يهتم الصوفية
بمسألة الإسناد في الطريق، فما هو معنى السند، وما أهمية الانتساب لسند من
الإسناد، ومن هم رجال الإسناد في الطرق الصوفية؟
السند: هو سلسلة
الرواة الذين نقلوا النص (المتن) عن مصدره الأول، وسمى هذا الطريق سندًا، والسند
في التصوف الإسلامي هو سلسلة الشيوخ وصولًا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأساس السند والسلوك هو الصحبة والمتابعة والاقتداء، وهو يماثل السند في العلوم
الشرعية، وخاصة علوم الحديث.
فالسند فيه بركة
وخير كثير؛ لأنه حلقات اتصلت وارتبط بعضها ببعض حتى يصلوا بذلك إلى النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، فيمتد ويسري بها النور من نوره صلى الله عليه وآله وسلم، من حلقة
إلى حلقة، ومن جيل إلى جيل. فصاحب السند قوي بسنده لا ينفرد فيه بقول من نفسه؛ بل يروي وينقل عن مشايخه
الذى نقلوه عن مشايخهم، ومشايخهم عمن فوقهم، وهكذا في سلسلة متصلة يشد بعضها بعضًا
من أعلاها إلى أدناها جيلًا عن جيل، وهذا يعني أن حامل السند وراءه تاريخ طويل
مشرف من النحت في صخور العلم والعبادة.
أهمية السند
ومكانته:
الأصل عند
الصوفية في تحقيق سلسلة السند وأخذ العهد على المريد هو التلقينُ والتلقي على يد
الشيخ، وأخذ العهد عليه، وإن البيعة للمربي المرشد سنة حسنة، ودليلها في الشرع:
أ. تمت البيعة في زمن
النبي صلى الله عليه وسلم في أمور شتى، وتخصيصها في أحد أفرادها لا يضر؛ لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ
یُبَایِعُونَكَ إِنَّمَا یُبَایِعُونَ ٱللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
ب.
وَعَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «هَلْ
فِيكُمْ غَرِيبٌ؟» يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ. فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ
اللَّهِ، فَأَمَرَ بِغَلْقِ الْبَابِ، وَقَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ،
وَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا سَاعَةً،
ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ..." [أخرجه أحمد في مسنده:
١٧١٢١، قال الهيثمي: "وفيه راشد بن داود، وقد وثقه غير واحد، وفيه ضعف، وبقية
رجاله ثقات [مجمع الزوائد: ١٠/ ٨١].
فأفاد هذا
الحديث ضمن ما فيه من فوائد التلقين بالذكر، والاجتماع عليه، ولهذا قال الإمام الجنيد رضى الله عنه
(ت ٢٩٧ هـ): "سبق في علم الله القديم ألا يدخل أحد حضرته إلا على يد عبد من
عباده" [أحمد بن الصديق الغماري: (البرهان الجلي: ص ٣].
ت.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ
انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [أخرجه مسلم: ١٣٧٠، وفي البخاري نحوه في مواضع أقربها
لفظًا (ح ٧٣٠٠)].
ووجه القياس: أن
من لم يعرف آباءه وأجداده في الطريق فهو أعمى، وربما انتسب إلى غير أبيه، والروح
ألصق بك من حقيقتك، فأبو الروح يليك، وأبو الجسم بعده، فكان بذلك أحق بأن تنتسب
إليه، وقد اندرج السلف الصالح على تعليم المريدين آداب آبائهم [الشعراني،
"مدارج السالكين إلى رسوم طريق العارفين" مخطوطة، (ق٢و)].