أولًا: تعتبر لفظة الحاكميَّة من جهة اللغة: مصدرًا
صناعيًّا من حاكم، وهو منصب الحاكم، أو وظيفته، أو لقبه الوظيفي [معجم اللغة العربية المعاصر، مادة
حكم، ج ١/ ص: (٥٣٩)].
وأصل اللفظة مأخوذ من الجذر: (حَ كَ مَ)، "يُقَال: حكم
بالأمر حكمًا قضى، يُقال: حكم له وحكم عليه وحكم بينهم، والفرس جعل لجامه حكمة،
وحَكَمَ فلانًا: منعه عما يريد وروده، حاكمه: إلى الله - تعالى - وإلى الكتاب وإلى
الحاكم: خاصمه ودعاه إلى حكمه، وحاكم المذنب: استجوبه فيما جناه، حكَّمه: جعله
حكمًا، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ
حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ﴾ [النساء: ٦٥] [المعجم الوسيط، ج ١، ص: (١٩٠)، مادة: حكم].
ثانيًا: يراد بالحاكمية من جهة الاصطلاح: "أنَّ مصدر
الأحكام الشريعة الإسلامية لجميع المكلفين هو الله - تعالى - وحده، قال تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ
يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]" [دور المنهج العقدي الأزهري في مواجهة التطرف
الفكري، د/ أحمد حلمي سعيد قطب، حولية كلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة، العدد: ٣٦،
المجلد الأول، ص: (٣٥٢)، (٢٠٢٢/ ٢٠٢٣م)].
ولقد صاغت
الحركات المتطرفة مفهوم (الحاكمية) صياغة سياسية معاصرة تتصادم مع جوهر الشريعة، واستخدمت
هذا اللفظ لخلع المشروعية عن مؤسسات الدولة الوطنية وتكفير المجتمعات، ومن ثم
الانتقال إلى مرحلة الصدام مع تلك المؤسسات، ومحاولة هدمها بدعوى أنها مؤسسات
تتصادم مع الشريعة الإسلامية؛ لأنها تنازع الله سبحانه وتعالى - بزعمهم- في
التشريع والحكم، وقد
سلكوا في ذلك مسلك أهل الكتاب الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وأخذوا بعضًا مما
ذكروا به وتركوا بعضًا، مستدلين على ذلك بنصوص حرفوها عن مضامينها، وأولوها على
غير وجهه الصحيح، ضاربين بفهم العلماء عرض الحائط، متبعين في تفسيرها أهواءهم
المريضة، ومن ذلك استدلالهم بعموم الحكم في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ
ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ومعلوم
أن هذه الآية محمولة على حالة التبديل للشرع، ونسبة ذلك إلى دين الله - تعالى - ومما يؤيد ذلك معرفة سبب نزول هذه الآية، فهو من
المقيَّدات والمفسَّرات:
ففي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رضى الله عنه- "لما
مُرّواَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَهُودِيٍّ
مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ
حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا
مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ
التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ» قَالَ: لَا،
وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ،
وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ
تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ
الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى
الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ مَكَانَ
الرَّجْمِ، فَأَنْزَلَ اللهُ - تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ
ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقد
ساق ابن جرير خمسة أقوال في تفسير هذه الآية ثم قال: "وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول
من قال: نزلت
هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نزلت، وهم
المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرًا عنهم أولى" [جامع
البيان في تأويل القرآن، الإمام ابن جرير الطبري، ج١٠، ص ٣٥٨].
وقد
تلاعب هذا الفكر المتطرف بالمعنى الشرعي لكلمة (الحكم) فحولها إلى أداة لرفض
القوانين المنظمة للمجتمع، والتي هي في ذاتها تتوافق مع الشريعة الإسلامية ولا
تعارضها في شيء، متناسين أيضًا أن الشريعة الإسلامية جاءت لإرساء قيم العدالة وحفظ
النفس، وأن التنظيم الإداري والتشريعي للدول لا يتنافى مع حاكمية الله المطلقة.
ولذلك لا بد من الاهتمام بالوعي الديني المعتدل من خلال
المنهج العلمي الرصين الذي يقوم على النظرة الشمولية في التعامل مع النصوص
الشرعية، وعدم القراءة المجتزئة لها، وعدم التعامل معها على أنها كما لو كانت
جزرًا منعزلة عن بعضها البعض، وكذلك فهم دلالات هذه النصوص من خلال فهم الواقع
الذي نزلت فيه، ومعرفة أسباب نزولها وورودها، والموازنة المنضبطة في ترتيب تلك
النصوص؛ حتى تشكل تلك النصوص في مجموعها الصورة الكاملة للحكم الشرعي الصحيح [يراجع
في ذلك: التلاعب بالوعي: كيف تختطف الجماعات المتطرفة المصطلحات الإسلامية؟، المرصد
العالمي للفتوى- دار الإفتاء المصرية، القاهرة:
دار الإفتاء، (٢٠٢١)].