ومن أشهر الطرق بالمشرق والمغرب طريقته،
وله طريقتان: طريقةُ تبركٍ أخذها عن الشيخ الولي سيدي محمد بن حرازم، ابن الأستاذ
أبي الحسن علي بن حرازم، وطريقةُ إرادةٍ، وهي التي أخذها عن الأستاذ القطب أبي
محمد عبد السلام بن مشيش - رضي الله عنه - واشتملت طريقته على السلوك،
والجذب، والمجاهدة، والعناية، والأدب، والقرب، والرعاية، وتشيَّدت بالعلمَين
الظاهر والباطن من سائر أطرافها، واقترنت بصفات الكمال شريعةً وحقيقةً من جميع
أكنافها.
· قال فيه الإمام
البوصيري صاحب البردة في قصيدةٍ مدح بها سيدي أبا العباس المرسي، وشيخه سيدي
أبا الحسن الشاذلي - رضي الله عنهما:
إنَّ الإمامَ
الشاذليَّ طريقُه .. في الفضلِ واضحةٌ لعينِ المهتدي
فانقل ولو
قدمًا على آثاره .. فإذا فعلتَ فذاك أخذٌ باليدِ
أفدي عليًّا
بالوجود وكلُّنا .. بوجوده من كل سوءٍ نفتدي
قطبُ الزمان
وغوثُه وإمامُه .. عينُ الوجود لسانُ سرِّ الموجدِ
ساد الرجالَ
فقصرت عن شأوه .. هممُ المآرب للعُلى والسؤددِ
فتلقَّ ما
يلقي إليك فنطقُه .. نطقٌ بروح القدس أيَّ مؤيدِ
وإذا مررتَ
على مكان ضريحه .. وشممتَ ريح الندِّ من تُربٍ ندي
ورأيتَ أرضًا
في الفلاة بخضرةٍ .. مخضرةٍ منها بقاعُ الغرقدِ
والوحشُ
آمنةٌ لديه كأنها .. حُشرت إلى حرمٍ بأول
مسجدِ
ووجدتَ
تعظيمًا بقلبك لو سرى .. في جلمدٍ سجد الورى للجلمدِ
فقل: السلام
عليك يا بحر الندى .. الطامي، وبحر العلم بل والمرشدِ
- وقال الشيخ
إبراهيم بن محمد بن ناصر الدين بن الميلق:
ولو قيل لي:
من في الرجال مكملٌ؟ .. لقلتُ: إمامي الشاذليُّ أبو الحسنْ
لقد كان
بحرًا في الشرائع راسخًا .. ولا سيما علمَ الفرائض والسننْ
ومن منهل
التوحيد قد عبَّ وارتوى .. فلله كم أروى قلوبًا بها محنْ
وحاز علومًا
ليس تُحصى لكاتبٍ .. وهل تحصر الكتَّاب ما حاز من فنْ
فكن شاذليَّ
الوقت تحظَ بسرِّه .. وفي سائر الأوقات مستغنيًا بعنْ
فإني له عبدٌ
وعبدٌ لعبده .. فيا حبذا عبدٌ لعبدِ أبي الحسنْ
إذا لم أكن
عبدًا لشيخي وقدوتي .. إمامي وذخري الشاذلي أكنْ لمنْ؟
فيا رب بالسر
الذي قد وهبتَه .. تمنُّ علينا بالمواهب والفطنْ
وما أحسن قول العارف سيدي علي بن عمر
القرشي بن الميلق:
أنا شاذليٌّ
ما حييتُ، فإن أمتْ .. فمشورتي في الناس أن يتشذلوا
تمسَّكْ بحبل
الشاذليِّ ولا تردْ .. سواه من الأشياخ إن كنت ذا لبِّ
فأصحابُه
كالشمس زاد ضياؤها .. على النجم والبدر المنير من الحبِّ
تمسَّكْ
بحبِّ الشاذليِّ فإنَّه .. له طرقُ
التسليك في السر والجهرِ
أبو الحسن
السامي على أهل عصرهِ .. كراماتُه جلَّت عن الحد والحصرِ
تمسَّكْ
بحبِّ الشاذليِّ فتلقَ ما .. ترومُ، وحققْ ذا المناطَ وحصِّلا
توسلْ به في
كل حالٍ تريدُه .. فما خاب من يأتي به متوسلًا
الشيخ أبو الحسن الشاذلي - رضي الله عنه - هو علي بن عبد الله بن عبد
الجبار الشاذلي -بالشين والذال المعجمتين، وشاذلة قريةٌ من إفريقية- الضرير،
الزاهد، نزيلُ الإسكندرية، وشيخُ الطائفة الشاذلية، وكان كبيرَ المقدار، عاليَ
المنار، له عباراتٌ فيها رموز.
وصحب الشيخ نجم الدين الأصفهاني،
وابن مشيش وغيرهما، وحجَّ مراتٍ، ومات بصحراء عيذاب قاصدًا الحج، فدُفن
هناك في ذي القعدة سنة ست وخمسين وست مئة.
وقد أفرده سيدي الشيخ تاج الدين بن عطاء
الله هو وتلميذه أبا العباس بالترجمة، وها أنا أذكر لك ملخص ما ذكره فيها، فأقول
وبالله التوفيق:
قد ترجم - رضي الله عنه - في كتاب لطائف
المنن سيدي الشيخ أبا الحسن - رضي الله عنه - بأنه قطب الزمان، والحامل في
وقته لواء أهل العيان، حجة الصوفية، علم المهتدين، زين العارفين، أستاذ الأكابر،
زمزم الأسرار، ومعدن الأنوار، القطب الغوث الجامع أبو الحسن علي الشاذلي - رضي
الله عنه - لم يدخل طريق القوم حتى كان يُعدُّ للمناظرة في العلوم الظاهرة، وشهد
له الشيخ أبو عبد الله بن النعمان بالقطبانية.
وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد
- رضي الله عنه - يقول: ما رأيت أعرفَ بالله من الشيخ أبي الحسن الشاذلي - رضي الله
عنه.