تمثِّل المشروعات القومية الكبرى في الفكر الإسلامي تطبيقًا عمليًّا لمقاصد الشريعة في استخلاف الإنسان وإعمار الأرض، وواجبًا سياديًّا أصيلًا تلتزم به الدولة الوطنية الحديثة لتحقيق التنمية المستدامة وحفظ أمن الأمة واستقرارها.
تمثِّل المشروعات القومية الكبرى في الفكر الإسلامي تطبيقًا عمليًّا لمقاصد الشريعة في استخلاف الإنسان وإعمار الأرض، وواجبًا سياديًّا أصيلًا تلتزم به الدولة الوطنية الحديثة لتحقيق التنمية المستدامة وحفظ أمن الأمة واستقرارها.
المقصد العام للتشريع وحفظ نظام الأمة:
حرص الإسلام على دفع الإنسان دفعًا متواصلًا وحثيثًا لتحقيق عمارة الأرض التي استُخْلِفَ فيها، والاستفادة مما سخَّره الله فيها لينفع نفسه وغيره في تحقيق حاجاته وإشباعها؛ قال الله -تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]، أي: جعلكم عُمَّارها وسكَّانها، وقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» (رواه أحمد)، ولقد استخدم الإمام علي - كرّم الله وجهه - لفظ العمارة للدلالة على التنمية في خطابه لواليه في مصر مالك بن الحارث الأشتر - رضي الله عنه - جاء فيه: "وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب خراجها؛ لأن ذلك لا يُدْرَك إلا بالعمارة" [انظر: دار الإفتاء المصرية - مَغْزَى الحثّ على استدَامةِ عمارة الأرض في المفهوم الإسلامي - ٢٢ فبراير ٢٠١٨ م].
وإذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا - من كليات دلائلها، ومن جزئياتها المستقراة - أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه وصلاحَ عقله وصلاحَ عمله وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه [انظر: كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية -ابن عاشور- ج٣/١٩٤].
تعظيم قيمة العمران في الخطاب الديني المعاصر:
أكد معالي وزير الأوقاف في أطروحاته على أهمية العمل في بناء الحضارة، مشيرًا إلى أن المهن تمثِّل أحد الأعمدة الأساسية التي تتحقق بها قيمة العمران على الأرض، إلى جانب العبادة والتزكية، باعتبارها من أهم القيم التي أرستها الشريعة الإسلامية.
وأن تعظيم قيمة العمران يُعد من المقاصد الكبرى للشريعة الغراء، وهو المستهدف الذي تسعى الوزارة إلى ترسيخه من خلال هذا المؤتمر، بما يسهم في خدمة الوطن، وتعزيز الاستقرار، وبناء الإنسان القادر على الإسهام الإيجابي في نهضة المجتمع [بوابة الأهرام - وزير الأوقاف: تعظيم قيمة العمران من المقاصد الكبرى للشريعة- ١١-١-٢٠٢٦م].
رؤية فكرية (أ.د/ أسامة الأزهري): إن فقه العمران هو صلب مقاصد الشريعة، والدولة الوطنية الحديثة هي الكيان الشرعي المنوط به تحويل قيم الدين إلى واقع ملموس يحفظ كرامة الإنسان، وإن البناء والتنمية وتشييد المدن واستصلاح الأرض هو الذي يقطع الطريق على طيور الظلام وجماعات الهدم والتخريب [تلخيص من أطروحات الأستاذ الدكتور: أسامة الأزهري (وزير الأوقاف)].
حتمية الاجتماع البشري وعمارة الأرض:
فالإنسان مدنيّ بالطّبع، أي: لا بدّ له من الاجتماع الّذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران، فاذا تمّت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه، فإذن هذا الاجتماع ضروريّ للنّوع الإنسانيّ وإلّا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إيّاهم [كتاب تاريخ ابن خلدون ١/٥٥].
قاطرة التنمية العمرانية والخروج من الوادي الضيق:
تعتبر المشروعات القومية ضرورة ملحة وأمل مصر للخروج من الوادي الضيق، والتي تحقق التنمية بمفهومها الأشمل من: (توفير فرص العمل، وخلق فرص استثمارية، وإعمار الصحراء، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليل التفاوت في توزيع الموارد والثروات بين الأقاليم والحد من الفقر، واستيعاب الزيادة السكانية خلال السنوات القادمة)، مما له بالغ الأثر في إعادة رسم للخريطة العمرانية، وزيادة المساحة المأهولة بها، وعند اكتمال هذه المشروعات التي تتنوع أنشطتها ومكوناتها تُوضع الأسس لمجتمعات عمرانية متكاملة، وذلك من خلال أهمية المشروعات القومية ودورها في نشر التنمية العمرانية ومردودها التنموي بالخطة الاستراتيجية لمصر [بنك المعرفة المصري - المشروعات القومية قاطرة التنمية العمرانية في مصر].
التأصيل السياسي لحماية الحدود وتعمير سيناء:
يقول الإمام الماوردي في تحديد واجبات الحاكم السيادية: "ويَلْزَمُهُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لَا تَظْفَرَ الْأَعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ فِيهَا مُحَرَّمًا، أَوْ يَسْفِكُونَ فِيهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ دَمًا"، يمثل هذا النص أساسًا فقهيًا لواجب الدولة في حماية المناطق الحدودية وتنميتها؛ فإدخال التنمية والقوة العسكرية إلى المناطق الحدودية (الثغور) هو عين ما وُصف بالعدة المانعة والقوة الدافعة؛ لمنع الأعداء من استغلال الثغرات أو مباغتة الدولة (بغرة) [كتاب الأحكام السلطانية للماوردي ص٤٠].
وقال الماوردي أيضًا في تحديد الواجب: "أنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الْأُمُورِ، وَتَصَفُّحَ الْأَحْوَالِ؛ لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ"، فيوضح هذا النص ضرورة الإشراف السيادي المباشر على مفاصل الدولة الاقتصادية والتنموية وحراستها، باعتبارها واجبًا سياسيًّا أصيلًا لا ينفصل عن حماية المصالح العليا للدولة وأمنها [المرجع السابق].
المفهوم الحديث للأمن القومي ورؤية مصر (٢٠٣٠):
رؤية مصر (٢٠٣٠) هي أجندة وطنية أُطلقت في فبراير ٢٠١٦م تعكس الخطة الاستراتيجية طويلة المدى للدولة لتحقيق مبادئ وأهداف التنمية المستدامة في كل المجالات، وتوطينها بأجهزة الدولة المصرية المختلفة. تستند رؤية مصر (٢٠٣٠) على مبادئ التنمية المستدامة الشاملة والتنمية الإقليمية المتوازنة، وتعكس رؤية مصر (٢٠٣٠) الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة: البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد البيئي [انظر: الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية - رؤية مصر (٢٠٣٠)].
ولم يعد الأمن القومي المصري مقتصرًا على الجانب العسكري التقليدي؛ بل أصبحت مصر تنتهج إستراتيجية أكثر شمولية بالفترة الأخيرة، فالحفاظ على الأمن القومي بصورته الحديثة بدأ يتركز على جوانب التنمية والمجتمع والبيئة والطاقة والموارد الطبيعية والاقتصاد بشكل عام، ويأتي ذلك بإطار إستراتيجية مصر للتنمية المستدامة (رؤية مصر ٢٠٣٠)، وعند ربط كل الركائز ارتباطًا وثيقًا يعطي ذلك عناصر القوة الوطنية [انظر: مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية ١٨أبريل٢٠٢٤].
وتُعد المشروعات القومية أحد أدوات تعزيز القدرة الشاملة للدولة، بما يحقق التكامل بين الأمن والتنمية، ويُعزز صمود المجتمع أمام التحديات.
تُعد المشروعات القومية ترجمةً عمليةً لفقه العمران ومقاصد الشريعة في حفظ الأمة، وواجبًا سياديًا يربط التنمية بالأمن القومي الشامل لحماية الثغور وبناء الإنسان وتأمين استقرار الوطن.
تُعد العمارة الإسلامية تجسيدًا حيًّا لروح الإسلام وقيمه الجمالية والإنسانية
تطور العقل الإسلامي بالقرآن والسنة نحو الحكمة والاجتهاد مؤسسًا للفكر الفلسفي الأصيل الإسلامي.
الوطن فطرة أقرها الإسلام، والمتطرفون شوهوه، فمحبته واجبٌ شرعيٌّ وإنسانيٌّ أصيل.
يتحقق أمان الأوطان بتكامل الوعي والمؤسسات الأمنية والمداواة الفكرية لحماية المجتمع والدولة معًا.