أ- الإخلال بشرط الطهارة من الحدث والخبث
ذهب
جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الطهارة شرط لصحة الطواف،
مستدلين بما رواه الترمذي وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما؛ أَنَّ
النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ
مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ
فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ» [الترمذي
(٩٦٠)].
والطواف، فيه ثلاث روايات: الرواية الأولى: أن الطهارة
شرط لصحة الطواف، والرواية الثانية: أن الطهارة واجبة للطواف وتجبر بدم، والرواية
الثالثة: أن الطهارة مستحبة للطواف [شرح المقنع للبهاء المقدسي (١/٢٣٢)].
قَالَ ابْن
الْجَوْزِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن طواف الْمُحدث لَا يجوز، وَلَو كَانَ ذَلِك
لأجل الْمَسْجِد لقَالَ: لَا يدْخل الْمَسْجِد، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَعَن
أَحْمد: طواف الْمُحدث وَالْجنب لَا يَصح، وَعنهُ: يَصح، وَقَالَ أَصْحَابنَا: الطَّهَارَة
لَيست بِشَرْط، فَلَو طَاف وَعَلِيهِ نَجَاسَة أَو طَاف مُحدِثًا أَو جنبًا صَحَّ
طَوَافه، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلۡیَطَّوَّفُوا۟
بِٱلۡبَیۡتِ ٱلۡعَتِیقِ﴾ [الحج: ٢٩]، أَمر بِالطّوافِ
مُطلقًا، وتقييده بِالطَّهَارَةِ بِخَبَر الْوَاحِد زِيَادَة على النَّص فَلَا
يجوز، وَلَكِن إِن طَاف مُحدِثًا فَعَلَيهِ شَاة، وَإِن طَاف جنبا فَعَلَيهِ
بَدَنَة، ويعيده مَا دَامَ فِي مَكَّة، وَعَن دَاوُد: الطَّهَارَة لَهُ وَاجِبَة،
فَإِن طَاف مُحدثًا أَجزَأَهُ إلَاّ الْحَائِض، وَعند الشَّافِعِي: الطَّهَارَة
شَرط فَلَا يَصح بِدُونِهَا، وَمذهب الْجُمْهُور: أَن السَّعْي يَصح من الْمُحدث
وَالْجنب وَالْحَائِض، وَعَن الْحسن: أَنه إِن كَانَ قبل التَّحَلُّل أعَاد
السَّعْي، وَإِن كَانَ بعده فَلَا شَيْء عَلَيْهِ [بدر الدين العيني، عمدة القاري
شرح صحيح البخاري (٩-١٨٤)].
وقال
ابن قدامة: "وذلك لأنَّ الطَّهارَةَ من الحَدَثِ
والنَّجَاسَةِ والسِّتَارَةَ شَرَائِطُ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ، في المَشْهُورِ عن
أحمدَ. وهو قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ أنَّ الطَّهارةَ ليستْ
شَرْطًا، فمتى طافَ لِلزِّيَارَةِ غيرَ مُتَطَهِّرٍ أعادَ ما كان بمَكَّةَ، فإن خَرَجَ إلى بَلَدِهِ، جَبَرَهُ
بِدَمٍ، وكذلك يُخَرَّج في الطَّهارَةِ من النَّجَسِ والسِّتَارَةِ، وعنه، في مَن
طافَ لِلزِّيَارَةِ، وهو نَاسٍ لِلطهارَةِ: لا شيءَ عليه، وقال أبو حنيفةَ: ليس شيءٌ
من ذلك شَرْطًا، واخْتَلَفَ أصْحَابُه، فقال بَعْضُهم: هو وَاجِبٌ، وقال بَعْضُهم:
هو سُنَّةٌ؛ لأنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ لِلْحَجِّ؛ فلم يُشْتَرَطْ له الطهارةُ،
كالوُقُوفِ" [ابن قدامة،
المغني (٥-٢٢٢)، ابن أبي عمر، الشرح الكبير على المقنع (٣-٣٩٨)، الحطاب، مواهب
الجليل في شرح مختصر خليل (٣-٦٩)].
ب- الطواف من داخل "حجر إسماعيل"
يُعد الحجر جزءًا من الكعبة المشرفة، والطواف يجب
أن يكون من وراء البيت كله، والمخالفة: دخول الطائف من فتحة الحجر، وخروجه
من الفتحة الأخرى اختصارًا للمسافة.
استدل العلماء بحديث أم المؤمنين عائشة - رضي
الله عنها - في صحيح البخاري: سَأَلْتُ
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْجَدْرِ، أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»
قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ
قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ» [البخاري (١٥٨٤)، مسلم (١٣٣٣)].
قال الامام
النووي: "فَإِنْ طَافَ فِي الْحِجْرِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ أَكْثَرُ
مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ
لِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ جَمَاعَاتٌ
مِنْ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ طَوَافُهُ فِي
شَيْءٍ مِنَ الْحِجْرِ وَلَا عَلَى جِدَارِهِ، وَلَا يَصِحُّ حَتَّى يَطُوفَ
خَارِجًا مِنْ جَمِيعِ الْحِجْرِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ
عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ،
وَرَجَّحَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ
سِوَى أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ طَافَ فِي الْحِجْرِ وَبَقِيَ فِي
مَكَّةَ أَعَادَهُ، وَإِنْ رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ بِلَا إِعَادَةٍ أَرَاقَ دَمًا،
وَأَجْزَأَهُ طَوَافُهُ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله
عليه وسلم طَافَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَقَالَ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ،
ثُمَّ أَطْبَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى
الْآنَ، وَسَوَاءٌ كَانَ كُلُّهُ مِنَ الْبَيْتِ أَمْ بَعْضُهُ فَالطَّوَافُ
يَكُونُ مِنْ وَرَائِهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ" [النووي ، المنهاج شرح صحيح مسلم (٩-٩١)].
وقال ابن حجر: قوله: (أمن البيت هو؟ قال: نعم) هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت...
وبذلك كان يفتي ابن عباس كما رواه عبد الرزاق، عن أبيه، عن مرثد بن شرحبيل، قال:
سمعت ابن عباس يقول: لو وليت من البيت ما ولي ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في
البيت، فلم يطاف به إن لم يكن من البيت؟ [ابن
حجر، فتح الباري (٣-٤٤٣)].
قال
الرافعي: الطَّوَاف المأمور به هو الطَّواف بالبيت، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ
الْعَتِيقِ﴾ وإنما يكون طائفًا به إذا كان خارجًا
عنه، وإلا فهو طَائِفٌ في البَيْتِ، إذا تقرر ذلك فَفِي الفَصْلِ صُوَرٌ: إحداها: لو مشى على شَاذْرَوَانِ
البَيْتِ لم يصح طَوَافُه؛ لما ذكرنا أنه من البيت، وعن المُزَنَي: أنه سماه تأزير
البيت، أي: هو كالإِزَارِ له، وقد يقال: له التأزيز – بزاءين - وهو التأسيس.
الثانية:
ينبغي أن يدور في طَوَافِهِ حول الحجَرِ الذي ذكرنا أنه بين الرُّكْنَيْنِ
الشَّاميين، وهو موضع حُوّطَ عليه بجدار قَصِيرٍ، بينه وبين كل واحد من الرّكنين
فتحة، وكلام جماعة من الأصحاب يقتضي كون جميعه من البيت، وهو ظاهر لفظه في
"المختصر"، لكن الصحيح أنه ليس كذلك، بل الذي هو من البيت منه قدر ستة
أذرع تتصل بالبيت. [الرافعي، فتح العزيز شرح الوجيز (٣-٣٩٤)، النووي، روضة
الطالبين (٣-٨٠)].].
ج- الخطأ في تطبيق سنة "الرمل"
و"الاضطباع"
وهي من السنن التي يكثر فيها اللبس بين العوام،
حيث يشرع الرمل (إسراع الخطى) والاضطباع (كشف الكتف الأيمن) في طواف القدوم أو
طواف العمرة فقط، وفي الأشواط الثلاثة الأولى للرمل.
روى مسلم في صحيحه بسنده عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، رضي الله عنهما، قَالَ: "رَمَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ
الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا" [مسلم (١٢٦٢)]، وعَنْ جَابِرِ
بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رضي الله عنهما؛ أَنَّهُ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى
إليه ثلاثة أطواف" [مسلم
(١٢٦٣)].
قال
الرافعي: "والرَّمَل
هو الاسراع في المشي مع تقارب الخطى دون الوثوب والعدو، ويقال: إنه الخَبَبَ، وغلط
الأئمة من ظن كونه دون الخبب... حيثُ يُسَنُّ الرَّمَل، فإنما يسن في الأشْوَاطِ
الثلاثة الأولى، فأما الأربعة الأخيرة فالسنة فيها الهينة، روي عن جابر: "أَنَّ
النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَر فَاسْتَلَمَهُ،
ثُمَّ مَشى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاَثاً وَمَشى أَرْبَعاً" أو هل يستوعب
الثلاثة الأولى بالرَّمَلِ؟ فيه قولان حكاهما الإمام: أصحهما: وهو المشهور: نعم؛
لما روى: "أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ
ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبَعًا". [الرافعي، العزيز شرح الوجيز (٣-١٠٢)].
الِاضْطِبَاعُ: وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ
الْأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَيُبْقِي مَنْكِبَهُ
الْأَيْمَنَ مَكْشُوفًا، وَكُلُّ طَوَافٍ سُنَّ فِيهِ الرَّمَلُ سُنَّ فِيهِ
الِاضْطِبَاعُ، وَمَا لَا فَلَا. [النووي، روضة الطالبين (٣-٨٨)].
قال النووي: قال أصحابنا: ويسن
الرمل في الطوفات الثلاث الأول، ويسن المشي على الهينة في الآخرة، فلو فاته في
الثلاث لم يقضه في الأربع لما ذكره المصنف، وهذا لا خلاف فيه. [النووي، المجموع
(٨-٤١)].
وقال أيضًا: قال أصحابنا: والاضطباع ملازم للرمل، فحيث
استحببنا الرمل بلا خلاف فكذا الاضطباع، وحيث لم نستحبه بلا خلاف فكذا الاضطباع،
وحيث جرى خلاف جرى في الرمل والاضطباع جميعًا، وهذا لا خلاف فيه. [النووي، المجموع
(٨-٤٢)].
قال الماوردي وغيره من الأصحاب: ولو ترك الاضطباع في بعض
الطواف أتى به فيما بي، ولو تركه في الطواف أتى به في السعي.
وقال النووي: قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب الاضطباع،
وقال مالك: لا يشرع الاضطباع لزوال سببه، قال أصحابنا: هذا منتقض بالرمل بما
قدمناه عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. [النووي، المجموع
(٨-٢١)].