Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التصوف وحقيقة التوحيد

الكاتب

هيئة التحرير

التصوف وحقيقة التوحيد

هناك ترابط قائم بين التوحيد الخالص والسلوك الروحي القلبي؛ ليشكلا الغاية الأسمى للتصوف الإسلامي المؤسَّسُ على تنقية الباطن، وتجريد القصد لله سبحانه، ويجمع هذا البيان بين إشراقات العارفين في مقامات الفناء والشهود، والدلالات اللغوية والقرآنية الفاصلة بين حقيقة الإخلاص وآفات الشرك.

تجريد التوحيد ومقامات الفناء عند الصوفية

التوحيد هو جوهر التصوف الإسلامي وغايته الكبرى؛ فهو ليس مجرد إقرار نظري، بل هو ارتقاء روحي وتجرد كامل، وهذه السطور تعكس عمق هذه المعاني القلبية التي سطرها كبار العارفين؛ حيث يتجاوز التوحيد عندهم حدود اللغة، وقصور البيان البشري، ليصل إلى مقام "تجريد التوحيد" وهو الخروج عن حظوظ النفس، والفناء عن كل ما سوى الله، فلا يشهد العبد في الدارين إلا الحق سبحانه، قَالَ سيدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» [البخاري: ٤٢٥، ومسلم: ٣٣] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ سيدنا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [ مسلم: ٢٩٨٥]

وهذه ومضات من كلام أئمة القوم تكشف عن هذه الدقائق:

يقول أبو نعيم: "إِنَّ التَّصَوُّفَ: الِاعْتِصَامُ بِالْحَقَائِقِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الطَّرَائِقِ" [حلية الأولياء لأبي نعيم: ١/٢٨].

وقال أبو بكر محمد بن أبي إسحاق الكلاباذي: سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَارِسِي يَقُول: "أَرْكَان التصوف عشرَة: أَولهَا تَجْرِيد التَّوْحِيد، ثمَّ فهم السماع، وَحسن الْعشْرَة، وإيثار الإيثار، وَترك الِاخْتِيَار، وَسُرْعَة الوجد، والكشف عَن الخواطر، وَكَثْرَة الْأَسْفَار، وَترك الِاكْتِسَاب، وَتَحْرِيم الادخار، ومعنى تَجْرِيد التَّوْحِيد أَن لَا يشوبه خاطر تَشْبِيه أَو تَعْطِيل" [التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي: ص٨٩].

وقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى الوَاسِطِيّ: "جملَة التَّوْحِيد أَن كل مَا يَتَّسِع بِهِ اللِّسَان، أَو يُشِير إليه الْبَيَان، من تَعْظِيم أَو تَجْرِيد أَو تفريد، فَهُوَ مَعْلُول، والحقيقة وَرَاء ذَلِك" مَعْنَاهُ أن كل ذَلِك من أوصافك وصفاتك محدثة معلولة مثلك، وَحَقِيقَة الْحق هُوَ وَصفه لَهُ.

وَقَالَ بعض الكبراء: "التَّوْحِيد إفرادك متوحدا، وَهُوَ أَن لَا يُشهدكَ الْحقُّ إياك".

قَالَ فَارس: "لَا يَصح التَّوْحِيد مَا بقيت عَلَيْك علقَة من التَّجْرِيد، والموحد بالْقَوْل لَا يشْهد السِّرّ مُنْفَردا بِهِ، والموحد بِالْحَال غَائِب بِحَالهِ عَن الأقوال، ورؤية الْحق حَال لَا يشهده إِلَّا كل مَا لَهُ وَلَا سَبِيل إلى توحيده بِلَا قَالٍ وَلَا حَال".

وَقَالَ بَعضهم: "التَّوْحِيد هُوَ الْخُرُوج عَن جميعك، بِشَرْط اسْتِيفَاء مَا عَلَيْك، وَأَن لَا يعود عَلَيْك مَا يقطعك عَنهُ، ومَعْنَاهُ أن تبذل مجهودًا فِي أَدَاء حق الله، ثمَّ تتبرأ من رُؤْيَة أَدَاء حَقه، ويستوفيك التَّوْحِيد عَن أوصافك؛ فَلَا يعود عَلَيْك مِنْهَا شَيْء؛ فَإِنَّهُ قَاطع لَك عَنهُ"

قَالَ الشبلي: "لَا يتَحَقَّق العَبْد بِالتَّوْحِيدِ حَتَّى يستوحش من سره وَحْشَة لظُهُور الْحق عَلَيْهِ".

وَقَالَ بَعضهم: "الموحد من حَال الله بَينه وَبَين الدَّاريْنِ جَمِيعًا؛ لأنَّ الْحق يحمي حريمه، قَالَ الله جلّ وَعز: ﴿نَحۡنُ أَوۡلِیَاۤؤُكُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِۖ﴾ [فصلت: ٣١] فَلَا نردكم إِلَى معنى سوانا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وعلامة الموحد: أَن لَا يجري عَلَيْهِ ذكر إخطار مَا لَا حَقِيقَة لَهُ عِنْد الْحق" [التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي: ص١٣٥].

وقال أَحْمَد بْن عَطَاء: "كُل مَا سئلت عَنْهُ فاطلبه فِي مفازة العلم، فَإِن لَمْ تجده ففي ميدان الحكمة، فَإِن لَمْ تجده فزنه بالتوحيد، فَإِن لَمْ تجده فِي هذه المواضع الثلاثة فاضرب بِهِ وجه الشَّيْطَان" [الرسالة القشيرية: ١/١٠٣ – ط دار المعارف].

التوحيد في العقيدة والتحليل اللغوي في الآيات القرآنية

التوحيد العلمي والعملي:

يقول الله تعالى: ﴿لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومࣰا مَّخۡذُولࣰا﴾ [الإسراء: ٢٢].

وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ» قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ-: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً» [مسند الإمام أحمد: ٢٣٦٣٠].

فإذا كان التوحيد يمثل غاية التجرد، فهو في أساسه التشريعي والعقدي أصل الدين ورسالة الأنبياء أجمعين، وهذا ما يُبرزه العلماء في كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» في القرآن الكريم، فهذا هو أساس الدين كله، وهو الأصل الذي لا تكون النجاة ولا تقبل الأعمال إلا به، وما أرسل الله رسولًا إلا داعيًا إليه، ومذكرًا بحججه، وقد كانت أفضل كلمة قالها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي كلمة «لا إله إلا الله» وهي كلمته الصريحة فيه.

ولا تكاد سورة من سور القرآن تخلو من ذكره والأمر به والنهي عن ضده، وأنت ترى أن هذه الآيات الجامعة قد جعلت بين آيتين صريحتين فيه، فقوله: ﴿لَّا تَجۡعَلۡ﴾: الجعل يكون عمليًا؛ كـ: جعلت الماء مع اللين في إناء واحد، ويكون اعتقاديًّا، كقولك: جعلت مع صديقي صديقًا آخر.

والجعل في الآية من هذا الثاني ﴿مَعَ ٱللَّهِ﴾: المعية هنا أيضًا هي معية اعتقادية، ﴿إِلَٰهًا ءَاخَرَ ﴾: الإله هو المعبود والعبادة نهاية الذل والخضوع مع الشعور بالضعف، والافتقار وإظهار الانقياد والامتثال ودوام التضرع والسؤال، ﴿فَتَقۡعُدَ﴾: القعود ضد القيام، والعرب تُكَنِّي بالقيام عن الجد في الأمر والعمل فيه، سواء أكان العامل قائمًا أو جالسًا، فتقول: قام بحاجتي؛ إذا جد وعمل فيها، ولو كان لم يمش فيها خطوة وإنما قضاها بكلمة قالها أو خطاب أرسله، وتكنى كذلك بالقعود عن الترك للعمل، وانحلال العزيمة، وبطلان الهمة، سواء أكان الشخص واقفًا أم جالسًا، فتقول: قعد زيد عن نصرة قومه، إذا لم يعمل في ذلك عملًا، ولم تكن له فيه همة ولا عزيمة، ولو كان قائمًا يمشي على رجليه، فالقعود في الآية بمعنى المكث (كناية عن بطلان العمل، وخيبة السعي، وخور القلب، وفراغ اليد من كل خير، ﴿مَذۡمُومࣰا﴾: مذكورًا بالقبيح موصوفًا به [أصول الهداية لابن باديس: ص٥٢-٥٦].

الثمرات العملية للتوحيد وأثر الإخلاص في تزكية القلوب

ويتجاوز التوحيد كونه إقرارًا باللسان، ليصبح قوةً فاعلةً تطهر القلب وتصقل الروح، في هذا المقتطف نطالع إشراقاتٍ من كلام السلف والعارفين؛ تبرز الثمرات العملية والمقامات الروحية للتوحيد؛ فهو الترياق الذي يمحو آفة الرياء، والشفيع الأعظم الذي يُستسقى به عفو الله ورجاؤه، وهو روح الإخلاص ومبتدأ طريق السالكين، وفي هذه الدرر ربط بين صحة الاعتقاد وصلاح القلوب:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» [الترمذي: ٢٤٦٥].

قَالَ الْحَسَنُ: "السُّجُودُ يَذْهَبُ بِالْكِبْرِ، وَالتَّوْحِيدُ يَذْهَبُ بِالرِّيَاءِ" [التواضع والخمول لابن أبي الدنيا: ٢٢٧].

وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ عَوَانَةَ، أَنَّ رَجُلًا دَعَا بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: "لَا تُعَذِّبْنَا بِالنَّارِ بَعْدَ أَنْ أَسْكَنْتَ تَوْحِيدَكَ قُلُوبَنَا , قَالَ: ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: مَا إِخَالُكَ تَفْعَلُ بِعَفْوِكَ، ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: وَلَئِنْ فَعَلْتَ فَبِذُنُوبِنَا , لَتَجْمَعَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ طَالَ مَا عَادَيْنَاهُمْ فِيكَ" [حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا: ١٢].

وقال الحارث بن أسد المحاسبي: "وَأما شُعب الْإِخْلَاص فَلَا يُسمى المخلص مخلصًا حَتَّى يفرد الله عز وَجل من الْأَشْبَاه والأنداد والصاحبة وَالْأَوْلَاد، ثمَّ إِرَادَته الله بِإِقَامَة التَّوْحِيد وَجمع الْهم لَهُ وَبِه فِي النَّفْل وَالْفَرْض" [رسالة المسترشدين: ص١٧٤-١٧٤].

الخلاصة

يرتبط كمال التوحيد بتطهير الباطن من علل النفس وحظوظها الفانية، ليتجاوز مجرد النطق باللسان إلى أعمال قلبية حية تُفرد الخالق بالحب والعبودية الخالصة، وتبرهن نصوص السلف وأرباب السلوك على أن مدار نجاة العبد وقبول أعماله يكمن في إخلاص الوجهة، والفرار من الرياء والكبر الحاجبين عن أنوار الحق سبحانه، ويبقى تجريد التوحيد هو الأصل الأصيل لكل الشرائع، والدواء الأوحد لآفات النفوس، والغاية العظمى التي تلتقي عندها براهين العلم مع مواجيد الحكمة.

موضوعات ذات صلة

العلم بأن الله - تعالى - واحد في كل ما يخصه، والإقرار أيضًا بكل ما وصف الله به نفسه.

صفة سلبية تسلب عن الله تعالى ما لا يليق بجلاله من نفي الكثرة والتعدد في حق الله تعالى.

الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية، ويعد من أشرف العلوم وأعلاها مقامًا.

يُمثل الفناء والبقاء أعلى المقامات الصوفية.

للشيخ عبد القادر الجيلانى تقدير خاص في عرضه لقضية الفناء والبقاء.