموا منها الدروسَ والعبر، وأن يحيوا معانيها بالإيمان والطاعة، وأن يتدارسوا أشرف سيرة عرفتها البشرية، وهي سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلوا منها مناسبةً لتجديد محبتهم له، والاقتداء بهديه، والتمسك بسنته، والاجتماع على الذكر والدعاء، وتوحيد الصفوف، وجمع الكلمة، والدفاع عن دينهم وأمتهم.

كما ينبغي أن تكون هذه المناسبة فرصةً لتعريف الناس بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته العظيمة عند ربه سبحانه وتعالى؛ فقد أخذ الله تعالى الميثاق على الأنبياء بالإيمان به ونصرته إذا بُعث في زمانهم، فقال جل شأنه: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَٰقَ ٱلنَّبِیِّۦنَ لَمَاۤ ءَاتَیۡتُكُم مِّن كِتَٰبࣲ وَحِكۡمَةࣲ ثُمَّ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مُّصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِیۖ قَالُوۤا۟ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِینَ﴾ [آل عمران: ٨١].

وقد دلَّ ذلك على علوِّ قدره وشرف منزلته عند الله تعالى؛ حتى إن الأنبياء أُخذ عليهم العهد بالإيمان به ونصرته لو أدركوا زمان بعثته. ومن الأحاديث الدالة على مكانته ما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى كُتِبْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: «وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» [مسند أحمد (٢٠٥٩٦) وإسناده صحيح]، وفي حديث العِرباض بن سارية، رضي الله عنه «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ بِخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ» [صحيح لغيره، أخرجه أحمد في مسنده (١٧١٦٣) ابن حبان في الصحيح (٦٤٠٤) والحاكم في المستدرك (٣٥٦٦)] «وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ»، وهو ما يبين سبق تقدير نبوته واصطفائه في علم الله تعالى.

ومما يدل على مكانته عند ربه أنه أقسم بحياته صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم حيث قال الله تعالى: ﴿لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِی سَكۡرَتِهِمۡ یَعۡمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، وهو من دلائل تكريمه ورفعة مكانته.

التلازم بين طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم

لقد قرن الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بطاعته، بل جعل طاعة الرسول عينَ طاعة الله سبحانه، فقال جل شأنه: ﴿مَّن یُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ﴾ [النساء: ٨٠]، ولم يقل سبحانه: "فكأنما أطاع الله"، وإنما قال: ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾؛ تأكيدًا لعظيم منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيانًا لوجوب امتثال أوامره والانتهاء عما نهى عنه.

ومن ثمَّ كان من واجب الأمة الإسلامية أن تُعرِّف العالم بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تُبيِّن منزلة سنته المطهرة وسيرته العطرة، وأن تدافع عنهما أمام ما يثيره بعض المغرضين أو الجاهلين من شبهات وافتراءات؛ فسيرته صلى الله عليه وسلم هي أكمل السير وأشرفها، وسنته النبوية هي البيان العملي للقرآن الكريم، والشارحة لأحكامه، والمفصلة لمجمله، وبدونها لا يمكن فهم كثير من أحكام الإسلام ومقاصده. وقد أمر الله تعالى بالأخذ بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: ﴿وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواۚ﴾ [الحشر: ٧]، فكانت طاعته واتباع هديه أصلًا من أصول هذا الدين، وعلامةً على صدق الإيمان وحسن الاتباع.

وإذا أقبلت ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم، فإن من أعظم ما ينبغي استحضاره ما دعا إليه من الإيمان والرحمة والأمن والعدل والتراحم بين الناس، وأن تعمل الأمة على تحقيق معاني الأخوة والتكافل والتعاون، فتكون كما وصفها نبيها صلى الله عليه وسلم، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [صحيح مسلم: ٢٥٨٦]، وبذلك يتحقق الاقتداء الحقيقي بصاحب هذه الذكرى المباركة، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا﴾ [الأحزاب: ٢١]، فخير ما تُحيى به ذكراه صلى الله عليه وسلم هو الاقتداء به، والتمسك بسنته العطرة المباركة، والسير على هديه في الأقوال والأعمال والأخلاق.

واجب الأمة الإسلامية في ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم

إن من أعظم الواجبات التي تقع على عاتق الأمة الإسلامية في هذه المرحلة أن تتمسك بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، وأن تجعل من سيرته العطرة منهجًا عمليًّا في حياتها، فتقتدي بأخلاقه، وتلتزم بهديه، وتعمل على نشر القيم التي جاء بها من الرحمة والعدل والتسامح والتكافل والتعاون على البر والتقوى.

كما يجب عليها أن تحافظ على وحدتها، وأن تنبذ أسباب الفرقة والخلاف، وأن تجتمع على ما يوحد صفوفها ويقوي شوكتها، وأن تبذل وسعها في تعريف الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة، والدفاع عن سنته المطهرة، وإبراز ما قدمه للبشرية من هداية ورحمة وخير.

وفي هذه المناسبة الكريمة نسأل الله تعالى أن يوحد أمتنا، وأن يجمع كلمتنا على الحق، وأن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، ويعلي راية الدين، ويحفظ أوطاننا من الفتن والمحن، وأن يجعلها آمنة مطمئنةً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الخلاصة

إنَّ ذكرى المولد النبوي الشريف تمثل مناسبةً لتجديد الصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، واستلهام الدروس والعبر من سيرته العطرة، وتعزيز معاني الاقتداء بهديه والتمسك بسنته. فهي ليست مجرد مناسبة عابرة، بل هي فرصة متجددة لاستحضار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والوقوف على ما تحمله من معانٍ إيمانية وتربوية وحضارية، وتجديد محبته في القلوب، وتعميق الاقتداء بهديه وسنته في الأقوال والأعمال والأخلاق.

كما أن السنة النبوية المطهرة تمثل البيان العملي للقرآن الكريم، وهي مصدر أصيل من مصادر التشريع الإسلامي، وأن الدفاع عنها وعن صاحبها صلى الله عليه وسلم واجب شرعي وعلمي يُؤدَّى بالحجة والبيان، وبإبراز محاسن الإسلام وعظمة السيرة النبوية.

وإن خير ردٍّ على المشككين والطاعنين هو التمسك بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، والعمل بتعاليمه، وإحياء قيم المحبة والتراحم والتكافل التي دعا إليها، مع الحرص على وحدة الأمة واجتماع كلمتها، والتعاون على ما فيه عزتها ونهضتها، حتى تبقى متمسكة بعقيدتها، معتزة بهويتها، سائرة على هدي نبيها صلى الله عليه وسلم.

موضوعات ذات صلة

كانت ليلة الخير والبركة والنور والسرور على الكون بأكمله.

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن محبة الأمة لرسولها الكريم ﷺ.

أبانَ مولدُهُ عن طيبِ عنصرِهِ * يا طيبَ مبتدأ منهُ ومختتمِ

هل يمكن تحديد ميلاد النبي ﷺ بالتقويم الميلادي بدقة؟ 

يُشكّل ميلاد سيدنا النبي محمد ﷺ نقطة فارقة في تاريخ البشرية.