Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

اللغة العربية وميزان الفكر: نحو حماية الهوية وضبط الفهم

الكاتب

أ. د/ علي جمعة

اللغة العربية وميزان الفكر: نحو حماية الهوية وضبط الفهم

هل تؤثر اللغة العربية في طريقة تفكيرنا وفهمنا للعالم؟ وهل يمكن أن يؤدي ضعف اللغة إلى اضطراب المعاني وفوضى التفسير؟ ولماذا تُعدُّ العربية عنصرًا أساسيًا في حماية الهوية والأمن الفكري؟

إن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي ميزان دقيق للفكر وضابط للمعنى، وبها يُفهم القرآن الكريم وتُصان الهوية من الذوبان والتشويش.

ما أهمية اللغة العربية في حياة الإنسان وتأثيرها على الفكر؟

إنَّ اهتمامَنا باللُّغةِ العربية نابعٌ من كونِها اللُّغةَ التي نزل بها القرآنُ الكريم، ومن كونِها اللُّغةَ التي نُقِلَتْ ودُوِّنَتْ بها السُّنَّةُ النبويةُ الشريفة، واللُّغةُ تُعَدُّ الوجهَ الآخرَ للفكر؛ فكلما استقامتِ اللُّغةُ استقامَ الفكر، ولا استقامةَ للفكرِ دون استقامةِ اللُّغة. 

ومن ثَمَّ فإنَّ العنايةَ بالعربية لها أثرُها في استقامةِ الفكر والتفكير، وفي فَهْمِ كتابِ الله سبحانه وتعالى، وفي التأثُّرِ بإعجاز القرآن الكريم بما يورث الخشوعَ والخضوعَ والسجودَ لله تعالى عند تلاوة هذا الكتاب العظيم، كما أن لها أثرًا في حياة الإنسان؛ إذ إنَّ الفكرَ المستقيم فكرٌ منفتحٌ مُبدِعٌ لا نهايةَ لإبداعه، فإذا استقام زاد الإبداعُ لا الاضطرابُ، وإذا شُوِّشَ اضطربت المعاييرُ والتبس الطريق.

ما مخاطر ما بعد الحداثة والنسبية المطلقة على اللغة العربية؟

ومن هنا يظهر لنا وجهُ الخطورة في بعض الاتجاهات المتطرفة المنسوبة إلى مدارس ما بعد الحداثة؛ إذ ترى أنَّ الفكر البشري لا يبدع ولا ينطلق إلا بزوال خمسة أشياء: «الثقافة، والدين، والأسرة، والدولة، واللغة». 

فرفعُ سلطان الثقافة السائدة يجرُّ - في نظرهم - إلى ما يسمونه «النسبية المطلقة»، والتحررُ من سلطان الدين قد جُرِّب في التجربة الغربية بصورٍ متعددة، ثم جاءت محاولاتُ إعادة تعريف الأسرة تعريفًا سائلًا لا يثبت على معانيها التي استقرت في الوجدان الإنساني عبر القرون، حتى صار اللفظ عندهم يُطلَق على أيِّ اثنين؛ ولم يعد المراد أسرةً: أبًا وأمًّا وأبناء، ويعدُّون ذلك من «المعاني المعجمية»، أي المعاني التي وُجدت في المعجم اللغوي، ومن هذا المدخل أصبح الشذوذُ الجنسي- الذي لُعِنَ عند عقلاءِ البشر - من حقوق الإنسان.

كيف يؤدي ضعف اللغة العربية إلى ضعف التفكير وسوء الفهم؟

وأما رفعُ سلطان الدولة واستبدالُها بالجمعيات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني فإنه يحتاج إلى تغيير النظام القانوني والاجتماعي، بل يقتضي تغييرَ الفكر والنموذج المعرفي والإطار المرجعي.

غير أنَّ إنهاء سلطان اللغة هو الأمرُ الأشدُّ إفزاعًا، ومما يُستحضَر هنا ما أكده الأستاذ شريف الشوباشي في حديثه عن مكانة اللغة، وأنها ليست وسيلةَ تواصلٍ فحسب، بل «…» [لتحيا اللغة العربية]، وهذا يوافق ما نعتقده في شأن اللغة.

كيف تساعد اللغة العربية في فهم القرآن الكريم والسنة النبوية؟

وعند بعض هؤلاء الحداثيين تُختزل وظيفة اللغة في «التلقي» وحده؛ ومعنى ذلك أن يحمل السامعُ الكلامَ على ما يشاء من معنى بغضِّ النظر عن مراد المتكلم، فيُفتح بابُ التأويل بلا ضابطٍ ولا رابط، ونصل إلى «النسبية المطلقة»؛ حيث يفهم كلُّ سامعٍ ما يشاء أن يفهم، ولا يُراعى حملُ الكلام على ما وُضع له في لسان العرب، ولا على مراد المتكلم وسياقه؛ وهنا تتجلى منزلة العربية مرةً أخرى: فهي بما لها من نظامٍ ونَسَقٍ وضوابطَ في الدلالة استعمال، وبما استقر فيها من علومٍ خادمةٍ للمعنى (نحوًا وصرفًا وبلاغةً وأصولًا)، تُعين على ضبط الفهم، وتمنع من فوضى التلقي، وتُقرِّب من المراد الإلهي في الكتاب، والمراد النبوي في السنة.

ما مكانة اللغة العربية عالميًا ولماذا تُعد من أهم لغات العالم؟

ثم إننا أمام لغةٍ لها خصوصيتُها وتميُّزُها، ولها دُسْتُورٌ ونَسَقٌ؛ والبشرُ يتكلمون بأكثرَ من خمسةِ آلافِ لُغَةٍ، وهذه اللُّغاتُ - كما تُشير تقارير اليونسكو - تضعف وتموت حتى تنقرض بموتِ آخرِ من يتكلم بها، حتى إنهم يذكرون أنَّه في كل خمسةٍ وعشرينَ يومًا تموت لغةٌ بموتِ آخِرِ من كان يتكلم بها، ولكنَّ اللُّغَةَ العربية ليست معدودةً في هذا؛ بل هي معدودةٌ من اللُّغاتِ العالميةِ المتمكِّنة؛ ولذلك أُقِرَّتْ في الأمم المتحدة، وأُقِرَّتْ في مكتبة الكونجرس الأمريكي؛ لأنَّها لغةٌ لها حضارتُها ولها ثقافتُها.

ما علاقة اللغة العربية بالأمن الفكري وحماية المجتمع؟

فإذا اجتمع هذا كله، ظهر أن العناية بالعربية ليست ترفًا ثقافيًا، ولا مجرد حنينٍ إلى التراث، بل هي حفظٌ لمفتاح الفهم، وصيانةٌ لاستقامة الفكر، وحمايةٌ للمعنى من السيولة، وتثبيتٌ لمرجعية القراءة والتلقي؛ وبذلك تُسهم العربية في بناء عقلٍ مستقيمٍ مبدعٍ، لا يُفتَح عليه بابُ النسبية المطلقة، ولا يُسلَب منه ميزانُ الفهم، بل يسير إلى الله سبحانه وتعالى على بصيرة.

الخلاصة

إن حماية اللغة العربية هي حماية لمفتاح الفهم الصحيح وصيانة للعقل من السقوط في فوضى التأويل والنسبية المطلقة التي تروج لها بعض مدارس الحداثة؛ وستظل اللغة العربية لغة عالمية خالدة بنظامها الدقيق وعلومها التي تضبط المرجعية المعرفية وتثبت أركان الهوية والحضارة؛ ولذا فإن التمسك باللغة العربية هو تمسك بالبصيرة والمنهج القويم في فهم الدين والحياة.

موضوعات ذات صلة

اللّغة العربيّة وُلدت من رحم الجزيرة، فحملتها القبائل وخلّدها القرآن الكريم.

تميزت معاجم اللغة العربية بتفوقها وريادتها بين معاجم الشعوب الأخرى.

في الثامن عشر من ديسمبر، يتجدد الموعد مع لغة الضاد.

نظام رمزي عرف من الأصوات الصادرة عن جهاز النطق الطبيعي للإنسان.

إدراك الشيء بعد جهل به.