Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المنهاج التربوي للحج

الكاتب

أ.د/ أسامة الأزهري وزير الأوقاف

المنهاج التربوي للحج

يمثل الحج رحلة روحية عميقة تنتشل الإنسان من روتين عاداته اليومية لتعيده إلى فطرته النقية، وتعد هذه الفريضة محطة فارقة تعيد صياغة النفس البشرية من الداخل عبر مناسك تربط القلب بخالقه وتغرس فيه التواضع، ليرجع الحاج مزودًا بطمأنينة تسري في ظاهره وباطنه.

حكمة العبادات: التحرر من مألوف العادات

لقد تجلت هذه الحكمة منذ أن خلق الحق تبارك وتعالى الإنسان وهيأ له أجناسًا من حوله، وسخرها له وجعلها منقادة له ينتفع بها في حياته، وأجناس الوجود التي نعرفها الجماد والنبات والحيوان، هذه الأجناس هي التي تشكل عماد الإنسان في تيسير وتسيير حركة حياته، فهو ينتفع بجنس الجمادات لما أن الله تعالى قد سخرها وذللها له، وينتفع بجنس النبات، وينتفع بجنس الحيوان في مأكله ومركبه، وهكذا مضت حياة الإنسان، اعتاد عوائد معينة، ومضت حياته على قوانين ثابتة راسخة تجري منذ أن خلق الله تعالى آدم، ثم إن الحق سبحانه خلق الإنسان وكلفه وأمره بالشرائع والأحكام، وجعلها رباطًا يربط العبد بربه، إلا أن نفس الإنسان تعتريها العوائد، هذه النفس البشرية التي تتملكها العوائد الإنسانية تجعل نفس الإنسان شيئًا فشيئًا تنصرف عن فهم حكمة الله من تسخير الأكوان له، وإذا ما لم يفطن الإنسان لحكمة الله في ذلك غلبته عادته على عبادته، وعزلت العبادة عن أن توصل إلى نفس الإنسان أثرًا من آثار الهداية، ولذلك فقد جعل الحق تبارك وتعالى أنواع العبادات قاطعة لمألوف العادات، ألف الإنسان أن يأكل متى شاء وأن يشرب متى شاء فنسي بالعبادات لطف الله تعالى في تدبير المأكل والمشرب، ونسي إخوانه من الخلق من حوله، ونسي لطف الله في تسخير الزوجة له، فأراد الله تعالى أن يشرع له عبادة تقطع عنه إلف العادة بلذة العبادة، فشرع له الصيام، وجعل الصيام من وراء هذه الحكم مشتملًا على عبادة محضة وحكمة ربانية بحتة، وهكذا أيضًا جاء الحج ليقطع عن الإنسان مألوفات أعمت بصره وقلبه، جاء الحج ليقلب فطرة الإنسان من جديد وليخرجه إلى طور من أطوار تربية النفس يرجع فيه الإنسان مسخرًا خادمًا لكل أجناس الوجود، ولما أن كانت العبادات مرتبة على نحو يملأ نفس الإنسان وصلًا برب العالمين ويقطع عن الإنسان مألوفاته وعوائده، فقد رتب الحق تبارك وتعالى العبادات على نحو يجعل ذلك الأثر موصولًا بالنفس دائمًا، فجعل في اليوم خمس صلوات، وجعل هناك الجمعة التي تتكرر كل أسبوع، وجعل الصيام يتكرر مرة في السنة، ثم فرض الحج وجعله مرة في العمر، فلا شك حينئذ في أن الحج يمثل قمة القمم في إعادة صياغة النفس البشرية وتقريبها من مناهج الهداية الربانية، وقد بيّن العلماء أن فرائض الحج وشرائعه ومناسكه تحدث انقلابًا عنيفًا في نفس الإنسان من داخل.

مناسك الحج: عودة للفطرة وتعظيم لأجناس الوجود

ويتضح هذا الانقلاب الكبير في مناسك الحج، وذلك أن المولى تبارك وتعالى أمره أن يطوف بالبيت سبعًا، وأمره أن يسعى بين جبلي الصفا والمروة، وأمره أن يقبل الحجر الأسود وأن يستلمه، وأمره أن يرجم الحجر الذي نصب للإشارة إلى إبليس في رمي الجمرات، فلقد أعادك الحق سبحانه إلى تعظيم جنس الجماد وتفخيمه، فأنت تطوف بأحجار وتسعى بين جبلين وتقبل حجرًا وترجم حجرًا، فبعد أن كان جنس الجماد على طوال عمرك خادمًا لك مسخرًا لحياتك، أرجعك الله تبارك وتعالى معظمًا لجنس الجماد، لا تتم عبادتك ولا يقبل منك النسك، ولا يرضى عنك ربك إلا إذا ما فعلت ذلك، وأمرك الحق تبارك وتعالى أن ترجع إلى تعظيم جنس النبات؛ فحرم عليك أن تقطع شجر الحرم أو أن تعضده، وأرجعك الحق كذلك إلى تعظيم جنس الحيوان فنهاك عن صيد البر في فترة الإحرام، وجعل هناك كفارة تعدل ما اعتديت عليه من جنس الحيوان، وأعلمك بأن حجك لا يكاد يقبل إلا إذا ما رعيت جنس الحيوان وعظمته واحترمته، فإن اعتديت عليه بالصيد -والصيد حلال- كان في ذلك كفارة تجب عليك ولا يقبل حجك إلا إذا ما أديتها ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلصَّیۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمࣱۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤءࣱ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ یَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ﴾ [المائدة: ٩٥].

هذا المنهاج التربوي العجيب الذي يرجع فيه الإنسان إلى الفطرة الأولى محترمًا معظمًا لأجناس الوجود من حوله، ويجعله ينقطع عن عوائده ومألوفاته ليرى نعمة الله تعالى عليه، وليعلم أنه من حيث هو إنسان لا قيمة له في ذاته إلا بما سخر الله له من الأكوان.

ولذلك فإن الحق تبارك وتعالى يأمرك في الحج أن تقبل حجرًا وأن ترجم حجرًا، فأمرك أن تقبل الحجر الأسود وأن تعظمه، وأمرك أن تهين حجرًا يرمز إلى إبليس وأن ترجمه، ليعلمك أن طبيعة الحجر ليست هي الغاية، فلا الحجر يُعظَّم لكونه حجرًا، ولا يُهان لكونه حجرًا، إنما الشأن أن الله تعالى أمرك أن تقبل هنا وأن ترجم هناك، إنما الشأن أن الله تعالى قد اصطفى من خلقه صفوة أوجب عليك أن تعظمها وإن كانت مَهينةً في نظرك، فما قيمة الحجر عندك، لا قيمة له في الحقيقة إلا أن الله عظمه، وجعل بيته المعظم أحجارًا مبنية فأمرك أن تطوف حولها، وأن تستحضر في طوافك أنك طائف بحضرة الجلال، وأن روحك منصبة على تقديس شعائر ربك، ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، أعلمك المولى تبارك وتعالى في ذلك المشهد العظيم أنك رجعت خادمًا لكل أجناس الوجود من حولك مستشعرًا أنك متواضع لعظمة ربك، تعظم من عظمه الله، وترفع من رفعه الله، وتهين من أهانه الله، وتمتنع عما أحل الله لك في غير حالة الإحرام حتى ترجع نفسك إلى إلف التكليف، وأمر سبحانه النساء بأن يسترن وجوههن إلا في الحج فقد جعل النسك للمرأة أن تكشف وجهها، وأباح لك الصيد في وقت الحل ونهاك عنه في وقت الحرم، وأباح لك عوائد من مناقشة الخلق من حولك والجدل مع بني آدم وأمرك أن تجادل الناس بالتي هي أحسن إلا في الحج فقد بيّن لك أنه ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: ١٩٧].

هذا المنهاج العظيم الذي تنقلب فيه الفطرة الإنسانية ويرجع فيه العبد عبدًا لله في العبادة، ولن تكون عبدًا صادقًا ربانيًّا حتى تتنازل عن درجتك التي كنت تتبوأها من قبل، وحتى ترجع إلى الانخفاض لما عظم الله -تعالى- وأعلى وإن كان مهينًا في ذاته، هذه الملامح التي تنغرس في نفس من شهد المشاهد مقرونة بما خلعه الله تعالى على البيت المعظم من الجلال والجمال والكمال والعظمة والمهابة.

اصطفاء البيت الحرام: أول قِبلة ومَهبط البركات

وتتجلى تلك العظمة وتكتمل مشاهد الهداية في اصطفاء البيت الحرام، فقد تنزل الله تعالى على بيته الحرام واصطفاه من جنس الجماد، وجعله خيرة من خلقه وصفوة من عباده، فعظم هذه البقعة المحرمة وجعلها ﴿مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنࣰا﴾ [البقرة: ١٢٥]، وجعلها بيتًا له بإزاء بيته الأعظم في السماء، وجعل بيته المعظم في السماء تطوف حوله الملائكة وتحف به ويدخله في اليوم ألف ألف ملك أو يزيد، وجعلك تطوف ببيته الحرام في الأرض حتى تستحضر وأنت في الأرض مشهد تعظيم الملائكة لقدس ربك في السماء، وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، اصطفى الله تعالى هذه البقعة وغرس محبتها في القلوب، استجابة لدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام حينما أسكن ذريته بتلك البقعة المباركة، ثم دعا ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأن يرزقهم من الثمرات، فسأل المولى سبحانه أن يجعل أفئدة من الناس، قال علماؤنا: وكلمة (مِنْ) هنا للتبعيض، أي كأن إبراهيم عليه السلام قال يا ربي أسألك وأتوجه إليك أن تجعل أفئدة الخلائق وقلوبهم محبة لبيتك مشتاقة له تهوي إليه وتحن لمرآه وإن تكررت زيارتها له، قال ابن عباس رضي الله عنه ولما أن قال سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿فَٱجۡعَلۡ أَفۡءِدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، قصر الله تعالى المحبة وتيسير الزيارة على المسلمين، ولو قال سيدنا إبراهيم عليه السلام رب اجعل أفئدة الناس جميعًا تهوي إليهم لحج بيت الله تعالى اليهود والنصارى والناس أجمعون، إذن فقد جعل المولى تبارك وتعالى هذا البيت ﴿مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنࣰا﴾ [البقرة: ١٢٥]، ورفع دعائمه وأعز قدره وفخم شأنه وأنزل عليه بركته، ﴿قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِیمَ حَنِیفࣰاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ۝٩٥ إِنَّ أَوَّلَ بَیۡتࣲ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِی بِبَكَّةَ مُبَارَكࣰا وَهُدࣰى لِّلۡعَٰلَمِینَ ۝٩٦ فِیهِ ءَایَٰتُۢ بَیِّنَٰتࣱ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِیمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنࣰاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَیۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَیۡهِ سَبِیلࣰاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [آل عمران: ٩٥-٩٧].

فتأملوا كم من نعمة ربطها الله تبارك وتعالى ببيته المعظم، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَیۡتࣲ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِی بِبَكَّةَ مُبَارَكࣰا﴾ [آل عمران: ٩٦]، فهاتان مزيتان، المزية الأولى هي الأولية أنه أول وأقدم بيت اصطفاه الله تبارك وتعالى لنفسه وخصه بذاته وأضافه إلى اسمه، فجعل اسمه بيت الله دون بقية المساجد في الأرض، وذلك لما أن البيت الحرام بيت الله باختيار الله أما بقية المساجد فهي بيوت الله باختيار خلق الله، فجعل الله تعالى بيته باختياره قبلة لبيوته التي اختارها خلقه إعلامًا لهم بأن اصطفاءه واجتباءه مقدم على ما يتخيرونه لأنفسهم، وإن كانت المقادير سبقت بأن الحق سبحانه لا يعبد إلا في بقعة طهرها واصطفاها إلا أن بقية بيوت الله بيوت لله جاءت بعد أن اختار الله تعالى أول بيت واصطفاه وعظمه وكرمه، وجعله قبلة لخلقه يصلون إليه ويشتاقون إليه، وجعله مثابة وأمنًا، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَیۡتࣲ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِی بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وروى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل النبي ﷺ عن أوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ قال: «الْمَسْجِدُ الْحَرامُ»، قالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى»، قُلْتُ: كَمْ كانَ بَيْنَهُما؟ قالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً» [صحيح البخاري]، فكأن المولى سبحانه اختار أحب بقاع الأرض إليه، اصطفى منها بقية المساجد وجعلها منقادة وتابعة لبيته الأول الذي اصطفاه سبحانه لنفسه، وناهيك بالبركة التي يخبر الله تعالى عنها هي بركة دينية حيث جعله الله تعالى موضع نظره ومهبط رحمته ومنزل ملائكته، وجعله مكانًا انبثقت منه أنوار الهداية الأولى حينما بعث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك المكان، فكان المكان سراجًا انبثقت منه أنوار الهداية وانتشرت في الدنيا بأكملها، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَیۡتࣲ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِی بِبَكَّةَ مُبَارَكࣰا وَهُدࣰى لِّلۡعَٰلَمِینَ ۝٩٦ فِیهِ ءَایَٰتُۢ بَیِّنَٰتࣱ﴾ [آل عمران: ٩٦-٩٧]، ومن تلك الآيات: ﴿مَّقَامُ إِبۡرَٰهِیمَۖ﴾ [آل عمران: ٩٧].

أمان الحرم طمأنينة للظاهر والباطن

ومن مظاهر هذا الاصطفاء وتلك البركة أن جعل الله للحرم أمانًا خاصًا، فمن خصائص البيت المعظم أن الله تعالى أفاض على البيت المعظم أمنه وصيانته وحفظه، وكلفك أيها المؤمن أن تحفظ لحجيج بيت الله أمنهم، ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فكيف بما هو أعظم من الجدال من المماحكة وسفك الدماء، كل ذلك حرام، وأنت مكلف بإمضاء شرع الله تعالى في تأمين حجيجه بأن تقي الناس شر نفسك، وأن تكف عنهم لسانك وأذاك، وهم مكلفون بأن يكفوا عنك أذاهم كذلك، ثم هناك الأمن الباطني الذي يفيضه الله تعالى على قلوب حجاج بيته وعماره حيث ينظر إلى قلوبهم ويفيض عليهم رحمته وسكينته وتتغشاهم الملائكة، ويرجعهم الله تعالى إلى ديارهم مغفورًا لهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.

الاستغفار عقب العبادة تواضع للنفس ووقاية من العُجب

ولكي يدوم هذا القبول ويبقى أثر العبادة في النفس، جاء التوجيه الرباني بالاستغفار عقب المناسك، فحين ييسر الله للعبد حج بيته، حريّ به أن يستحضر وهو يؤدي المناسك، ويطوف بالبيت الحرام ويسعى بين الصفا والمروة، ويرمي الجمرات ويتعامل مع حجاج بيت الله الحرام، أن يذكر دائمًا أنه لا يستطيع وإن اجتهد أن يرقى إلى أداء حق الله كما أمر وكما أراد، فقد قال العلماء: إن من رعونات النفس ومآسيها أن ترضى عن طاعاتها، إذ لا يبلغ العبد وإن اجتهد أن يؤدي أمر الله تعالى على وجهه الأكمل الذي يليق بكمال الله تعالى، ولقد جاء في الأحاديث والآثار أن الملائكة الكرام ملائكة الله تعالى وهم في السماء، منهم ملائكة سجود لا يرفعون أبدًا، ومنهم ملائكة قيام لا يجلسون أبدًا، ومنهم ملائكة ﴿یُسَبِّحُونَ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا یَفۡتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، حتى إذا ما كان يوم القيامة رفع السجود وانتصب الركوع وهم يقولون: «سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ» [المستدرك على الصحيحين للحاكم: ٨٧٣٩]، فقدرك أعلى ومقامك أعز وشأنك أفخم من أن أستطيع أن أبلغه بعبادتي، إنما العبادة مني أداء لحقك الذي أمرتني به قدر طاقتي، وقد قال تعالى: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَٰتࣱۚ فَمَن فَرَضَ فِیهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُوا۟ مِنۡ خَیۡرࣲ یَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَیۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ یَٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال: ﴿فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقال ﴿وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ ۝١٩٨ ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة: ١٩٨-١٩٩].

فما الحكمة من أن الله تعالى أمرك بالاستغفار بعد الإفاضة؟ والإفاضة قد تمت بها المناسك وتأدت بها المشاعر، فأنت بالإفاضة قد خرجت من عبادة عظمى أليس من الحكمة أن يأمرك بعد العبادة بالحمد، فلما أمرك بالاستغفار، فقد قالوا إشارة إلى أنك تستغفر الله تعالى لما لعله وقع منك من تقصير في أدائك للمناسك، فيكون استغفارك بعد الحج كسجدتي السهو بعد الصلاة التي سهوت فيها، وتقوم مقام استغفارك بعد الصلاة، وتقوم أيضًا مقامًا تقمع فيه النفس عن أن تعجب بما أدت من عبادة أو أن تقنع بما جاءت به من طاعة، حتى يرجع العبد إلى دياره مزودًا بعزيمة ماضية على أن يستصحب عبادة الله تعالى والخضوع له ما عاش، ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي كأنه سبحانه يقول لكم واعلموا أنكم بعد أن أديتم المناسك وقمتم بما عليكم فلن تبلغوا قدري ولن تستطيعوا أن توفوا العبادة حقها على ما يليق بجلالي وكمالي، نعم أنا راضٍ منكم بما أتيتم ومتقبلٌ لما فعلتم، لكن عودوا نفوسكم التواضع لرب العالمين، وكسروا من النفوس ما لعله أن يسري إليها من صلفٍ وتيهٍ وعجبٍ بما أدت من طاعة، واعلموا أنكم لا تزالون مدة حياتكم في خضوع وعبادة أبدًا، حتى إذا ما لقيت ربك وفاك أجرك وأعطاك ثوابك ومتعك بقربه، وانتقلت من دار التكليف إلى دار التشريف.

الخلاصة

إن أداء المناسك ليس مجرد أفعال حركية بل هو مدرسة متكاملة تكسر في النفس كبرياءها وتعلمها الخضوع المطلق لله تعالى، ويأتي الاستغفار ختامًا لهذه الرحلة ليذكرنا بقصورنا مهما اجتهدنا في الطاعة، لتبقى الروح في حالة من التواضع والانكسار لخالقها، وتستمر على عهد العبادة حتى تلقى ربها في دار التشريف.

موضوعات ذات صلة

الحج معراج قدسي يرتقي فيه المسلم من مادية الطين إلى رحابة اليقين.

تتساقط أثقال الدنيا في رحاب مكة، فتتخفف الروح من قيود المادة.

ما سر عظمة يوم عرفة ولماذا يُعد أفضل أيام السنة؟