شكلت حجة الوداع المؤتمر التشريعي الأعظم الذي أرسى فيه النبي ﷺ دستوراً شاملاً، مترجماً الأحكام إلى أفعال مشهودة تحت شعار «خُذُوا عَنِّي مِنِاسِكَكُم»، وتظل هذه الرحلة بمحطاتها المرجعية التطبيقية الفضلى لاستنباط أدق الأحكام الفقهية من أمهات التراث.
شكلت حجة الوداع المؤتمر التشريعي الأعظم الذي أرسى فيه النبي ﷺ دستوراً شاملاً، مترجماً الأحكام إلى أفعال مشهودة تحت شعار «خُذُوا عَنِّي مِنِاسِكَكُم»، وتظل هذه الرحلة بمحطاتها المرجعية التطبيقية الفضلى لاستنباط أدق الأحكام الفقهية من أمهات التراث.
يقال لها: "حجة الوداع، وحجة الإسلام، وحجة البلاغ"؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ودّع الناس فيها ولم يحج بعدها.
قال ابن هشام: "فَكَانَتْ حَجَّةَ الْبَلَاغِ، وَحَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا" [ابن هشام، السيرة النبوية (٢/٦٠٦)].
وقال المسعودي: "فسميت حجة الوداع؛ لأنه ودعهم ولم يحج بعدها، وتسمى أيضًا "حجة البلاغ"؛ لأنه حين ودعهم خطبهم فقال في خطبته: «أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ» [المسعودي، التنبيه والإشراف (١/٢٤٠)].
كانت حجة رسول الله ﷺ في سنة عشر، وهي التي تسمى حجة الوداع. وإنما سميت بذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ. وكان عبد الله بن عباس أنكر قولهم «حجة الوداع»، فقالوا: "حجة الإسلام"، فقال: "نعم، لم يحج رسول الله ﷺ من المدينة غيرها"، وقال إبراهيم بن سعد: هي تسمى أيضًا "حجة البلاغ"، وكان خليفته في هذه الحجة ابن أم مكتوم. [البلاذري، أنساب الأشراف، ص٣٦٨].
وذكر الماوردي عدة تسمياتٍ لها أيضًا فقال: ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حجة الوداع؛ وسميت بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَدَّعَ فِيهَا النَّاسَ.
وَسُمِّيَتْ حَجَّةُ الْبَلَاغِ؛ لِأَنَّهُ بَلَّغَ أُمَّتَهُ فِيهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ خُطْبَتُهُ.
وَسُمِّيَتْ حَجَّةُ التَّمَامِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ تَمَامَهَا وَأَرَاهُمْ مَنَاسِكَهَا.
وَسُمِّيَتْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ غَيْرَهَا.
وَقِيلَ: لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ غَيْرَهَا.
وذكر ابن يونس الصقلي سبب تسميتها بحجة الإسلام؛ لأنها الحجة التي تتامَّ فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك. [ابن يونس الصقلي، الجامع لمسائل المدونة (٢٤/٢٣٣)].
وَسميت: "حجَّة الْبَلَاغ" أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ ﷺ بلغ النَّاس فِيهَا شرع الله فِي الْحَج قولًا وفعلًا، وَلم يكن بَقِي من دعائم الْإِسْلَام وقواعده إِلَّا وَقد بلغه ﷺ، وَسميت أَيْضًا: "حجَّة التَّمام والكمال"، وَحجَّة الْوَدَاع أشهر. [بدر الدين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١٨/٣٦)].
ويذكر ابن كثير أن النقلة اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا جدًا في ذكر حجته عليه السلام كيف كانت، بحسب ما وصل إلى كل منهم من العلم، وتفاوتوا في ذلك تفاوتًا كثيرًا لا سيما من بعد الصحابة رضي الله عنهم. [ابن كثير، البداية والنهاية (٤/٢١١)].
ذكر المؤرخون أن حجة الوداع كانت سنة عشر من الهجرة، قال الواقدي: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، فَأَقَامَ يُضَحّي بِالْمَدِينَةِ كُلّ عَامٍ، لَا يحلق ولا يقصّر، وَيَغْزُو الْمَغَازِيَ، وَلَمْ يَحُجّ حَتّى كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ، فَأَجْمَعَ الْخُرُوجَ وَآذَنَ النّاسَ بِالْحَجّ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلّهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَأْتَمّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَعْمَلَ بِعَمَلِهِ. وَكَانَ رسول الله ﷺ قد اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ، أَوّلُهَا عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، نَحَرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتّ، ثُمّ عُمْرَةُ الْقَضِيّةِ سَنَةَ سَبْعٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَهْدَى سِتّينَ بَدَنَةً، وَنَحَرَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَحَلَقَ، وَاعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ.
عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْفُضَيْلِ، قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيّبِ: كَمْ حَجّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ لَدُنْ نُبّئَ إلَى أَنْ تُوُفّيَ؟ قَالَ: حَجّةً وَاحِدَةً مِنْ الْمَدِينَةِ. قَالَ الْحَارِثُ: فَسَأَلْت أَبَا هَاشِمٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمّدِ بْنِ الْحَنَفِيّةِ، قَالَ: حَجّ حَجّةً بِمَكّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَبَعْدَ النّبُوّةِ، وَحَجّتَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: "حَجّتَيْنِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ"، وَالْأَمْرُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا الّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَلَدِنَا، إنّمَا حَجّ حَجّةً وَاحِدَةً مِنْ الْمَدِينَةِ، وَهِيَ الْحَجّةُ الّتِي يَقُولُ النّاسُ إنّهَا حَجّةُ الْوَدَاعِ. [الواقدي، المغازي (٣/١٠٨٨)].
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديثه الطويل «..... فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ» [مسلم (١٢١٨)].
وذكر ابن حزم ما حجه سيدنا النبي ﷺ وعدد عمراته فقال: حج ﷺ واعتمر قبل النبوة وبعدها قبل الهجرة، حججًا وعمرًا لا يعرف عددها.
ولم يحج بعد أن هاجر إلى المدينة إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع، سنة عشر.
واعتمر بعد أن هاجر إلى المدينة عمرتين مفردتين، قصد لهما وأتمهما:
إحداهما: عمرة القضية، قصد لها من المدينة سنة سبع، فأتمها في ذي القعدة؛ والأخرى: عمرته من الجعرانة، عام ثمان، إثر وقعة حنين في ذي القعدة أيضًا.
واعتمر عمرةً ثالثة، قرنها مع حجته التي ذكرنا، قصد لهما من المدينة، أهل بهما في ذي القعدة، وأتمهما في ذي الحجة.
وكان خرج ليعتمر من المدينة، فصده المشركون وقد بلغ الحديبية، فحل عليه السلام بها ونحر الهدي، ورجع هو وأصحابه، رضوان الله عليهم أجمعين. [ابن حزم، جوامع السيرة، ص١٥].
فعَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسًا رضي الله عنه أَخْبَرَهُ قَالَ: "اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ" [البخاري (٤١٤٨)، مسلم (١٢٥٣)].
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: "اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ" [أحمد (٦٦٨٥)].
وعن عائشةَ، "أنَّ النبي ﷺ اعتَمَرَ ثلاثَ عُمَرٍ؛ عمرَةً في شَوّالٍ، وعُمرَتَينِ في ذِي القَعدَةِ" [البيهقي، السنن الكبرى (٨٨١١)].
وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: "حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَلاثَ حِجَجٍ؛ حِجَّتَينِ قَبلَ أن يُهاجِرَ، وحِجَّةً قَرَنَ مَعَها عُمرَةً" [البيهقي، السنن الكبرى (٨٩١١)].
وذكر ابن كثير أن هذه الحجة الوحيدة بعد الهجرة لكن سبقها قبل الهجرة حجج فقال: ولكن حج قبل الهجرة مراتٍ قبل النبوة وبعدها.
وقد قيل: إن فريضة الحج نزلت عامئذٍ، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة ست، وقيل: قبل الهجرة وهو غريب. [ابن كثير، البداية والنهاية (٤/٢١١)].
وَحَكَى مُجَاهِدٌ أَنَّهُ حَجَّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ حَجَّتَيْنِ، وَرَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَصَارَتْ حِجَجُهُ ثَلَاثًا فِي رِوَايَتِهِمَا. [الماوردي، الحاوي الكبير (١٤/٨٧)].
وذكرت كتب السير أن هذه الحجة كانت في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته، وكانت سنة عشر.
قال الجمهور: فرض الحج كان سنة ست من الهجرة، وصححه الرافعي في باب السير وتبعه النووي.
وقيل: فرض سنة تسع، وقيل: سنة عشر انتهى، وبه قال أبو حنيفة، ومن ثم قال: إنه على الفور. وقيل: فرض قبل الهجرة واستغرب. [نور الدين الحلبي، إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون (٣/٣٦٠)].
انطلق موكب النبوة من المدينة المنورة متجهًا إلى مكة، وفي "ذي الحليفة" (ميقات أهل المدينة) بدأت أولى محطات التشريع العملي.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ يَوْمَ السّبْتِ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَصَلّى الظّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَحْرَمَ عِنْدَ صَلَاةِ الظّهْرِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَهَذَا الثّبْتُ عِنْدَنَا. قَالَ: فَحَدّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ انْتَهَى إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ عِنْدَ الظّهْرِ، فَبَاتَ لِأَنْ يَجْتَمِعَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَالْهَدْيُ حَتّى أَحْرَمَ عِنْدَ الظّهْرِ مِنْ الْغَدِ. [الواقدي، المغازي (٣/١٠٨٩)].
عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ.." [البخاري (١٧٠٩)]
وقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا دُجَانَةَ السَّاعِدِيَّ، وَيُقَالُ: سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ. [ابن هشام السيرة النبوية (٢/٦٠١)].
أما عن صفة خروجه، فذكرها الواقدي قائلًا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْتِهِ مُدّهِنًا مُتَرَجّلًا مُتَجَرّدًا حَتّى أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ.
عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زيد، عن أبيه، أنّ رسول اللهِ ﷺ أَحْرَمَ فِي ثَوْبَيْنِ صُحَارِيّيْنِ، إزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَأَبْدَلَهُمَا بِالتّنْعِيمِ بِثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسِهِمَا.
قَالُوا: لَمّا اجْتَمَعَ إلَيْهِ نِسَاؤُهُ- وَكَانَ حَجّ بِهِنّ جَمِيعًا فِي حَجّتِهِ فِي الهوادج- وَانْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ اجْتِمَاعُ أَصْحَابِهِ وَالْهَدْيِ، دَخَلَ مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ بَعْدَ أَنْ صَلّى الظّهْرَ وَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ خَرَجَ فَدَعَا بِالْهَدْيِ فَأَشْعَرَهُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَقَلّدَ نَعْلَيْنِ، ثُمّ رَكِبَ نَاقَتَهُ، فَلَمّا اسْتَوَى بِالْبَيْدَاءِ أَحْرَمَ. [المغازي للواقدي (٣/١٠٩٠)].
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ".... ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ! لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ" [مسلم (١٢١٨)].
فدل على أنه جاء الحليفة نهاراً في وقت العصر فصلى بها العصر قصراً، وهي من المدينة على ثلاثة أميال، ثم صلى بها المغرب والعشاء وبات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه وأخبرهم أنه جاءه الوحي من الليل بما يعتمده في الإحرام. [ابن كثير، حجة الوداع، ص٣٧].
ثُمَّ طَيَّبَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها بِيَدِهَا بِذَرِيرَةٍ وَبِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، ثُمَّ أَحْرَمَ وَلَمْ يَغْسِلِ الطِّيبَ ثُمَّ لَبَّدَ رَأْسَهُ، وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ نَعْلَيْنِ وَأَشْعَرَهَا فِي جَانِبِهَا الأَيْمَنِ، وسلمت الدَّمَ عَنْهَا، وَكَانَتْ هَدْيَ تَطَوُّعٍ وَكَانَ عليه السلام سَاقَ الْهَدْيَ مَعَ نَفْسِهِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَأَهَلَّ حِينَ انْبَعَثَتْ بِهِ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، بِالْقُرْآنِ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا، وَذَلِكَ قَبْلَ الظُّهْرِ بِيَسِيرٍ، وَقَالَ لِلنَّاسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ فَلْيُهَلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ» [ابن سيد الناس، عيون الأثر (٢/٣٤٢)].
هذا الذي رواه بلفظه ومعناه عنه ﷺ ستة عشر صحابيًا، منهم خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد رواه عنه ﷺ ستة عشر تابعيًّا، وهو صريح لا يحتمل التأويل، إلا أن يكون بعيدًا، وما عدا ذلك مما جاء من الأحاديث الموهمة التمتع أو ما يدل على الإفراد، فلها محل غير هذا تذكر فيه.
والقران في الحج عند أبي حنيفة هو الأفضل، وروي فيه عن الإمام أحمد بن حنبل قول، وعن الإمام أبي عبد الله الشافعي، وقد نصره جماعة من محققي أصحابه، وهو الذي يحصل به الجمع بين الأحاديث كلها.
ومن العلماء من أوجبه، والله أعلم. [ابن كثير، الفصول في سيرة الرسول ﷺ، ص٢١٧].
(مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ عَائِشَةَ فِي حَيْضِهَا):
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَا يَذْكُرُ وَلَا يَذْكُرُ النَّاسُ إلَّا الْحَجَّ، حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرِفٍ وَقَدْ سَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ الْهَدْيَ وَأَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُحِلُّوا بِعُمْرَةِ، إلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، قَالَتْ: وَحِضْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَالك يَا عَائِشَةُ؟ لَعَلَّكَ نُفِسْتِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَاَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ مَعَكُمْ عَامِي فِي هَذَا السَّفَرِ، فَقَالَ: لَا تَقُولِنَّ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ تَقْضِينَ كُلَّ مَا يَقْضِي الْحَاجُّ إلَّا أَنَّكَ لَا تَطُوفِينَ بِالْبَيْتِ. [ابن هشام، السيرة النبوية (٢/٦٠١)].
«وَعَنْ جَابِرٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا أَتَى ذَا الحُلَيْفَةِ صَلَّى بِهَا، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَسْتَثْفِرَ بِثَوْبٍ ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ». [ابن سعد، الطبقات (٨/٢٢١)]، قَالَ: "...فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي" [مسلم، (١٢١٨)]
أخذ الفقهاء من هذا الموقف حكمًا عظيمًا في فقه النساء والنيات، يقول الإمام النووي شارحًا هذا الموقف:
"فِيهِ صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ، وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمَا لِلْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ... وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَصِحُّ مِنْهُمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي» وَفِيهِ أَنَّ رَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ لَيْسَتَا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ لَمْ تُصَلِّهِمَا". [النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (٨/١٣٣)]، هنا علّم النبي ﷺ الأمة أن طهارة القلب والنية في الإحرام لا يعيقها عذر فسيولوجي قاهر.
بعد رحلة شاقة، وصل الموكب النبوي إلى مكة، وكان أول عمل قام به سيدنا النبي ﷺ هو الطواف بالبيت العتيق، مؤسسًا لسننٍ باقية إلى يوم الدين.
قَالَ: ثُمّ قَدِمْنَا مَكّةَ بَعْدَ يَوْمٍ، ثُمّ رُحْنَا يَوْمَ التّرْوِيَةِ إلَى مِنًى بِالْهَدْيِ، ثُمّ انْحَدَرْنَا مِنْ عَرَفَةَ حَتّى انْتَهَيْنَا إلَى جَمْعٍ، ثُمّ انْتَهَيْنَا مِنْ جَمْعٍ إلَى مَنْزِلِ النّبِيّ ﷺ بِنمرة حَيْثُ ضُرِبَتْ قُبّتُهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ سُقِ الْهَدْيَ إلَى الْمَنْحَرِ! فَرَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْحَرُ الْهَدْيَ بِيَدَيْهِ وَأَنَا أُقَدّمُهَا إلَيْهِ تُعْتَبُ فِي الْعَقْلِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلّي بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ رَكْعَتَيْنِ، آمِنًا لَا يَخَافُ إلّا اللهَ تَعَالَى، فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ صَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ سَلّمَ، ثُمّ قَالَ: أَتِمّوا صَلَاتَكُمْ يَا أَهْلَ مَكّةَ، فَإِنّا سَفْرٌ! وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْنَا فِيمَا أَهَلّ بِهِ ﷺ. [المغازي للواقدي (٣/١٠٩٢)].
وطاف رسول الله الله حين قدم مكة، استلم الركن أول شيء ثم خَبَّ ثلاثة أطواف من السبع ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، [ثم حلّ من كل شيء حرم منه]، وفعل مثل ما فعل رسول الله مَنْ أهدى فساق الهدي من الناس [ابن كثير، البداية والنهاية (٤/٢٤٢)].
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ "فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَتَمَتُّعِ النَّاسِ مَعَهُ"، بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ [أحمد (٦٢٤٨)].
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، فَبَدَأَ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥]، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ، فَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ" [المعجم الأوسط للطبراني (٥٠٤٥)]
وعند دخوله ﷺ المسجد طاف بالبيت: أي: سبعًا ماشيًا، فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: "دَخَلْنَا مَكَّةَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَابَ الْمَسْجِدِ فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَبَدَأَ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ، وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، فَلَمَّا فَرَغَ ﷺ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ" [نور الدين الحلبي، إنسان العيون، (٣/٣٦٦)].
وَمَعْنَى الرَّمَلِ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا وَهُوَ دُونَ الْعَدْوِ وَفَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ وَمِنَ الِاضْطِبَاعِ إِظْهَارُ الشَّطَارَةِ وَالْجَلَادَةِ وَالْقُوَّةِ هَكَذَا كَانَ الْقَصْدُ أَوَّلًا قَطْعًا لِطَمَعِ الْكُفَّارِ وَبَقِيَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ، وَالْأَفْضَلُ الرَّمَلُ مَعَ الدُّنُوِّ مِنَ الْبَيْتِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ لِلزَّحْمَةِ، فَالرَّمَلُ مَعَ الْبُعْدِ أَفْضَلُ فيخرج إلى حاشية المطاف وَلْيَرْملْ ثلاثًا ثُمَّ لْيَقْرُبْ إِلَى الْبَيْتِ فِي الْمُزْدَحَمِ وَلْيَمْشِ أربعًا. [الامام الغزالي، إحياء علوم الدين (١/٢٥١)].
والحكمة في مشروعية الرمَل مع زوال سببه الذي شرع له:
تذكر نعمة الله تعالى على اعتزاز الإسلام وأهله [الدميري، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/٤٩٠)].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ" [القسطلاني، إرشاد الساري (٤/١٢٤) رقم (١٦٠٢)].
انتقل سيدنا النبي ﷺ بعد ركعتي الطواف إلى المسعى، وهناك أسس لقاعدة أصولية عظيمة في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع العملي.
روي مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله الطويل "... ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا، قَرَأَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨]، «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» [مسلم (١٢١٨)].
وفي مسند الإمام أحمد: عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ، قَالَتْ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ، يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: «اسْعَوْا، فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» [أحمد (٢٧٣٦٨)].
قال الواقدي: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَعَى بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ على راحلته من فوره ذلك.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ، وَهُوَ سَاكِنٌ، فَطَافَ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ.
قَالُوا: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الصّفَا، فَكَبّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَالَ: «لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، ثُمّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، فَلَمّا انْصَبّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي رَمَلَ.
عَنْ بَرّةَ بِنْتِ أَبِي تِجْرَاةَ قَالَتْ: لَمّا انْتَهَى النّبِيّ ﷺ إلَى الْمَسْعَى قَالَ:
«أَيّهَا النّاسُ، إنّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السّعْيَ فَاسْعَوْا» فَسَعَى حَتّى رَأَيْتُ إزَارَهُ انْكَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ"، وَقَالُوا: قَالَ فِي الْوَادِي: «رَبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَأَنْتَ الْأَعَزّ الْأَكْرَمُ» فَلَمّا انْتَهَى إلَى الْمَرْوَةِ فَعَلَ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصّفَا، فَبَدَأَ بِالصّفَا وَخَتَمَ بِالْمَرْوَةِ، وكان رسول الله ﷺ قَدْ اضْطَرَبَ بِالْأَبْطَحِ. [المغازي للواقدي (٣/١٠٩٩)].
وذكر الإمام الذهبي: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت.
قال جعفر: فكان أبي يقول: -لا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله ﷺ: كان يقرأ في الركعتين {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١]، و{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: ١]، ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، حتى إذا دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨]، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى إذا رأى البيت فكبر وهلل وقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، فقال مثل ذلك ثلاث مرات. ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فعلا عليها وفعل كما فعل على الصفا. فلما كان آخر الطواف على المروة، قال: "إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة. فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة". فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه الهدي. [الذهبي، سير أعلام النبلاء (٢/١٩٥)].
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بَقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا. [البغوي، الأنوار في شمائل النبي المختار، ص٤٩٦)].
وَأَقَامَ عليه السلام بِمَكَّةَ مُحْرِمًا مِنْ أَجْلِ هَدْيِهِ يَوْمَ الأَحَدِ الْمَذْكُورِ وَالاثْنَيْنِ وَالثُّلاثَاءِ وَالأَرْبَعَاءِ وَلَيْلَةَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ نَهَضَ ﷺ بُكْرَةً يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهُوَ يَوْمُ مِنًى، وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ مَعَ النَّاسِ إِلَى مِنًى، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنَ الأَبْطَحِ كُلُّ مَنْ كَانَ أَحَلَّ مِنْ أَصْحَابِهِ رضيَ اللهُ عنهم، فَأَحْرَمُوا فِي نُهُوضِهِمْ إِلَى مِنًى فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ، فصلى رسول الله ﷺ بِمِنًى الظُّهْرَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ الْمَذْكُورِ، وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةَ، وَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وصلى بها الصبحَ من يوم الْجُمُعَةِ، ثُمَّ نَهَضَ عليه السلام بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْمَذْكُورِ إِلَى عَرَفَةَ، بَعْدَ أَنْ أَمَرَ عليه السلام بِأَنْ تُضْرَبَ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ شَعَرٍ بِنَمِرَةَ، فَأَتَى عليه السلام عَرَفَةَ، وَنَزَلَ فِي قُبَّتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا. [ابن سيد الناس، عيون الأثر (٢/٣٤٥)].
أقام سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام بالأبطح - كما قدمنا - يوم الأحد ويوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وقد حل الناس إلا من ساق الهدي .
وقدم في هذه الأيام سيدنا عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه من اليمن بمن معه من المسلمين، وما معه من الأموال، ولم يعد عليه الصلاة السلام إلى الكعبة بعد ما طاف بها .
فلما أصبح عليه الصلاة السلام يوم الخميس صلى بالأبطح الصبح من يومئذ، وهو يوم التروية، ويقال له: يوم منى؛ لأنه يسار فيه إليها .
وقد روي أن النبي ﷺ خطب قبل هذا اليوم، ويقال للذي قبله فيما رأيته في بعض التعاليق: يوم الزينة؛ لأنه يزين فيه البدن بالجلال ونحوها، فالله أعلم .
"قَالَ الحَافِظُ البَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الجلُودِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ النَّاسَ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَنَاسِكِهِمْ، فَرَكِبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَاصِدًا إِلَى مِنًى قَبْلَ الزَّوَالِ وَقِيلَ بَعْدَهُ، وَأَحْرَمَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ حَلُّوا بِالحَجِّ مِنَ الأَبْطَحِ حِينَ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى وَانْبَعَثَتْ رَوَاحِلُهُمْ نَحْوَهَا" [ابن كثير، البداية والنهاية (٥/١٦٩)].
وعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ" [البخاري (١٦٥٣)].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَالْفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى" [سنن أبي داود (١٩١١)].
يوم التاسع من ذي الحجة، وهو الركن الأعظم، وفيه تتجلى أسمى معاني المساواة والدعاء والتشريع.
كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَشُكّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يُجَاوِزُ الْمُزْدَلِفَةَ يَقِفُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ، وَهُوَ يَسِيرُ إلَى جَنْبِهِ: "يَا رَسُولَ اللهِ، ظَنّ قَوْمُك أَنّك تَقِفُ بِجَمْعٍ"، فقال رسول الله ﷺ: «لَقَدْ كُنْتُ أَقِفُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ النّبُوّةِ خِلَافًا لَهُمْ».
عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ زَاغَتْ الشّمْسُ بِبَطْنِ عَرَفَةَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ، فَلَمّا كَانَ آخِرُ الْخُطْبَةِ أَذّنَ بِلَالٌ وَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ كَلَامِهِ، فَلَمّا فَرَغَ بِلَالٌ مِنْ أَذَانِهِ تَكَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَلِمَاتٍ وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، وَأَقَامَ بِلَالٌ، فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظّهْرَ، ثُمّ أَقَامَ فَصَلّى الْعَصْرَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ".
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، "أَنّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ فِي وَادِي عَرَفَةَ، ثُمّ رَكِبَ، قَالَ: فَرَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ إلَى الناس أن يقفوا- إلى عَرَفَةَ" [الواقدي، المغازي (٣/١١٠٢)].
وقدم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من اليمن هديًا، وأشركه ﷺ في هديه أيضًا، وكان حاصلها مئة بدنة.
ثم خرج ﷺ إلى منًى فبات بها وكانت ليلة الجمعة التاسع من ذي الحجة.
ثم أصبح فسار إلى عرفة وخطب تحت نمرة خطبة عظيمة، شهدها من أصحابه نحو من أربعين ألفًا رضي الله عنهم أجمعين، وجمع بين الظهر والعصر ثم وقف بعرفة [ابن كثير، الفصول في سيرة الرسول ص٢١٨].
جاء نص الخطبة في كتب السير والسنن ما فيها من المواعظ الشاملة والنصح لهذه الأمة فجاءت على النحو التالي:
«أَيّهَا النّاسُ، إنّي وَاَللهِ مَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بِمَكَانِي هَذَا بَعْدَ يَوْمِكُمْ هَذَا! رَحِمَ الله امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَرُبّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ، وَرُبّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ! وَاعْلَمُوا أَنّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا! وَاعْلَمُوا أَنّ الصّدُورَ لَا تُغَلُّ عَلَى ثَلَاثٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَهْلِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ! أَلّا إنّ كُلّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَأَوّلُ دِمَاءِ الْجَاهِلِيّةِ أَضَعُ دَمُ إيَاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ- كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- وَرِبَا الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ. اتّقُوا اللهَ فِي النّسَاءِ، فَإِنّمَا أَخَذْتُمُوهُنّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرّحٍ، وَلَهُنّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكَسَوْتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ، قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلّوا بَعْدَهُ إنْ اعْتَصَمْتُمْ به: كِتَابَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى! وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنْ قَدْ بَلّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ! ثُمّ قَالَ، بِإِصْبَعِهِ السّبّابَةِ إلَى السّمَاءِ، يَرْفَعُهَا وَيَكُبّهَا ثَلَاثًا: اللَّهُمَّ، وَاشْهَدْ» [الواقدي، المغازي (٣/١١٠٣)].
وذكر ابن هشام نصها مطولًا فيما حفظ عن رسول الله ﷺ : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبًا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهمّ اشْهَدْ» [ابن هشام، السيرة النبوية (٢/٦٠٤)].
وذكر الإمام البيهقي ما جاء في خطبته ﷺ أيضًا: فَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُوَنَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنْ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ اشْهَدِ اللهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» [البيهقي، دلائل النبوة (٥/٤٣٦)].
كان سيدنا النبي ﷺ يبين ويوضح ما كان فيه غموض أو بيان حكم لأصحابه وهو بعَرفة، مثل:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ" [البخاري (٥٨٥٢)]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: "السَّرَاوِيلُ، لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ، لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ" يَعْنِي الْمُحْرِمَ" [مسلم (١١٧٨)].
فعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَأَنَا تَحْتَ جِرَانِهَا وَهِيَ تَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» [أحمد (١٧٦٦٦)].
عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: "أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ". [البخاري (١٦٦١)].
وعن عِكرِمَةَ قال: كُنّا عِندَ أبي هريرةَ في بَيتِه، فحَدَّثَنا "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن صَومِ يَومِ عَرَفَةَ بعَرَفَةَ" [البيهقي، السنن الكبرى (٨٤٦٢)].
"سُئِلَ ابن عمرَ عن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفة، قال: حَجَجْتُ مع النبيَّ ﷺ فلم يَصُمْهُ، ومع أبي بكرٍ فلم يَصُمْهُ، ومع عُمرَ فلم يَصُمْهُ، ومع عُثمانَ فلم يَصُمْهُ، وأنا لا أصُومُهُ، وَلا آمرُ بهِ، وَلا أنْهى عَنْهُ" [سنن الترمذي (٧٦١)].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ فَأَقْعَصَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، أَوْ قَالَ: ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي» [البخاري (١٨٤٩)].
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ؛ "أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}» [البقرة: ٢٠٣] [سنن الترمذي (٨٨٩)].
أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، فعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، أن رسول اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ». [موطأ الإمام مالك (٦٢١)].
وعن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ عن جَدَّهِ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «خَيْرُ الدُّعاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ من قَبْلي: لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدهُ لَا شَرِيكَ لهُ، لهُ المُلْكُ وَلهُ الْحَمدُ، وهو على كُلَّ شَيْءٍ قَديرٌ». [سنن الترمذي (٣٩٠٢)].
ما نزل على رسول الله ﷺ من الوحي الشريف في هذا الموقف المشهود: عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: "قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ يَهُودَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: ٣]، نَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ وَالسَّاعَةَ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ، نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ" [مسلم (٣٠١٧)].
عند غروب شمس يوم عرفة، تحرك الموكب النبوي نحو المزدلفة، وكان سيدنا النبي ﷺ يُعلّم أصحابه أن العبادة لا تُنال بالعنف والمزاحمة.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رضي الله عنهما، قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ وَأَنَا رَدِيفُهُ فَجَعَلَ يَكْبَحُ رَاحِلَتَهُ حَتَّى إِنَّ ذِفْرَيْهَا لَتَكَادُ تُصِيبُ قَادِمَةَ الرَّحْلِ وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيضَاعِ الْإِبِلِ» [البيهقي، السنن الكبرى (٩٤٨٥)].
وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَجَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا» [البخاري (١٦٧٢)].
وأما (فعله) ﷺ حين نزل الشعب وتركه الإسباغ له، فإنما فعل ذلك؛ ليكون مستصحبًا للطهارة في مسيره إلى أن يبلغ جمعًا، وكان ﷺ يتوخَّى في عامة أحواله أن يكون على طهر، وإنما تجوَّز في الطهارة ولم يسبغها؛ لأنه لم يفعل ذلك ليصلي بها، ألا تراه قد أسبغها حين أراد أن يصلي وأكملها، وفي وضوئه لغير الصلاة دليل على أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإن لم يفعل لأجل الصلاة، وكان ﷺ يقدم الطهارة إذا أوى إلى فراشه ليكون مبيته على طهر. [الخطابي، أعلام الحديث شرح صحيح البخاري (١/٢٣٥)].
قدّم سيدنا الرسول ﷺ طائفة من أهله بين يديه من الليل قبل حطمة الناس من المزدلفة إلى منى.
فجاء في الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ". [البخاري (١٦٧٦)].
وعَنْ أَسْمَاءَ بنت أبي بكر رضي الله عنهما: "أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنَا، حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهْ، مَا أُرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا، قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ". [البخاري (١٦٧٩)].
وعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ". [البخاري (١٦٨١)].
هو يوم العاشر من ذي الحجة وهو أزحم أيام الحج بالأعمال (الرمي، النحر، الحلق، طواف الإفاضة)، وفيه تجلت رحمة التشريع الإسلامي وسماحته في رفع المشقة عن المكلفين.
فعن جابر بن عبد الله في حديثه الذي ساقه «....... حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» [مسلم (١٢١٨)].
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: «رَمَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أُنَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: هَذَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ». [مسلم (١٢٩٦)].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْحَجِّ مِئَةَ بَدَنَةٍ، نَحَرَ بِيَدِهِ مِنْهَا سِتِّينَ، وَأَمَرَ بِبَقِيَّتِهَا، فَنُحِرَتْ، وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بَضْعَةً فَجُمِعَتْ فِي قِدْرٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا» [أحمد(٢٨٨٠)].
كانت رحمته ﷺ حين وثق هذه القاعدة الذهبية تخفيفًا عن أصحابه بقوله: "افعل ولا حرج" وسئل ﷺ في ذلك اليوم عما تقدم بعضه على بعض من الرمي والحلق والنحر والطواف، فقال: لا حرج: أي لا إثم. [نور الدين الحلبي، إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون (٣/٣٨١)].
فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». [البخاري (١٧٣٦)].
وفي صحيح مسلم من حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: «وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ، فَيَقُولُ الْقَائِلُ مِنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَارْمِ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: وَطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، فَيَقُولُ: «انْحَرْ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ، وَيَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ وَأَشْبَاهِهَا، إِلَّا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «افْعَلُوا ذَلِكَ، وَلَا حَرَجَ». [مسلم (١٣٠٦)].
ونجمل هنا ما تعرض له سيدنا رسول لله ﷺ في هذا اليوم من استكمال مناسكه:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِئَةَ بَدَنَةٍ، نَحَرَ مِنْهَا ثَلاثِينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَ عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَقَالَ: «اقْسِمْ لُحُومَهَا وَجِلالَهَا وَجُلُودَهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلا تُعْطِيَنَّ جَزَّارًا مِنْهَا شَيْئًا، وَخُذْ لَنَا مِنْ كُلِّ بَعِيرٍ حُذْيَةً مِنْ لَحْمٍ، ثُمَّ اجْعَلْهَا فِي قِدْرٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى نَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَنَحْسُوَ مِنْ مَرَقِهَا» فَفَعَلَ» [أحمد (٢٣٥٩)].
عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ فِي حَجَّتِهِ» [أحمد (٤٨٨٩)].
عَنْ نَافِعٍ، أَخْبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ» [البخاري (٤٤١١)].
بركات شعر سيدنا النبي ﷺ: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ» [مسلم (٢٣٢٥)].
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» [البخاري (١٥٣٩)].
وعن أُمِّ سلمةَ قالَتْ: كانَتِ اللَّيلَةُ التي يَدورُ فيها رَسُولُ اللهِ ﷺ مَساءَ لَيلَةِ النَّحرِ، فكانَ رسولُ اللهِ ﷺ عِندِي، فدَخَلَ علىَّ وهبُ بنُ زَمْعَةَ ورَجُلٌ مِن آلِ أبي أُمَيَّةَ مُتَقَمِّصَينِ، فقالَ لَهُما رسولُ اللهِ ﷺ: «أفَضتُما؟» قَالَا: لَا، قَالَ: «فَانْزِعَا قَمِيصَكُمَا»، فنَزَعَاهَا، فقالَ له وَهْبٌ: ولِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فقالَ: «هذا يَومٌ أُرخِصَ لَكُمْ فِيهِ إِذَا رَمَيتُمُ الجَمرَةَ ونَحَرتُمْ هَدْيًا إنْ كانَ لَكُمْ فقَدْ حَلَلتُمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمْتُمْ مِنْهُ، إلَّا النِّساءَ حَتَّى تَطُوفُوا بِالبَيتِ، فَإِذَا أَمْسَيتُمْ ولَمْ تُفِيضُوا صِرتُمْ حُرُمًا كَمَا كُنتُم أوَّلَ مَرَّةٍ حَتَّى تَطُوفُوا بِالبَيتِ» [البيهقي، السنن الكبرى (٩٦٨٢)].
وفي حديث جابر بن عبد الله «...... ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا، بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ» [مسلم (١٢١٨)].
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» [أحمد (٤٨٩٨)].
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى، وَعِنْدَ الثَّانِيَةِ، فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ لَا يَقِفُ عِنْدَهَا» [أحمد (٢٤٥٩٢)].
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: «جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى زَمْزَمَ، فَنَزَعَ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ مَجَّ فِيهِ، ثُمَّ صَبَّهُ فِي زَمْزَمَ» [الفاكهي، أخبار مكة (١١٣١)].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: »سَقَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ» [أحمد (٣٤٩٧)].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: «اسْقِنِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: «اسْقِنِي»، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: «اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ»، ثُمَّ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ» يَعْنِي: عَاتِقَهُ وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ". [البخاري (١٦٣٥)].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا»، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ: «فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [البخاري (١٧٣٩)].
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: "وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ، فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ، بِهَذَا، وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، وَوَدَّعَ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ" [البخاري (١٧٤٢)].
كان يصلى سيدنا رسول الله ﷺ بأصحابه بمنى ركعتين كما ثبت عنه ذلك، عن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ، آمَنَ مَا كَانَ، بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ» [البخاري (١٠٣٣)].
ثم نزل عليه الصلاة والسلام بمنى حيث المسجد اليوم، فيما يقال، وأنزل المهاجرين يمنته، والأنصار يسرته والناس حولهم من بعدهم. [ابن كثير، حجة الوداع، ص٣٢٥]
فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَبْنِي لَكَ بِمِنًى بَيْتًا يُظِلُّكَ؟ قَالَ: «لَا، مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» [سنن ابن ماجه (٣٠٠٧)].
وكان سيدنا ﷺ يرمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منًى بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُّ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ» [البخاري (١٧٥١)].
خرج سيدنا رسول الله ﷺ من أسفل مكة كما جاء في الحديث أنه دخل من أعلاها وخرج من أسفلها، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا" [البخاري (١٥٧٧)].
وعن ابن عُمر، "أنَّ رسولَ الله ﷺ دخَلَ مكَّةَ من الثَّنيَّةِ العُلْيا التي بالبَطْحَاء، وخرجَ من الثَّنيَّةِ السُّفْلَى" [سنن النسائي (٢٨٦٥)].
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» [البخاري (١٧٩٧)].
تتجلى عبقرية التشريع بحجة الوداع في جمعها المتقن بين دقة الأداء وسعة التيسير، لتأسيس مدرسة عملية تعصم الأمة من الابتداع، ويبقى هديه ﷺ في مناسكه الميزان الدقيق الذي تكتمل به العبادة، والدليل الأبدي لكل حاج وباحث.
حج النبي ﷺ ففي السنة العاشرة للهجرة، ودّع فيها الناس، وبيّن لهم مناسك الحج.
كيف اختزلت حجة الوداع أعظم مبادئ التشريع الإسلامي في كلمات خالدة؟
كيف بدأت رحلة الحج منذ نداء إبراهيم عليه السلام؟
هل تساءلت يومًا كيف تؤدي مناسك الحج والعمرة بشكل صحيح دون الوقوع في الأخطاء؟
هل تساءلت يومًا كيف تبدأ رحلتك إلى الحج أو العمرة بخطوات صحيحة تضمن القبول؟