التوحيد هو جوهر التصوف الإسلامي
وغايته الكبرى؛ فهو ليس مجرد إقرار نظري، بل هو ارتقاء روحي وتجرد كامل، وهذه
السطور تعكس عمق هذه المعاني القلبية التي سطرها كبار العارفين؛ حيث يتجاوز
التوحيد عندهم حدود اللغة، وقصور البيان البشري، ليصل إلى مقام "تجريد
التوحيد" وهو الخروج عن حظوظ النفس، والفناء عن كل ما سوى الله، فلا يشهد
العبد في الدارين إلا الحق سبحانه، قَالَ سيدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ:
لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» [البخاري: ٤٢٥،
ومسلم: ٣٣] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ سيدنا رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ
مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [ مسلم: ٢٩٨٥]
وهذه ومضات من كلام أئمة القوم تكشف عن
هذه الدقائق:
يقول أبو نعيم: "إِنَّ
التَّصَوُّفَ: الِاعْتِصَامُ بِالْحَقَائِقِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الطَّرَائِقِ"
[حلية الأولياء لأبي نعيم: ١/٢٨].
وقال أبو بكر محمد بن أبي إسحاق
الكلاباذي: سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَارِسِي يَقُول: "أَرْكَان
التصوف عشرَة: أَولهَا تَجْرِيد التَّوْحِيد، ثمَّ فهم السماع، وَحسن الْعشْرَة،
وإيثار الإيثار، وَترك الِاخْتِيَار، وَسُرْعَة الوجد، والكشف عَن الخواطر،
وَكَثْرَة الْأَسْفَار، وَترك الِاكْتِسَاب، وَتَحْرِيم الادخار، ومعنى تَجْرِيد
التَّوْحِيد أَن لَا يشوبه خاطر تَشْبِيه أَو تَعْطِيل" [التعرف لمذهب أهل
التصوف للكلاباذي: ص٨٩].
وقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى
الوَاسِطِيّ: "جملَة التَّوْحِيد أَن كل مَا يَتَّسِع بِهِ اللِّسَان،
أَو يُشِير إليه الْبَيَان، من تَعْظِيم أَو تَجْرِيد أَو تفريد، فَهُوَ مَعْلُول،
والحقيقة وَرَاء ذَلِك" مَعْنَاهُ أن كل ذَلِك من أوصافك وصفاتك محدثة معلولة
مثلك، وَحَقِيقَة الْحق هُوَ وَصفه لَهُ.
وَقَالَ بعض الكبراء: "التَّوْحِيد
إفرادك متوحدا، وَهُوَ أَن لَا يُشهدكَ الْحقُّ إياك".
قَالَ فَارس: "لَا يَصح
التَّوْحِيد مَا بقيت عَلَيْك علقَة من التَّجْرِيد، والموحد بالْقَوْل لَا يشْهد
السِّرّ مُنْفَردا بِهِ، والموحد بِالْحَال غَائِب بِحَالهِ عَن الأقوال، ورؤية
الْحق حَال لَا يشهده إِلَّا كل مَا لَهُ وَلَا سَبِيل إلى توحيده بِلَا قَالٍ
وَلَا حَال".
وَقَالَ بَعضهم: "التَّوْحِيد
هُوَ الْخُرُوج عَن جميعك، بِشَرْط اسْتِيفَاء مَا عَلَيْك، وَأَن لَا يعود
عَلَيْك مَا يقطعك عَنهُ، ومَعْنَاهُ أن تبذل مجهودًا فِي أَدَاء حق الله، ثمَّ
تتبرأ من رُؤْيَة أَدَاء حَقه، ويستوفيك التَّوْحِيد عَن أوصافك؛ فَلَا يعود
عَلَيْك مِنْهَا شَيْء؛ فَإِنَّهُ قَاطع لَك عَنهُ"
قَالَ الشبلي: "لَا
يتَحَقَّق العَبْد بِالتَّوْحِيدِ حَتَّى يستوحش من سره وَحْشَة لظُهُور الْحق
عَلَيْهِ".
وَقَالَ بَعضهم: "الموحد من حَال
الله بَينه وَبَين الدَّاريْنِ جَمِيعًا؛ لأنَّ الْحق يحمي حريمه، قَالَ الله جلّ وَعز: ﴿نَحۡنُ
أَوۡلِیَاۤؤُكُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِۖ﴾
[فصلت: ٣١] فَلَا نردكم إِلَى معنى سوانا فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وعلامة الموحد: أَن لَا يجري
عَلَيْهِ ذكر إخطار مَا لَا حَقِيقَة لَهُ عِنْد الْحق" [التعرف لمذهب أهل
التصوف للكلاباذي: ص١٣٥].
وقال أَحْمَد بْن عَطَاء: "كُل
مَا سئلت عَنْهُ فاطلبه فِي مفازة العلم، فَإِن لَمْ تجده ففي ميدان الحكمة، فَإِن
لَمْ تجده فزنه بالتوحيد، فَإِن لَمْ تجده فِي هذه المواضع الثلاثة فاضرب بِهِ وجه
الشَّيْطَان" [الرسالة القشيرية: ١/١٠٣ – ط دار المعارف].