Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإمام محمد بخيت المطيعي الحنفي: مفتي الديار وعلامة الأزهر المحقق

الكاتب

هيئة التحرير

الإمام محمد بخيت المطيعي الحنفي: مفتي الديار وعلامة الأزهر المحقق

في محرابِ الفكرِ الإسلاميِّ الشاهقِ، تتلألأُ أسماءُ رجالٍ لم يكونوا مجرَّدَ حُفّاظِ نصوصٍ، بل صُنّاعَ تاريخٍ ووجدانٍ علميٍّ؛ ومن شمسِ هؤلاء الأعلامِ يُشرِقُ اسمُ الإمامِ العلامةِ محمد بخيت المطيعي، الذي أقام مناراتِ الفقهِ والأصولِ، وصاغ بمدادِ ورعِه وذكائِه الوقّادِ عهدًا ذهبيًّا للفُتيا والقضاءِ الشرعيِّ في مصرَ والعالمِ الإسلاميِّ.

الإشراقة الأولى والبيئة التأسيسية

هو الشيخُ محمدُ بخيتِ بنُ حسينٍ المطيعيُّ شمسُ الدينِ المالكيُّ، علّامةُ العصرِ، المحقِّقُ، المفسِّرُ، الفقيهُ، الأصوليُّ، المتكلِّمُ، شيخُ علماءِ مصرَ وقضاةِ المحاكمِ الشرعيّةِ، ومفخرةُ علماءِ العصرِ، وصاحبُ التصانيفِ المتكاثرةِ، مفتي الديارِ المصريةِ، وهو المثلُ الأعلى للاطلاعِ الواسعِ والإفادةِ والفتيا.

وُلِدَ في العاشرِ من المحرّمِ عامَ ١٢٧١هـ، الموافقِ الثاني من أكتوبرَ عامَ ١٨٥٤م، ببلدةٍ كانت تُسمّى (القطيعة)، ولكنَّ الشيخَ المطيعيَّ غيَّر اسمَها إلى (المطيعة) فاشتهرت بهذا الاسم، وتتبعُ مركزَ أبو تيج بمحافظةِ أسيوطَ بصعيدِ مصرَ.

تعلَّم الشيخُ المطيعيُّ القراءةَ والكتابةَ وهو في الرابعةِ من عمرِه بكتَّابِ قريتِه، وحفظَ القرآن الكريم وجوَّده، ثم التحقَ بالأزهرِ الشريفِ عامَ( ١٢٨٢هـ / ١٨٦٥م)، ودرسَ المذهبَ المالكيَّ، فحفظَ (مختصرَ خليلٍ)، وهو مما اعتمد عليه المتأخرون في المذهبِ المالكيِّ، ويرجِّحُ البعضُ دراستَه للمذهبِ المالكيِّ في هذه المرحلةِ؛ لشهرةِ المذهبِ في قريتِه والصعيدِ عمومًا. كما درسَ المذهبَ الحنفيَّ؛ لأنَّه كان وسيلتَه للقضاءِ الذي كان يتمنّى الالتحاقَ به، كما درسَ مذاهبَ أخرى، وكانت له عنايةٌ تامّةٌ بالأصولِ والخلافِ وقواعدِ الفقهِ، حتى أصبحت له ملكةٌ قويةٌ في استنباطِ الأحكامِ الشرعيّةِ، لما يسرَ اللهُ له من معرفةٍ وتبحُّرٍ في الفقهِ وأصولِه والعلومِ العربيّةِ والعقليّةِ، وصار مبرّزًا في التفسيرِ، ويُذكرُ أنَّ الشيخَ المطيعيَّ كان من أكثرِ أهلِ جيلِه علمًا بالمذهبِ الحنفيِّ وتفاصيلِه ووجوهِ الخلافِ بين أصحابِ الشافعيِّ وأصحابِ أبي حنيفةَ، وقد شبَّ الشيخُ المطيعيُّ على الذكاءِ والعقلِ وحفظِ القرآنِ المجيدِ، ثم حفظَ متنَ الآجروميةِ في النحوِ، ومتنَ العشماويةِ في الفقهِ المالكيِّ، وحضرهما على الشيخِ محمدِ عنترَ الكبيرِ والدِ الشيخِ محمدِ عنترَ أحدِ علماءِ الأزهرِ.

التكوين المعرفي والتحول المذهبي الملهم

وقد تتلمذَ الشيخُ المطيعيُّ على يدِ كوكبةٍ من كبارِ علماءِ عصرِه، من مصرَ ومن خارجِها، ومن مشاهيرِ هؤلاء: الشيخُ جمالُ الدينِ الأفغانيُّ، ولقاؤُه ببديعِ الزمانِ النورسيِّ، فضلًا عن هذه الصفوةِ من علماءِ الأزهرِ الشريفِ، وقد وصفَ الشيخُ المطيعيُّ جمالَ الدينِ الأفغانيَّ بقوله: "أستاذُنا"، وذلك في محاضرةٍ ألقاها بالجامعةِ المصريةِ، ونشرتها جريدةُ الأهرامِ.

كما أنَّه اعتنى بالعلماءِ الوافدين لزيارةِ الأزهرِ من شتى الأقطارِ الإسلاميةِ، ومنهم الشيخُ أحمدُ ضياءُ الدينِ الكمشخانويُّ، صاحبُ (راموزِ الأحاديثِ وشرحه)، والمتوفَّى سنةَ (١٣١١هـ / ١٨٩٣م)، فأخذَ عنه إجازةً عامّةً بعد أن سمعَ منه.

ومن شيوخِه الذين ذكرهم المترجمون له، من الأزهرِ ومن خارجه: الشيخُ محمدُ عليش، والشيخُ عبدُ الرحمنِ الشربينيُّ، والشيخُ أحمدُ الرفاعيُّ، والشيخُ أحمدُ منةُ الله، والشيخُ إبراهيمُ السقّا، والشيخُ محمدُ الخضريُّ المصريُّ، والشيخُ حسنُ الطويلُ، والشيخُ محمدُ البسيونيُّ، والشيخُ أحمدُ بنُ مصطفى الكمشخانويُّ، والشيخُ محمدُ البهوتيُّ، والشيخُ عبدُ الرحمنِ البحراويُّ، والشيخُ محمدُ الفضالي الجرواتيُّ، والشيخُ الدايستانيُّ، والشيخُ عبدُ الغني الملوانيُّ، والشيخُ الدمنهوريُّ، والشيخُ المهدي العباسيُّ، وغيرُهم، وكان للشيخِ المطيعيِّ اختصاصٌ بشيخِه العلامةِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ البحراويِّ الحنفيِّ المذهبِ؛ فقد حضرَ له ستَّ سنينَ في كتابِ (الهدايةِ) من عيونِ المذهبِ الحنفيِّ، الأمرُ الذي ترتبَ عليه اختيارُه المذهبَ الحنفيَّ، مخالفًا ما كانت عليه عائلتُه من اختيارِ المذهبِ المالكيِّ مذهبًا لها. فضلًا عمّا سبقَ ذكرُه من ميلِه للعملِ في القضاءِ.

وكان الشيخُ المطيعيُّ في المراحلِ الأولى من تلقيه العلمَ لا يدَّخرُ جهدًا في السعيِ لتحصيلِ العلومِ، ولا يدَّخرُ وقتًا في ذلك، حتى قيل: إنَّه كان لا ينامُ إلا ليلتي الخميسِ والجمعةِ من الأسبوعِ، فهو يقرأُ أو يذاكرُ ليلًا ونهارًا غالبًا، ويُذكرُ أنَّه عانى من الفقرِ أيامَ كان طالبًا، لكنه جدَّ واجتهدَ، وكان ذا فكرٍ وقَّادٍ، وذهنٍ ثاقبٍ، وحفظٍ جيِّدٍ، فبرعَ في العلومِ معقولِها ومنقولِها، وتقدَّمَ على الأقرانِ، واشتهرَ ذكرُه، وطارَ صيتُه، ووقعَ عليه الإقبالُ.

الأثر الفكري لشيوخ المطيعي وعلاقاته العابرة للأقطار

وحينما اشترطت قوانينُ الأزهرِ أواخرَ القرنِ التاسعِ عشرِ على من يقومُ بالتدريسِ بالجامعِ الأزهرِ اجتيازَ امتحانِ الإذنِ بالتدريسِ، تقدَّمَ الشيخُ المطيعيُّ لذلك الامتحانِ واجتازَه بتفوّقٍ، ونالَ شهادةَ الإذنِ بالتدريسِ بالجامعِ الأزهرِ من الدرجةِ الأولى في عامِ( ١٢٩٤هـ / ١٨٧٧م)، وأُنعمَ عليه بكسوةِ التشريفِ مكافأةً له على نبوغِه وفضلِه.

تصدرَ الشيخُ المطيعيُّ للتدريسِ بالجامعِ الأزهرِ بعد حصولِه على شهادةِ الإذنِ بالتدريسِ بثلاثِ سنواتٍ، فدرَّس علومَ الفقهِ والتوحيدِ والمنطقِ في الأزهرِ، إلى أن انتقلَ إلى القضاءِ الشرعيِّ في سنةِ (١٢٩٧هـ / ١٨٨٠م)، حيثُ عُيِّن قاضيًا للقليوبيةِ، وفي العامِ التالي (١٢٩٨هـ / ١٨٨١م)، عُيِّن قاضيًا للمنيا، ثم قاضيًا لبورسعيد عام (١٣٠٠هـ / ١٨٨٣م)، ثم قاضيًا للسويس عام (١٣٠٢هـ / ١٨٨٥م)، ثم قاضيًا للفيوم عام (١٣٠٤هـ / ١٨٨٧م)، ثم قاضيًا لأسيوط سنة (١٣٠٩هـ / ١٨٩٢م)، وواصل الشيخُ المطيعيُّ ترقيَه في سلكِ القضاءِ الشرعيِّ حتى عُيِّن مفتشًا شرعيًّا بنظارةِ الحقانيَّةِ (وزارةِ العدلِ) سنةَ (١٣١٠هـ / ١٨٩٣م)، ثم عُيِّن قاضيًا لمدينةِ الإسكندريَّةِ ورئيسًا لمجلسِها الشرعيِّ عام (١٣١١هـ / ١٨٩٤م)، وفي سنةِ (١٣١٥هـ / ١٨٩٨م)، عُيِّن عضوًا أولَ بمحكمةِ مصرَ الشرعيَّةِ، ثم رئيسًا للمجلسِ العلميِّ بها، وفي هذه الأثناءِ نابَ عن قاضي مصرَ الشيخِ عبدِ الله جمالِ الدين ستةَ أشهرٍ لمرضِه، إلى أن عُيِّن بدلًا منه، حتى تركَ المنصبَ عام (١٣٢٣هـ / ١٩٠٥م)، ثم عُيِّن رئيسًا لمحكمةِ الإسكندريَّةِ الشرعيَّةِ عام (١٣٢٥هـ / ١٩٠٧م)، ثم نُقِلَ منها إلى إفتاءِ نظارةِ الحقانيَّةِ في أوائلِ سنةِ (١٣٣١هـ / ١٩١٢م)، كما أُحيلَ عليه قضاءُ مصرَ مرةً ثانيةً نيابةً عن القاضي نسيب أفندي، ثم أُحيلَ عليه مع إفتاءِ الحقانيَّةِ رئاسةُ التفتيشِ الشرعيِّ بها، وكان الشيخُ المطيعيُّ عضوًا في لجنةِ الدستورِ بالإسكندريَّةِ عامَ (١٣٤١هـ / ١٩٢٢م).

وقد ذُكر أنَّ سببَ إقالتِه من عملِه سنةَ (١٣٢٣هـ / ١٩٠٥م) أنَّه أصدر حكمًا في قضيةٍ تتعلّقُ بمحاسبةِ نُظّارِ الأوقافِ، وكان بعضُ هؤلاء النُّظّارِ يمتُّ إلى ذوي الأمرِ بأوثقِ الصلاتِ، فأبطأت وزارةُ الحقانيَّةِ في تنفيذِ الحكمِ، فكتبَ الشيخُ المطيعيُّ إلى بطرسِ غالي ناظرِ الحقانيَّةِ يُعلِمُه أنَّ السلطةَ التنفيذيَّةَ إذا لم تقم بتنفيذِ الحكمِ فإنَّه لن يصدرَ حكمًا في ما يُعرضُ عليه من قضايا، وسيدعو زملاءَه إلى التوقّفِ حتى يتمَّ التنفيذُ الفوريُّ.

ولم يتقبّلِ الشيخُ المطيعيُّ التدخلاتِ أو الشفاعاتِ في هذا الأمرِ، حتى إنَّه رفضَ رجاءَ الخديوي عباس في تنفيذِ ما يراه في صالحِ عمِّه الأمير حسين كامل، فقدم استقالتَه، وبقي خارجَ المنصبِ إلى (١٣٢٥هـ / ١٩٠٧م). وفي هذه الفترةِ رفض عرضًا من إحدى الشركاتِ الأجنبيةِ قيمتُه مائةً وخمسين ألفَ جنيهٍ، مقابلَ الوساطةِ لدى أحدِ القضاةِ لمصلحةٍ خاصةٍ بالشركةِ، معتبرًا ذلك رشوةً، فعَلِمَ اللورد كرومر بذلك، فأيقن أن أسبابَ عزله عن عملِه كانت ملفّقةً، فطلب من ولاةِ الأمرِ إعادته إلى عملِه، فعُيِّن رئيسًا لمحكمةِ الإسكندرية.

اعتلاء منصة القضاء

تولّى الشيخُ المطيعيُّ هذا المنصبَ العلميَّ الدينيَّ الرفيعَ عن جدارةٍ واستحقاقٍ، في ٤ من صفر ١٣٣٣هـ، الموافق ٢١ من ديسمبر ١٩١٤م، فمسيرتُه العلميّةُ والقضائيّةُ وترقّيه في سُلَّمِ الدرجاتِ الوظيفيّةِ كان مرجِّحًا ومرشِّحًا له ليشغلَ أرفعَ المناصبِ الدينيّةِ والعلميّةِ، خاصّةً بعد خلوِّ منصبِ المفتي بإحالةِ الشيخِ بكري عاشور الصدفي إلى المعاشِ.

وحين دعاه السلطانُ حسين كامل إلى مقابلتِه عقبَ تعيينِه قال له: "اعلموا أنكم تخاطبون بفتاواكم العامّة، فالتزموا فيها الصراحةَ حتى لا تكونَ محتملةً للتأويل، ولتكن لكم أسوةٌ حسنةٌ في المرحوم الشيخ المهدي، الذي لبث يخدم دينه أربعين عامًا، يفتي الناس في أمور دينهم، وقد ترك أثرًا صالحًا ومثالًا جليلًا من الفتاوى، لا يزال رجال الدين إلى اليوم يرجعون إليه في الوقوف على المعضلات الشرعيّة"، وقد ظلَّ الشيخُ المطيعيُّ في منصبِ الإفتاءِ حتى السادسَ عشرَ من شوال سنةَ ١٣٣٨هـ / ١٩٢٠م؛ لبلوغه سنَّ التقاعدِ، ويذكر كاتبُ مقالِ مجلةِ (الرسالة)، والزركلي، أنه بقي في الإفتاءِ إلى سنةِ (١٣٣٩هـ / ١٩٢١م)، وبعد تركِه الإفتاءَ قضى بقيةَ أيامِه في الإقراءِ والإفتاءِ حتى قبضَه اللهُ إلى رحمتِه، وقد أصدر في فترةِ شغلِه هذا المنصبِ (٢٠٢٨) فتوى، وكان لا يبخلُ على أحدٍ بفُتيا، حتى إذا كان بعيدًا عنه، وكانت شهرتُه قد تجاوزت مصرَ إلى العالمِ الإسلاميِّ كلِّه، فكانت تردُ إليه الاستفتاءاتُ تترى في مختلفِ المسائلِ، ومنها مسائلُ تحتاج إلى مراجعاتٍ كثيرةٍ مضنيةٍ، فكان لا يضنُّ بنفسِه عن القيامِ بها، فيحرِّرُها ويرسلُها للمستفتين، ومما انفردَ به أنَّه استخدم كتّابًا لنقلِ فتاواه، وتولّى إرسالَها إلى طلابِها في مختلفِ الأقطارِ، متحمّلًا مكافآتهم شهريًّا وأجرَ ما يرسله بالبريدِ من الكتبِ والرسائلِ.

وكان جزءٌ كبيرٌ من مجهودِ الشيخِ وعلمِه موجَّهًا إلى الدفاعِ عن الإسلامِ والمسلمين، ودحضِ مفترياتِ خصومِه، ومن ذلك ما قام به من تفنيدٍ مفصّلٍ لافتراءاتِ الفيلسوفِ الفرنسيِّ رينان ضدَّ الإسلامِ، من خلالِ محاضرةٍ كبرى ألقاها بالجامعةِ المصريةِ، يوم السبت ٢١ شعبان ١٣٤١هـ / ٧ أبريل ١٩٢٣م، ونشرتها جريدةُ الأهرامِ في أعدادٍ متتاليةٍ، وقد ذكرتِ الجريدةُ أنَّ قاعةَ الجامعةِ لم تتّسع للحاضرين؛ حيث كان الجمعُ كبيرًا، فتم النزولُ إلى فناءِ الجامعةِ، واستخدم كلُّ ما في الجامعةِ من مقاعدَ وكراسي، وقد حضرتِ المحاضرةُ جماعةٌ من كرامِ العقيلاتِ المصرياتِ، حيث جلسن في مكانٍ خاصٍّ يستمعن منه، وقد استمرّت المحاضرةُ ساعتين، والناسُ جالسون في العراء، ومع ذلك وُصِفت بأنَّها (شيّقةٌ ورائعةٌ).

وكان الشيخُ المطيعيُّ ينشرُ علمَه وفتاويه في جميعِ الوسائلِ التي يعرفُها الناسُ، ومن ذلك الصحافةُ، ولما كان بهذه المكانةِ الرفيعةِ والعلمِ الغزيرِ كان موضعَ اهتمامِ كافةِ الوسائلِ.

ومما رُصِدَ للشيخِ المطيعيِّ من نشاطٍ علميٍّ ودينيٍّ في الصحفِ رأيُه في ترجمةِ القرآنِ الكريمِ إلى اللغاتِ الأجنبيّةِ؛ فعندما سُئل عن حكمِ ذلك قال: "الترجمةُ قسمانِ: ترجمةٌ تُبدِّل ألفاظَ القرآنِ الكريمِ بألفاظٍ أخرى، ولو عربيةً، فضلًا عن غيرِ العربيّةِ، وهذه ممنوعةٌ بإجماعِ الأئمةِ؛ لأنَّ القرآنَ الكريمَ بألفاظِه المنزَّلةِ نزل للإعجازِ وللتعبّدِ بتلاوتِه، ولمعانٍ أخرى لا يمكنُ أن تُؤدَّى بغيرِ ألفاظِه التي نزل بها، والقسمُ الثاني: ترجمةٌ تفسيريّةٌ؛ وذلك بأن تُكتبَ ألفاظُ القرآنِ العربيّةُ المنزَّلةُ، ونبيَّن تفسيرُ معناها بألفاظٍ أخرى، عربيةً كانت أو غيرَ عربيةٍ، فهو جائزٌ".

عضويته بهيئة كبار العلماء

كان الشيخُ محمدُ بخيتِ المطيعيِّ من العلماءِ الذين وصلَ علمُهم وعمَّ فضلُهم الآفاقَ، وكان من المُبرَّزين المشهورين من العلماءِ، ومن ثمَّ كان من الطبيعيِّ اختيارُه في التشكيلِ الأولِ لهيئةِ كبارِ العلماءِ بالأزهرِ الشريفِ، فكان ضمن قائمةِ المؤسِّسين التي صدرت بالإرادةِ السنيّةِ رقم (٩) في ٦ من ذي القعدة ١٣٢٩هـ / ٢٨ أكتوبر ١٩١١م.

وقد أُسندت إليه لجنةُ كبارِ العلماءِ تدريسَ الفقهِ الحنفيِّ مع أصحابِ الفضيلةِ الشيخِ محمدِ بخاتي، والشيخِ أحمدَ الدلبشاني.

عبقرية المنهج، وتدبير الفتيا، والذود عن حياض الإسلام

المناصبُ الكثيرةُ التي تولاها الشيخُ لم تشغله عن اشتغالِه بالعلمِ والتدريسِ، فلم ينقطعْ طيلةَ حياتِه، رغمَ مشاغلِه وتقدُّمِ سنِّه، عن التدريسِ، فكان يدرِّسُ المطوَّلاتِ في التفسير،ِ والحديثِ، والفقهِ، والأصولِ، والتوحيدِ، وقد عُرف بالزعامةِ في علمِ الأصولِ والفقهِ الحنفيِّ، فكان يرجعُ إليه أجِلَّةُ العلماءِ فيما يُشكِلُ من المسائلِ، ويجدون لديه لكلِّ مشكلةٍ حلًّا، كأنَّها مرَّت به من قبلُ، فعالجها وانتهى إلى ما يحسنُ السكوتُ عليه من أمرِها. وكان درسُه في التفسيرِ غايةً في النفاسةِ، فيتكلَّمُ على الآيةِ من الإعرابِ والبلاغةِ وأسبابِ النزولِ والأحكامِ الشرعيّةِ، فيُبهِرُ العقولَ، ويأتي بفرائدِ المعقولِ والمنقولِ، وكان لا يمرُّ بمصرَعالمٌ إلا أتاه وجلس معه واستفاد منه، ومنهم: الإمامُ المحدِّثُ سيدي محمد بن جعفر الكتاني، وشيخُ الجماعةِ الوليُّ المشهورُ مولاي محمد بن الصديق الغماري، وعلامةُ زمانِه المحدثُ المكيُّ عزوزالتونسي، والمفتي الحبيب حسين بن محمد الحبشي، والشيخ العلامة كامل الهبراوي الحلبي، والمفتي الطاهر بن عاشور التونسي، ومسندُ عصرِه السيد عبد الحي الكتاني، وغيرُهم.

وكان مجلسُه يعلوه الوقارُ والسكينةُ، وحولَه العلماءُ والطلابُ يسألونه ويستجيزونه، فيُجيزُهم. وقد تُرجم له في كثيرٍ من المصنَّفاتِ، وتخرَّج عليه كثيرٌ من الجهابذةِ، ومنهم: الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، والشيخ محمد مأمون الشناوي، والشيخ محمد مصطفى المراغي، والشيخ محمود شلتوت، وقد شغلوا جميعًا منصبَ شيخِ الأزهرِ. وممن شغل منصبَ الإفتاءِ: الشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ علام نصار، والشيخ محمد حسنين مخلوف، وأمّا من شغل وظائفَ القضاءِ بدرجاتِه فيضيقُ المقامُ عن حصرِهم. ويُذكرُ أنَّ كثيرًا من أقرانِه حضروا عليه لعلوِّ كعبِه، وسلامةِ صدرِه، وغزارةِ علمِه.

ومن مزاياه أنَّه في أيِّ بلدٍ حلَّ به لم ينقطعْ عن تدريسِ العلومِ الشرعيّةِ والنقليةِ والعقليّةِ وغيرِها لطلبةِ العلمِ الشريفِ، وهو خاتمُ طبقةٍ من العلماءِ المحقِّقين الذين تميّزوا في حياةِ الأزهرِ بالتبسّطِ في العقائدِ والتعمّقِ في الفقهِ، فانتهت إليه الأمانةُ فيهما حينًا من الدهرِ.

الإرث المُصَّنف والمدرسة الأثرية

تنوَّعت مؤلَّفاتُ الشيخِ المطيعيِّ في فنونِ العلمِ، فكتبَ في علمِ التوحيدِ أو العقيدةِ، وعلومِ القرآنِ الكريمِ، وعلومِ الحديثِ، وأصولِ الفقهِ، فضلًا عن المحاضراتِ والبحوثِ والمقالاتِ، ومن مؤلَّفاتِه ما يلي:

١- حاشية على شرح الدردير على الخريدة البهيَّة.

٢- إرشادُ الأمةِ إلى أحكامِ أهلِ الذِّمَّةِ، فرغَ من تأليفِها سنةَ (١٣١٧هـ / ١٨٩٩م).

٣ - حُسْنُ البَيَانِ فِي دَفْعِ مَا وَرَدَ مِن الشُّبَهِ على القرآن.

٤- القول الجامع في الطلاق البِدْعِيُّ والمتتابع.

٥- إزاحة الوَهْمِ وإزالة الاشتباهِ عن رسالتي الفوتوغراف والسوكرتاه.

٦- الكلمات الحِسان في الحروف السبعة وجمع القرآن .

٧- القول المفيد على وسيلة العبيد في علم التجويد.

٨ ـ أحسن القرى في صلاة الجمعة في القرى.

٩ ـ الأجوبة المِصريَّة على الأسئلة التونسيَّة، أجاب فيها عن أسئلة وردت إِليهِ مِنَ الشَّيخِ العَرُوسِيِّ السُّهَيْلِيِّ الشريف المتطوع بالجامع الأعظم بتونس.

١٠- حل الرمز عن معنى اللغز.

١١- إرشادُ أهل الملة إلى إثبات الأهلة، فرغ من تأليفه سنة ١٣٢٩هـ/١٩١١م.

١٢- إِرشادُ العِبَادِ إلى الوَقْفِ على الأولاد.

١٣- الكلمات الطيبات في المأثور عن الإسراء والمعراج.

١٤- إرشادُ القارئ والسامع إلى أنَّ الطلاق إذا لم يضَف إلى المرأة غير واقع.

١٥- أحسن الكلام فيما يتعلق بالسُّنة والبِدعة من الأحكام.

١٦ ـ متناول سبيل الله في مصارف الزكاة، فرغَ من تأليفه سنة (١٣٤٨هـ/ ١٩٢٩م).

١٧ - الجوابُ الشَّافي في إباحة التصويرالفوتوغرافي.

١٨ - الدَّرارِي البَهيَّة في جواز الصلاة على خير البريَّة.

١٩ ـ رفع الإغلاق عن مشروع الزواج والطلاق، فرغَ من تأليفه سنة ١٣٤٥هـ/ ١٩٢٦م.

٢٠ ـ  محاضرة في نظام الوقف.

٢١- المرهفات اليَمانيَّة في عنق من قال ببطلان الوقف على الذريَّة.

٢٢ ـ تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد، هو كالمقدمة على كتاب شِفَاء السقام لتقي الدين السبكي.

٢٣ - حقيقة الإسلام وأصول الحكم.

٢٤ - تنبيه العقول الإنسانيَّة لما في آيات القرآن من العلوم الكونيَّة والعمرانيَّة.

٢٥ - سُلَّم الوصول لشرح نهاية السول، طبع مع نهاية السول في أربعة مجلدات.

٢٦ - حجة الله على خليقته في بيان حقيقة القرآن وحكم كتابته وترجمته.

٢٧ - توفيق الرحمن للتوفيق بين ما قاله علماء الهيئة وما وجد في الأحاديث الصحيحة وآيات القرآن.

٢٨- فتاواه الفقهيَّة.

وقال الفاداني: له ثبْتٌ يروي فيه عن سبعين شيخًا.

ومن آثاره - أيضًا - مكتبته التي ضَمَّت الكثير من نوادر المخطوطات والمطبوعات، والتي وقفها بعد وفاته على الجامع الأزهر.

الريادة الاجتماعية والتكافل في سيرة الإمام

كان الشيخُ المطيعيُّ من العلماءِ المشهودِ لهم بحسنِ العلاقةِ مع شيوخِه وأقرانِه وتلاميذِه، فكان حسنَ العِشرةِ، حسنَ الخُلُقِ، ذاكرًا لمحامدِ الناسِ وحسنِ أعمالِهم، بعيدًا عن الإساءةِ لأحدٍ منهم، وهنالك مواقفُ كثيرةٌ تُجلّي تلك الصفاتِ عنده، ومنها ما حكاه عنه تلميذُه الشيخُ ابنُ باديس، إذ قال: "لما رجعتُ من المدينةِ المنورةِ ــ على ساكنِها وآلِه الصلاةُ والسلامُ ــ سنةَ (١٣٣٢هـ / ١٩١٣م)، جئتُ من عندِ شيخِنا العلامةِ الشيخِ حمدانَ الونيسيِّ، المهاجرِ إلى طيبةَ والمدفونِ بها ــ رحمه الله ــ جئتُ من عندِه بكتابٍ إلى الشيخِ بخيت، وكان قد عرفه بالإسكندريةِ لَمَّا مرَّ بها مهاجرًا، فعرَّجتُ على القاهرةِ، وزرتُ الشيخَ بخيت بدارِه بحلوانَ مع صديقي الأستاذِ إسماعيل جعفر، المدرسِ اليومَ بالأزهرِ، فلما قدَّمتُ له كتابَ شيخِنا حمدانَ قال لي: (ذاك رجلٌ عظيمٌ)، وكتب لي إجازةً في دفترِ إجازاتي بخطِّ يدِه ــ رحمه الله ــ وجزاه عنا وعن العلمِ والدينِ خيرَ ما يجزي العاملينَ الناصحين".

كما كان الشيخُ المطيعيُّ موصوفًا بالتقوى والورعِ والصلاحِ، ومساعدةِ الفقراءِ، والأخذِ بيدِ البؤساءِ، كريمَ الطباعِ، دمثَ الأخلاقِ، على جانبٍ عظيمٍ من الكفاءةِ العلميّةِ والدينيّةِ والأدبيّةِ.

وقد كان الشيخُ المطيعيُّ صاحبَ دورٍ بارزٍ ومؤثرٍ في قضايا عصرِه الاجتماعيّةِ والدينيّةِ والسياسيّةِ وغيرها من القضايا، ومنها على سبيلِ المثالِ:

  • التكافل الاجتماعي.
  • رأيه في الشيوعية.
  • محاربة التبشير.
  • محاربة البغاء الرسمي.

وفي إطارِ اهتمامِه بهذه القضايا وغيرها، كان إخلاصُه في خدمةِ الناسِ أمرًا يعلمه الجميعُ، ومن ذلك ما يرويه شاهدُ عيانٍ على واقعةٍ كان صاحبُها شابًّا ليس له عملٌ، وقد حضر افتتاحَ الخديوي عباس مسجدَ سيدي بشرٍ بالإسكندريّةِ، وكان قد دخل المسجدَ بصعوبةٍ بصحبةِ صحفيٍّ، ولما علم الأمنُ أنَّ معه عريضةً أو طلبًا يريد تسليمَه للخديوي أخذوها منه، وفي المسجدِ صاح الشابُّ طالبًا من الخديوي أخذَ العريضةِ من الأمنِ والنظرَ فيها، فتسلَّمها، وكان الشيخُ المطيعيُّ حاضرًا الافتتاحَ، فما زال بالخديوي حتى تمَّ تعيينُ الشابِّ في وزارةِ الداخليّةِ، وظلَّ هذا الشابُّ دائمًا يذكرُ فضلَ الشيخِ المطيعيِّ عليه.

ومن صورِ نشاطِه الاجتماعيِّ والعلميِّ مشاركتُه المؤسساتِ التعليميّةَ في التوعيةِ والإرشادِ، خاصّةً في مجالاتِ تخصصِه ووظيفتِه، ومن ذلك استجابتُه لدعوةِ مدرسةِ الحقوقِ السلطانيّةِ بالجيزةِ سنةَ ١٣٣٧هـ / ١٩١٨م، للحضورِ وإلقاءِ خطبةٍ أو محاضرةٍ عن القضاءِ وتطورِه في مصرَ، فلبّى الشيخُ المطيعيُّ ذلك، وخطبَ خطبةً جامعةً في قاعةِ الخطابةِ الكبرى بالمدرسةِ، لمدةٍ تزيدُ على ساعةٍ، وذلك عن القضاءِ في مصرَ قبلَ محمد علي وبعدَه، إلى وقتِ الشيخِ المطيعيِّ، وما بذلتْه الحكومةُ لإصلاحِ المحاكمِ الشرعيّةِ، وما يُؤمَلُ فيها من مواصلةِ ذاتِ الإصلاحِ إلى أن تصبحَ هذه المحاكمُ في مصافِّ أرقى المحاكمِ.

المشهد الختامي لرحلة العطاء ومراسم التأبين المهيبة

وبعدَ هذه الرحلةِ العلميّةِ الطويلةِ من العطاءِ والبذلِ، تُوفّي الشيخُ محمدُ بخيتِ المطيعيُّ في ٢٠ من رجب ١٣٥٤هـ، الموافق ١٨ أكتوبر ١٩٣٥م، وشُيِّعت جنازتُه في اليومِ التالي، ٢١ رجب، وكانت وفاتُه بالقاهرةِ، وصَلَّى عليه بالجامعِ الأزهرِ الشيخُ المراغيُّ، شيخُ الأزهرِ، وكبارُ العلماءِ والطلابِ وغيرُهم، وكانت جنازتُه مهيبةً، ودُفن في مقابرِ المجاورين، ثم نُقل إلى مسجدِ عيدان بحلميّةِ الزيتونِ.

وفي مساءِ يومِ الجمعةِ ١٩ من ذي الحجة ١٣٥٤هـ / ١٣ مارس ١٩٣٦م، أُقيم احتفالٌ لتأبينِ الشيخِ المطيعيِّ في دارِ المركزِ العامِّ للشبانِ المسلمين بالقاهرةِ، وقد حضره عددٌ كبيرٌ من العلماءِ والكبراءِ، وفي مقدمتِهم الشيخُ محمدُ مصطفى المراغي، ومحمودُ صدقي باشا، والشيخُ إبراهيم حمروش، والشيخُ محمد الفحام، وغيرُهم.

المراجع

  1. [عبد المنعم خفاجي، الأزهر في ألف عام، ج٣، ص٩٧].
  2. [د. زوات عرفان، المغربي، كتاب هيئة كبار العلماء، ص٤٤٤].
  3. [د. أسامة الأزهري، جمهرة أعلام الأزهر الشريف، ص١٤٧].
  4. [موقع هيئة كبار العلماء، سير أعلام هيئة كبار العلماء القدامى].

الخلاصة

إن سيرة الإمامِ محمدِ بخيتِ المطيعيِّ ليست مجرَّدَ سردٍ لتاريخٍ مضى؛ بل هي وثيقةٌ حيَّةٌ تُثبتُ كيف يصنع العالمُ المتبحِّرُ شخصيَّةَ الأمةِ، ويديرُأزمَاتِها بفقهٍ وازنٍ وفكرٍ مستنيرٍ. لقد رحلَ المطيعيُّ عن دنيانا تاركًا خلفَه ثروةً من الفتاوى والمصنَّفاتِ، ومدرسةً فكريَّةً وقضائيَّةً ستظلُّ تُلهِمُ الأجيالَ المتعاقبةَ من طلابِ الشريعةِ وحُرَّاسِ الوعيِ.

موضوعات ذات صلة

المراغي رائد تجديدٍ أصلح الأزهر والقوانين وترك إرثًا فكريًّا مؤثرًا.

شلتوت شيخ الأزهر ولد بالبحيرة ونال العالمية وأصلح الفقه حتى وفاته.

الشعراوي علم التفسير واجه الشبهات وترك خواطر قرآنية وإرثًا دعويًّا حيًّا.

 تولى الشيخ عبد الحليم محمود وزارة الأوقاف والأزهر ونشر الدعوة.