Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مظاهر التضامن الاجتماعي في الهجرة النبوية

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

مظاهر التضامن الاجتماعي في الهجرة النبوية

مثّلت الهجرة النبوية المشرفة ثورةً اجتماعية فريدة أعادت هيكلة الروابط الإنسانية على الأخوة الإيمانية والتضامن المجتمعي بدلًا من العصبية القبلية.

فلسفة البناء المجتمعي في الهجرة النبوية

كانت الهجرة النبوية الشريفة تأسيسًا لفلسفة مجتمعية جديدة أعادت هيكلة المفهوم المجتمعي السائد قضت على العصبية القبلية، وجعلت من الأخوة الإنسانية والإيمانية ركيزة أساسية لبناء الدولة، وظهر هذا جليًّا في وثيقة (صحيفة) المدينة التي ألغت الفوارق بين المهاجرين والأنصار ورسمت حدود التعامل بينهم وبين اليهود بالمدينة المنورة، فجاء فيها أن: (يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ) [سيرة ابن هشام]، وهو ما شكَّل إعلانًا لنظام مجتمعي جديد كانت الأخوة فيه الركيزة الأساسية مستمدّا هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ "أَيْ فِي الدِّينِ وَالْحُرْمَةِ لَا فِي النَّسَبِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: أُخُوَّةُ الدِّينِ أَثْبَتُ مِنْ أُخُوَّةِ النَّسَبِ، فَإِنَّ أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وَأُخُوَّةَ الدِّينِ لَا تَنْقَطِعُ بِمُخَالَفَةِ النَّسَبِ" [تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٢٢ – ٣٢٣].

أعظم وثيقة تضامن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

تعد المؤاخاة التي عقدها الرسول- صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة بين المهاجرين والأنصار أعظم وثيقة تكافل وأكمل نموذج تضامن اجتماعي في التاريخ، فالمهاجرون تركوا أموالهم وديارهم في مكة ووصلوا المدينة لا يملكون شيئًا والأنصار كانوا أصحاب أرض وزرع فكان لابد من نظام يحفظ للمدينة استقرارها  من شأنه أن يلغي الفوارق الطبقية والقبلية، فكانت المؤاخاة، ففي صحيح البخاري: "قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنه: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سوقُ قَيْنُقَاعٍ. قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ. قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «تَزَوَّجْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «وَمَنْ؟» قَالَ: امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: «كمْ سُقْتَ؟» قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» [صحيح البخاري: ٣/ ١٥٣]، وكان في هذا الفعل إيثار منقطع النظير، وقد وصف القرآن الكريم هذا التكافل بقوله تعالى: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [الحشر: ٩]، ولم يقتصر الأمر على الدعم المادي وإنما بلغ مدى أوسع من ذلك بأن وفر الأنصار للمهاجرين ما يجعلهم يشعرون بالأمان والانتماء وهذه نعمة جليلة من نعم الله على العباد.

التضامن في العمل الجماعي والسرية

  • كان العمل الجماعي، والسرية التامة بين المشاركين في الهجرة المباركة من أعظم مظاهر التضامن الاجتماعي، فقد توزعت الأدوار بدقة متناهية بين الأفراد لتأمين الرحلة وحماية النبي – صلى الله عليه وسلم - ورفيقه أبي بكر الصديق - رضي الله عنه – فقد حوت هذه الرحلة المباركة رفيقًا وفداءً وممونًا ومموهًا ومخبرًا ودليلًا، وجميعهم في صحبة الهادي – صلى الله عليه وسلم، وقد تحقق في جميعهم التفاني في أداء المهام والحرص على سرية أمره لينجح في تحقيق دوره.
  • أما الرفيق فكان الصدِّيق - رضي الله عنه – الذي صدق في محبته ورجائه في صحبته للحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – في رحلته فكان له ما يرجوه، وأما الفداء فكان الإمام علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – بمبيته في فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – للتمويه على كفار قريش دون خوف من بطشهم بعد اكتشاف أمره، وأما فريق العمل المساعد للحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم – في الهجرة تمثل في الممون وكانت أسماء بنت أبي بكر، والمموه وكان عامر بن فهيرة، والمخبر بأخبار قريش وكان عبد الله بن أبي بكر – رضي الله عنهم جميعًا - وأما الدليل فكان عبد الله بن أريقط غير المسلم الذي سخره الله – جل وعلا – ليكون مرشدًا للرسول – صلى الله عليه وسلم – في رحلته.
  •  روى البخاري عن عائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: "هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «عَلَى رِسْلِكَ؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَتَرْجُوهُ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِصُحْبَتِهِ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَقَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدًى لَهُ بأَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَأْذَنَ؛ فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». قَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ - بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ»، قَالَ: فَالصُّحْبَةُ - بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَخُذْ - بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «بِالثَّمَنِ»، قَالَتْ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجَهَازِ، ووَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَأَوْكَتْ بِهِ الْجِرَابَ؛ وَلذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ، ثُمَّ لَحِقَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم - وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: ثَوْرٌ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ، فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِمَا سَحَرًا، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلِهَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ" [انظر ذلك في: صحيح البخاري ٧ / ٤٢٢، وسيرة ابن هشام: ٢ / ١٢٥، والبداية والنهاية لابن كثير].

الخلاصة

تؤكد تفاصيل الهجرة وبناء مجتمع المدينة أن استقرار الدول وقوتها ينبعان من إذابة الفوارق وإعلاء قيم الإيثار والعمل الجماعي المحكم، وقد مزجت الرؤية النبوية بين التخطيط البشري في الرحلة والتأسيس التشريعي للتكافل لتظل الهجرة النبوية النموذج الأسمى لفقه التضامن الإنساني عبر العصور.

موضوعات ذات صلة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة