Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

جناية الإرهاب بين حد الحرابة وفتنة البغي

جناية الإرهاب بين حد الحرابة وفتنة البغي

كيف واجهت الشريعة الإسلامية ظاهرة الإرهاب المعاصر عبر أحكامها القديمة؟

من خلال وضع سياج ردعي صارم ضد الحرابة والبغي، مجرمةً كل فعل يروع الآمنين أو يشق عصا الجماعة، ليكون الأمن شرطًا أساسيًّا لعمارة الأرض وإقامة الدين.

السبق التشريعي الإسلامي في تجريم الترويع

لقد وضعت الشريعة الإسلامية منذ ما يربو على أربعة عشر قرنًا من الزمان سياجًا تشريعيًّا متكاملًا لمحاصرة الظاهرة الإجرامية في مهدها، فكانت الأسبق في تصوير الجرائم الإرهابية وتصنيفها تحت مسميات شرعية دقيقة، كالبغي والحرابة، وهما ذروة الخروج على السكينة العامة والنظام الاجتماعي [حسين عبد الحميد رشوان: التطرف والإرهاب من منظور علم الاجتماع، ص ٦٣]، وتجلى هذا الحزم التشريعي لغايتين شريفتين: أولاهما الحفاظ على بيضة الجماعة ووحدة الصف الوطني، وثانيهما بسط رداء الأمن الذي هو شرط العبادة وعمارة الأرض، لكي يطمئن الناس على أرواحهم ومستقبلهم [يوسف أحمد الغامدي: الوظائف الإيجابية للإعلام الأمني في الوقاية من الإرهاب، ص ٦٨].

وذلك لأن كل يد تمتد بالترويع إنما هي يد تقطع حبال الوصل بين الخلق وخالقهم، وتُعطل مسيرة الاستخلاف التي ارتضاها اللهُ لعبادِه، فالشريعة في جوهرها حارسة للاستقرار، لا تقبل تزييف المفاهيم ولا اتخاذ التأويلات الفاسدة تكئةً لاستباحة الدماء المعصومة؛ إذ إنّ منزلة الأمن في الإسلام تسبق لقمة العيش، فبالأمن تقام الشعائر، وبسكينة الأوطان تتحقق المقاصد الكلية، وما حد الحرابة إلا برهانًا ساطعًا على أنَّ حماية الإنسان – أيِّ إنسان – هي في قلب مرادات الوحي الشريف.

جناية الحرابة وتهافت الإفساد في الأرض

تُعد الحرابة في منظور الفقهاء من أغلظ الجرائم جناية على أمن المجتمع، لما تنطوي عليه من منازعة لسلطان الدولة وترويع للآمنين في سبلهم، وهي تقع في دائرة الكبائر التي تشمل قطع الطريق والقتل والسطو المسلح، وكل فعل يهدف إلى إشاعة الرعب [يوسف أحمد الغامدي، الوظائف الإيجابية للإعلام الأمني في الوقاية من الإرهاب، ص ٦٨]، وقد رسم القرآن الكريم معالم ردع هذه الجريمة في نصٍّ قاطعٍ لا يحتمل التأويل، فقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَٰۤؤُا۟ ٱلَّذِینَ یُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَسۡعَوۡنَ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن یُقَتَّلُوۤا۟ أَوۡ یُصَلَّبُوۤا۟ أَوۡ تُقَطَّعَ أَیۡدِیهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ یُنفَوۡا۟ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡیࣱ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیمٌ﴾  [المائدة: ٣٣]، فالمحارب لله ورسوله هو كل من سلب الناس أمنهم، وهي جريمة تجعل مرتكبها في حرب مع مراد الله في خلقه؛ إذ إنّ الجرأة على دماء العباد هي في حقيقتها مروق عن أدب العبودية، ومحاولة يائسة لهدم بنيان الله الذي شيّده بالكرامة والحماية، فالمُرجفون والمحاربون لا يقتلون الأجساد فحسب، بل يغتالون السكينة التي هي روح الوجود، ويستبدلون (العمران) بـ (الخراب) تحت مبررات واهية يرفضها العقل السليم ويأباها النقل الصريح، إنَّ هذا الوعيد القرآنيّ المغلظ ليس مجرد عقوبة مادية، بل هو (إعلان براءة) من كل فكرٍ يسكن الخوف في ظله، وتأكيد على أنّ عظمة الشريعة تكمن في جعل (الأمانِ) حقًّا مقدسًا لا يجوز المساس به، فكلّ يد تمتد بالسوء للآمنين، فقد باءت بسخط من الله، واستحقت نكال الدنيا وعذاب الآخرة، جزاء ما اقترفت من نكران لحقِّ الحياة.

فتنة البغي وشق عصا الطاعة

البغي هو الوجه الآخر لتهديد كيان الدولة، ويتمثل في إثارة الفتن، والخروج على ولي الأمر بغير حق، مما يضعف الجبهة الداخلية ويمزق نسيج المجتمع، وقد أمر الله - تعالى - بمواجهة هذه الفئة الباغية حتى تنصاع لأمر الله، وتعود للرشد، فقال سبحانه: ﴿وَإِن طَاۤئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٱقۡتَتَلُوا۟ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُوا۟ ٱلَّتِی تَبۡغِی حَتَّىٰ تَفِیۤءَ إِلَىٰۤ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ [الحجرات: ٩]، والبغي في اصطلاح الفقهاء هو التعدي والامتناع عن الطاعة المشروعة، بتأويل فاسد يلبس الحق بالباطل [د. هلالي عبد اللاء أحمد، أصول التشريع الجنائي الإسلامي، ص ۱۸۹].

فالبغي في جوهره ليس مجرد خلاف في الرأي، بل هو زلزال يضرب أركان الطمأنينة، ومحاولة لتمزيق رداء الجماعة الذي أمر الله بصونه، فالبغاة يتسللون عبر ثغرات (التأويل المنحرف)؛ ليجعلوا من سفك الدماء قربة، ومن شقّ الصف جهادًا، وما علموا أنّ يد الله مع الجماعة، وأنّ الخروج على استقرار الأوطانِ هو خروج على مقاصد الأديان، إنّ مواجهة الباغي هي في حقيقتها ممارسة لـفقه الإصلاح، وحماية لمستقبل الأجيال من ضياع الهيبة وفوضى السلاح؛ فالدولة في الإسلام هي المظلة الجامعة التي تمنع تغول الفوضى، وكل من سعى في تقويض أركانها بحجة إصلاح واهمة، فقد وقع في فخ الإفساد الذي ذمّه الوحي، وصار فعله ردءًا لكل عدو يتربص بسكينة هذا الوطن وأمان أهله.

الاستخلاص الفقهي في مواجهة الإرهاب الحديث

من خلال التأمل في هذه التعريفات، ندرك أن البغاة والمحاربين في حقيقتهم هم جماعات شقت عصا الطاعة، واتخذت من التأويل المنحرف ستارًا لممارسة أعمال الاعتداء والتمرد المسلح ضد الدولة وحقوق الناس، إن الشريعة لم تنظر للبواعث إذا كانت الغاية هي سفك الدماء، بل اعتبرت ذلك إفسادًا محضًا، فكل من استحل الحرمات أو روع الآمنين تحت أي ذريعة، فقد وقع في وعيد المحاربة، ووجب على المجتمع والدولة التصدي لفكره وسلاحه بصفتهم حماة السلم والسكينة العامة، عملًا بقول المصطفى - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» [أخرجه الترمذي والنسائي]. وإن هذا الحديث الشريف هو (الدستور النبوي) الذي يقصم ظهر كل فكر متطرف، إذ ربط النبيّ المصطفى - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - حقيقة الإيمان (بالأمان)، فمن لا أمان للناس من جانبه فقد انسلخ من جوهر التصديق الحق.

إن الواجب الشرعي اليوم يقتضي منا ألا نكتفي بمواجهة السلاح بالسلاح، بل بمحاربة (الخيال المريض) الذي يتوهم الجنّة في سفك الدماء، وإثبات أنّ الدولة الوطنية بحدودها ومؤسساتها هي الضرورة التي لا يقوم الدين ولا تستقيم الدنيا إلا بها، فكلّ من رام تفكيك هذه المظلة تحت دعاوى (الحاكمية) المغلوطة أو (الخلافة) الموهومة، إنما هو ربيب فكر الخوارجِ الذين هم كلاب أهل النار، ومن هنا كان الذبّ عن حياض الوطن عهدًا غليظًا في عنق كلّ مؤمن يرجو الله والدار الآخرة، وتأكيدًا على أنّ عمارة الأرض هي غاية الاستخلاف، وأنّ الإرهاب – مهما تستر برداء التقوى– هو محض خيانة لله ورسوله وللإنسانية جمعاء.

الخلاصة

إنّ الشريعة الإسلامية بريئة من كل فكر ضال يتخذ من الدين مطية للقتل والدمار، فالحرابة والبغي هما الصورة الشرعية القديمة للإرهاب الحديث، والواجب على الأمة مؤسسات وأفرادًا أن يقفوا صفًا واحدًا خلف راية الاستقرار، متمسكين بمقاصد الشرع في حفظ الضرورات الخمس، مجهضين كلّ محاولةٍ لشقّ عصا الطاعة أو العبث بأمن الأوطان، فالدين يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق.

موضوعات ذات صلة

إنّ مواجهة التطرف الديني تبدأ من كشف زيف أدواته، وبيان بشاعة وسائله، التي يتدثر فيها بعباءة الدين وهو منه براء.

إن مأساة العصر تكمن في اجتراء أقوامٍ على سفك الدماء باسم رب الأرض والسماء.

إنَّ صيانة العقل المسلم من لوثة الفكر الضال هي المقصد الأسمى للشريعة الغراء.

موضوعات مختارة