Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السند في الطرق الصوفية

الكاتب

أ.د/ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

السند في الطرق الصوفية

يمثل السند في التصوف الإسلامي الشريان النابض الذي يربط قلوب السالكين بمشكاة النبوة عبر سلسلة متصلة من الصحبة والاقتداء والوراثة الروحية، فهو ليس مجرد سرد تاريخي للأسماء، بل صمام أمان يحفظ الطريق من الابتداع، ويؤكد أصالة المنهج النقلي الممتد جيلًا بعد جيل.

مفهوم السند في التصوف وأهميته وأدلته الشرعية

يهتم الصوفية بمسألة الإسناد في الطريق، فما هو معنى السند، وما أهمية الانتساب لسند من الإسناد، ومن هم رجال الإسناد في الطرق الصوفية؟

السند: هو سلسلة الرواة الذين نقلوا النص (المتن) عن مصدره الأول، وسمى هذا الطريق سندًا، والسند في التصوف الإسلامي هو سلسلة الشيوخ وصولًا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأساس السند والسلوك هو الصحبة والمتابعة والاقتداء، وهو يماثل السند في العلوم الشرعية، وخاصة علوم الحديث.

فالسند فيه بركة وخير كثير؛ لأنه حلقات اتصلت وارتبط بعضها ببعض حتى يصلوا بذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيمتد ويسري بها النور من نوره صلى الله عليه وآله وسلم، من حلقة إلى حلقة، ومن جيل إلى جيل. فصاحب السند قوي بسنده لا ينفرد فيه بقول من نفسه؛ بل يروي وينقل عن مشايخه الذى نقلوه عن مشايخهم، ومشايخهم عمن فوقهم، وهكذا في سلسلة متصلة يشد بعضها بعضًا من أعلاها إلى أدناها جيلًا عن جيل، وهذا يعني أن حامل السند وراءه تاريخ طويل مشرف من النحت في صخور العلم والعبادة.

أهمية السند ومكانته:

الأصل عند الصوفية في تحقيق سلسلة السند وأخذ العهد على المريد هو التلقينُ والتلقي على يد الشيخ، وأخذ العهد عليه، وإن البيعة للمربي المرشد سنة حسنة، ودليلها في الشرع:

أ‌. تمت البيعة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في أمور شتى، وتخصيصها في أحد أفرادها لا يضر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُبَایِعُونَكَ إِنَّمَا یُبَایِعُونَ ٱللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].

ب‌. وَعَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «هَلْ فِيكُمْ غَرِيبٌ؟» يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ. فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِغَلْقِ الْبَابِ، وَقَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، وَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا سَاعَةً، ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ..." [أخرجه أحمد في مسنده: ١٧١٢١، قال الهيثمي: "وفيه راشد بن داود، وقد وثقه غير واحد، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات [مجمع الزوائد: ١٠/ ٨١].

فأفاد هذا الحديث ضمن ما فيه من فوائد التلقين بالذكر، والاجتماع عليه، ولهذا قال الإمام الجنيد رضى الله عنه (ت ٢٩٧ هـ): "سبق في علم الله القديم ألا يدخل أحد حضرته إلا على يد عبد من عباده" [أحمد بن الصديق الغماري: (البرهان الجلي: ص ٣].

ت‌. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [أخرجه مسلم: ١٣٧٠، وفي البخاري نحوه في مواضع أقربها لفظًا (ح ٧٣٠٠)].

ووجه القياس: أن من لم يعرف آباءه وأجداده في الطريق فهو أعمى، وربما انتسب إلى غير أبيه، والروح ألصق بك من حقيقتك، فأبو الروح يليك، وأبو الجسم بعده، فكان بذلك أحق بأن تنتسب إليه، وقد اندرج السلف الصالح على تعليم المريدين آداب آبائهم [الشعراني، "مدارج السالكين إلى رسوم طريق العارفين" مخطوطة، (ق٢و)].

الدلالة المنهجية والجذور التاريخية لسلاسل الطرق الصوفية

وطريق السادة الشاذلية مبنية على الصحبة والاقتداء، لا على الخرقة والتلقين فقط، ومن ثم لا تقتصر أهمية السلسلة على دلالتها التاريخية على النشأة والتطور التاريخي من خلال تتبع رجال السلسلة ودورهم في تاريخ الطريقة.

ولكن تشير السلسلة أيضا إلى منابع أصول الطريقة، وواضعي منهجها، ومقرري نظرياتها الصوفية.

ولا شك أنه منذ أسس علماء الإسلام المنهج النقلي؛ ضبطوه ضبطا غاية في الإتقان من أجل الاطمئنان إلى صحة النص الشرعي المنقول، سواء في القرآن الكريم، والذي نُقِلَ إلينا من خلال أسانيد القراءات، أو في السنة النبوية الشريفة والتي نُقِلَتْ إلينا من خلال أسانيد الأحاديث، أو في الفقه والذي ينقل إلينا عبر أسانيد المذاهب، وهكذا في سائر العلوم.

وهنا تأتي الدلالة المهمة في مسألة سلاسل الطرق، والتي حرصت عليها عامة الطرق الصوفية، وهى أنهم يريدون أن يعطونا إشارة إلى أن الطريق نَقْلٌ واتِّبَاعٌ واقتداء، وليس هو بأمر عقلي، ولا مُخْتَرَع.

وربما نجد أيضًا جذور هذا التقليد مبكرا قبل نشأة الطرق الصوفية بمعناها الحرفي؛ في ذكر شيوخ الطريق الصوفي الذين عليهم المعول عند الكلاباذي (ت ٣٨٠هـ)، والذى قدم سردًا، بدون تراجم، لأسماء رجال الصُّوفِيَّةِ مِمَّن نطق بعلومهم وعبر عَن مواجيدهم ونشر مقاماتهم وَوصف أحوالهم قولًا وفعلًا بعد الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم، ثم ذكر أسماء مَن نشر عُلُوم الإِشَارَة كتبًا ورسائل، وختم ذكرهم بقوله: "وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَعْلَامُ الْمَذْكُورُونَ الْمَشْهُورُونَ الْمَشْهُود لَهُم بِالْفَضْلِ الَّذين جمعُوا عُلُوم الْمَوَارِيثِ إِلَى عُلُوم الِاكْتِسَاب، سمعُوا الحَدِيث وجمعوا الْفِقْه وَالْكَلَام واللغة وَعلم الْقُرْآن، وتشهد بذلك كتبهم ومصنفاتهم، وَلم نَذْكُر الْمُتَأَخِّرين وَأهل الْعَصْر وَإِن لم يَكُونُوا بِدُونِ مَنْ ذَكَرْنَا علمًا؛ لِأَن الشُّهُود يُغني عَن الْخَبَر عَنْهُم" [التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي: ص ٢٧ - ٣٣].

ونرى التقليدَ نفسه عند الإمام القشيري (ت ٤٦٥هـ) في رسالته [انظر د. إبراهيم بسيوني، الإمام القشيري: سيرته، آثاره، مذهبه في التصوف]، إلا أنه لم يكتف بسرد الأسماء، بل وضع تراجم مختصرة لمن ذكرهم، حيث عقد الباب الثالث في ذكر مشايخ هَذِه الطريقة وَمَا يدل من سيرهم وأقوالهم عَلَى تعظيم الشريعة [الرسالة القشيرية: ١ / ٣٤ – ١٤٩، وإحكام الدلالة لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري: ١ / ٧٤ - ٢٤٣]، ثم ترجم لأكثر من ثمانين شيخا من شيوخ التصوف، من شتى المشارب الصوفية، ولا يمثلون مدرسة ما أو مذهبا صوفيا بعينه، يقول: "كَانَ الغرض من ذكرهم في هَذَا الموضع التنبيه عَلَى أنهم مجمعون عَلَى تعظيم الشريعة، متصفون بسلوك طرق الرياضة، مقيمون عَلَى متابعة السنة، غَيْر مخلين بِشَيْء من آداب الديانة".

ولو تتبعنا ما ورد عَنْهُم من ألفاظهم وحكاياتهم ووصف سيرهم، مِمَّا يدل عَلَى أحوالهم لطال بِهِ الكتاب" [الرسالة القشيري: ١ / ١٢٧، وللمزيد عن السلسلة عند الصوفية، راجع: الشعراني، مدارج السالكين إلى رسوم طريق العارفين، (ق٢و - ق٥و)، و"فصول في التصوف" أ.د حسن الشافعي: ص ٦٥، ١٧٦ - ١٧٧].

خصائص السلسلة الشاذلية ومسألة خفاء تراجم بعض رجالها

وقضية "شيوخ الطريق" ستأخذ نحوا أكثر تحديدًا كلما مضت الطرق الصوفية في التبلور والتميز بخصائص سلوكية وتجليات ربانية تجعل من كل طريق مدرسة بذاتها، ومن ثم لها سلسلتها الخاصة بها.

والانتساب إلى السادة الشاذلية وغيرهم من الصوفية إنما يحصل بالتلقين عن شيخ، تلقن عن شيخه بالإذن والسند الصحيح، وهكذا إلى إمام الطريقة ومنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبِسِرِّ هذا التلقين يحصل ارتباط القلوب بعضها ببعض إلى باب الله الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم [العيسوي، "نعيم الجنان": ص ١٠٢، ولكيفية أخذ العهد عند الشاذلية، انظر: ص ١٠٧ - ١٠٨]، وتسري البركة الموروثة جيلا بعد جيل، وطبقة بعد طبقة.

ويؤكد أحد علماء الشاذلية المتأخرين على أهمية السلسلة عندهم بقوله: "وجب علينا أن نذكر سندنا ونبين نسبتنا في هذه الطريق الدرقاوية التي هي لب الطرق الاتصالية الجامعة بين الجيلانية والشاذلية المؤسسة على الكتاب والسنة ... وإن في اتصال سببنا بسببهم ونسبتنا بنسبتهم استمطارا للرحمات الإلهية وتحريكا للسلسلة النبوية؛ مع أن الإسناد من الدين في كل وقت..." [البرهان الجلي لأحمد بن الصديق الغماري: ص ٣-٤].

ومن الملاحظات المهمة عند الكلام على سلاسل الطريقة الشاذلية هو خفاء تراجم بعض رجالها على الباحثين، وهو لا يوجب شيئًا في هذا السند، ولا يكسبه ضعفًا ولا علة؛ لما عُلِمَ من أن علماء الظاهر لا يعتنون بمعرفة رجال هذه الطريق، ولا بالتعريف بهم؛ لعدم ترتب حكم شرعي على ذلك، كما يترتب عليه في نقل الحديث، وإنما اقتصرت العناية بترجمتهم على أهل التصوف والمنتسبين إليه.

ثم العلم بهؤلاء السادات الماضين من حيث الظاهر إنما هو بالشهرة والسماع، وقد يكون الإنسان في قُطْرٍ شهيرًا، وأهل قُطرٍ آخر لا يعرفونه، وهو لم يطأ تلك الأقطار كلها حتى يستقرى المجهول من المعلوم، وحيث لم يعرفهم ولا عرف شهرتهم فليستند إلى من عرفهم، حتى لا يحكم على معلوم بجهالة ولا على مستور بخمالة [نقله أحمد بن الصديق عن القادري في "المقصد الأحمد" "البرهان الجلي": ص ٧-٨].

والحاكم بعدم الوقوف على ترجمة أحد الأعلام إنما نسب الجهل إلى نفسه بهم، وعدم وقوفه على تراجمهم، وذلك لا يستلزم أن يكونوا في نفس الأمر مجهولين. [البرهان الجلي: ص ٩].

وظاهرة خفاء تراجم أغلب رجال السلسلة الشاذلية -فيما قبل ابن مشيش، وهي السلسلة الأكثر تداولًا بينهم- يشير إليها الشيخ أبو العباس المرسي بقوله: "طريقتنا هذه لا تنسب للمشارقة ولا للمغاربة، بل واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهو أول الأقطاب، وإنما يلزم تعيين المشايخ الذين يستند إليهم طريق الانتساب من كانت طريقته بلبس الخرقة فإنها رواية، والرواية تتعين بتعيين رجال سندها، وهذه هداية" [ابن عطاء الله السكندري، "لطائف المنن": ص ٩٣، "البرهان الجلي": ص ١٦].

وطبيعة السلسلة عند السادة الشاذلية مبنية على الصحبة والاقتداء، ومن ثم فالشاذلية لا يثبتون السلسلة بالأخذ بالروحانية التي عند بعض الطرق الأخرى كالنقشبندية، بل واشتراط الشاذلية الصحبة والاقتداء يجعل مجرد اللُّقي أو الإدراك الزماني غير كاف بين رجال السلسلة، ومع خفاء تراجم بعضهم وقع الكثير من الصعوبات في تعيين بعض رجالها.

الخلاصة

إن اتصال الأسانيد في الطرق الصوفية يعكس البناء القويم للتزكية، القائم على المتابعة الحية والصحبة المباشرة بعيدًا عن الادعاء أو التلقي النظري، ولا ينتقص خفاء تراجم بعض العارفين من قوة هذه السلاسل، فالمعول عليه هو انتقال السر النوراني والتحقق بالوراثة المحمدية، ليبقى هذا التسلسل الروحي حصنًا يحرس نقاء التصوف، ويؤكد استمرار سريان البركة والاتصال بسيدنا محمد ﷺ في كل زمان.

موضوعات ذات صلة

سُبُل روحانية تهدف إلى تزكية النفس وتقوية العلاقة بالله.

العهد الصوفي يكون بين المريد والشيخ وهو يعني البيعة التي تكون بين الشيخ والمريد.

تعد "الخرقة" رمزًا للبيعة والعهد في التصوف، يلبسها المريد من شيخه بعد أن يتأكد كل منهما من أهلية الآخر.

هذه الآداب مبنية على الشرع لتزكية النفس وتأمين المسيرة الروحية.

تُعد الشريعة باب الحقيقة ومفتاحها، فهي مقدمة ضرورية في السلوك.

موضوعات مختارة