مثّلت الهجرة النبوية المشرفة ثورةً اجتماعية فريدة أعادت هيكلة الروابط الإنسانية على الأخوة الإيمانية والتضامن المجتمعي بدلًا من العصبية القبلية.
مثّلت الهجرة النبوية المشرفة ثورةً اجتماعية فريدة أعادت هيكلة الروابط الإنسانية على الأخوة الإيمانية والتضامن المجتمعي بدلًا من العصبية القبلية.
كانت الهجرة النبوية الشريفة تأسيسًا لفلسفة مجتمعية جديدة أعادت هيكلة المفهوم المجتمعي السائد قضت على العصبية القبلية، وجعلت من الأخوة الإنسانية والإيمانية ركيزة أساسية لبناء الدولة، وظهر هذا جليًّا في وثيقة (صحيفة) المدينة التي ألغت الفوارق بين المهاجرين والأنصار ورسمت حدود التعامل بينهم وبين اليهود بالمدينة المنورة، فجاء فيها أن: (يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ) [سيرة ابن هشام]، وهو ما شكَّل إعلانًا لنظام مجتمعي جديد كانت الأخوة فيه الركيزة الأساسية مستمدّا هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ "أَيْ فِي الدِّينِ وَالْحُرْمَةِ لَا فِي النَّسَبِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: أُخُوَّةُ الدِّينِ أَثْبَتُ مِنْ أُخُوَّةِ النَّسَبِ، فَإِنَّ أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وَأُخُوَّةَ الدِّينِ لَا تَنْقَطِعُ بِمُخَالَفَةِ النَّسَبِ" [تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٢٢ – ٣٢٣].
تعد المؤاخاة التي عقدها الرسول- صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة بين المهاجرين والأنصار أعظم وثيقة تكافل وأكمل نموذج تضامن اجتماعي في التاريخ، فالمهاجرون تركوا أموالهم وديارهم في مكة ووصلوا المدينة لا يملكون شيئًا والأنصار كانوا أصحاب أرض وزرع فكان لابد من نظام يحفظ للمدينة استقرارها من شأنه أن يلغي الفوارق الطبقية والقبلية، فكانت المؤاخاة، ففي صحيح البخاري: "قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنه: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سوقُ قَيْنُقَاعٍ. قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ. قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «تَزَوَّجْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «وَمَنْ؟» قَالَ: امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: «كمْ سُقْتَ؟» قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» [صحيح البخاري: ٣/ ١٥٣]، وكان في هذا الفعل إيثار منقطع النظير، وقد وصف القرآن الكريم هذا التكافل بقوله تعالى: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [الحشر: ٩]، ولم يقتصر الأمر على الدعم المادي وإنما بلغ مدى أوسع من ذلك بأن وفر الأنصار للمهاجرين ما يجعلهم يشعرون بالأمان والانتماء وهذه نعمة جليلة من نعم الله على العباد.
تؤكد تفاصيل الهجرة وبناء مجتمع المدينة أن استقرار الدول وقوتها ينبعان من إذابة الفوارق وإعلاء قيم الإيثار والعمل الجماعي المحكم، وقد مزجت الرؤية النبوية بين التخطيط البشري في الرحلة والتأسيس التشريعي للتكافل لتظل الهجرة النبوية النموذج الأسمى لفقه التضامن الإنساني عبر العصور.
هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله
نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة
الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع
الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي
الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة